استمرت ارتدادات الفوز الكاسح لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) بالانتخابات التشريعية الفلسطينية تهز القوى الداخلية وعواصم القرار الإقليمية والدولية، وكانت أبرز التداعيات تبلور ملامح ثورة داخل حركة فتح التي خسرت الانتخابات لمحاسبة المقصرين والفاسدين ودعوات داخل الحركة باستقالة قادتها، وعلى المستوى الإسرائيلي اتهمت دوائر حكومية أجهزة الاستخبارات بالتقصير في التنبؤ بفوز حماس يماثل تقصيرها في التنبؤ بحرب أكتوبر 1973.
وأمام انشغال العالم بتداعيات فوزها تبحث حماس التي وجدت نفسها فجأة في واجهة العمل السياسي عن شريك لتشكيل الحكومة في ظل إصرار فتح على رفض المشاركة فيها، وجددت حماس أمس رفضها لخطة خريطة الطريق الدولية للسلام وتمسكت بسلاح المقاومة، معلنة رغبتها في إحياء فقرة في الميثاق الوطني الفلسطيني تنص على تدمير إسرائيل، وهو ما قابله ضغط على دولي متعدد الأطراف يطالبها بتغييرات لانتهاج طريق السلام، وتلويح بعقوبات أميركية بدأت بإشارات عن إعادة النظر في المساعدات المقدمة إلى الفلسطينيين.
وعلى النقيض من الأجواء الهادئة التي رافقت الانتخابات سببت النتائج حالة غضب عارم في صفوف حركة «فتح»، وخرج الآلاف من كوادرها في عدد من المدن مثل غزة والخليل وجنين وأضرموا النيران في عشرات السيارات، فيما كان المسلحون يطلقون النيران في الهواء. ودعا القيادي البارز في «فتح» محمد دحلان إلى الهدوء وحض حشدا في غزة على وقف مظاهر الغضب، وعدم الإساءة إلى ذكرى الزعيم الراحل ياسر عرفات من خلال هذه الأعمال.
ونادى المتظاهرون باستقالة قادة الحركة ولجنتها المركزية، ومن وصفوهم برموز الفساد في «فتح» والسلطة ومحاسبتهم. وقالت مصادر فلسطينية ان الاحتجاجات في جزء منها رفض للائتلاف مع «حماس». وأصدرت «كتائب شهداء الأقصى» التابعة لفتح بياناً هددت فيه بتصفية أي مسؤول في فتح يغير رأيه ويشارك في الحكومة.
وفيما تبحث فتح في أزمتها تبحث حماس عن شريك في الحكومة حيث أعلن القيادي في «حماس» إسماعيل هنية انه اتفق مع رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس «أبومازن» على لقائه خلال أيام للتشاور بشأن تشكيل الحكومة المقبلة التي وصفها بـ «حكومة شراكة سياسية». وقالت مصادر مطلعة لـ «البيان» إن الحركة تدرس عدة سيناريوهات الأول هو إقامة تحالف وطني واسع مع فتح وباقي الفصائل والثاني إقامة تحالف مع من يرغب من الفصائل الصغيرة خاصة الجبهة الشعبية وقائمة البديل وقائمة مصطفى البرغوثي والطريق الثالث، والثالث هو إقامة حكومة تكنوقراط، أما الرابع وهو حالياً فيتمثل في تشكيل الحكومة بمفردها. وأشارت إلى أن حماس لن تلجأ للخيار الأخير سوى بعد فشل الخيارات الثلاثة.
إلى ذلك نفت «حماس» ما تناقلته مصادر فلسطينية مطلعة عن أن الحركة عرضت على وزير المالية السابق سلام فياض ورئيس حزب الطريق الثالث منصب رئيس الحكومة الفلسطينية المقبلة. وكانت المصادر ذكرت أن حماس عرضت على فياض منصب رئاسة الحكومة المقبلة ، مشيرة إلى أنه وافق ولكن بشروط. وأضافت أن فياض أبلغ حماس بأن شروطه لها علاقة بقبول الحركة التفاوض مع إسرائيل وحل الكتائب المسلحة وإدخالها في أجهزة الأمن والاعتراف بإسرائيل لضمان دعم مالي دولي.
في هذه الأثناء شددت «حماس» من مواقفها إذ أكد نائب رئيس المكتب السياسي في الحركة موسى أبو مرزوق ل«البيان» أن حماس ملتزمة ببرنامجها الانتخابي القائم أساساً على مبدأ المشاركة وتداول السلطة وعدم الانفراد بالقرار.
وقال: «سندير الشأن السياسي على قاعدة المقاومة وهناك آليات ومتسع لكل ما يخص هذا الشأن» مشيراً إلى أن حماس تؤمن بأن الشعب الفلسطيني لا يزال يرزح تحت الاحتلال والمقاومة هي وسيلة التعامل معه، ولكننا أعلنا أننا نؤمن بالحل المرحلي الذي يعني إقامة الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع. وأكد أن حماس ستسعى إلى إعادة الميثاق الفلسطيني إلى صيغته قبل التعديل، حيث اعتبر أن قيادة المنظمة أخطأت عندما اعترفت بالكيان الصهيوني.
من ناحيته رفض رئيس المكتب السياسي ل«حماس» خالد مشعل «خريطة الطريق»، ونزع سلاح المقاومة وذلك في مقابلة نشرتها أمس صحيفة «لاريبوبليكا» الايطالية.
وقال «إن خريطة الطريق غير مقبولة أنها تفرض شروطا مفصلة مثل نزع أسلحة المجاهدين واعتقالهم والتخلي عن المقاومة، لكنها تبقى غامضة بشأن التزامات إسرائيل: ولا تقول شيئا بشأن القدس واللاجئين والأراضي التي يجب إعادتها» . وأضاف «أن حماس لم تغلق باب الحوار. أن فلسفة إسرائيل الحالية هي التي تحول دون ذلك. لذلك لم تبق سوى المقاومة». و اعتبر انه «من السابق أوانه» تشكيل حكومة ائتلافية مع حركة فتح .
في هذه الأثناء كشفت مصادر عن تحضيرات لعودة مشعل إلى قطاع غزة. وقالت إن مكتب رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية عرض على طرف أوروبي القيام بوساطة لدى الجانب الأميركي للضغط على إسرائيل للموافقة على عودة مشعل. في موازاة ذلك أعلن مسؤول إسرائيلي أن إسرائيل ستواصل دفع المستحقات الجمركية للسلطة الفلسطينية والمفروضة على السلع المتوجهة إلى أسواق الضفة الغربية وغزة رغم فوز حماس في الانتخابات. وكان المدير العام بوزارة المالية الإسرائيلية يوسف باشار آثار الشكوك حول تحويل هذه الأموال، بقوله أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس أمس: «سنواجه مشكلات عملية فيما يتعلق بكيفية التعامل مع من يدعون لتدمير إسرائيل».
على الصعيد الدولي، قالت وزارة الخارجية الأميركية إن الولايات المتحدة ستجري مراجعة «لكل جوانب» برامجها للمعونات إلى الفلسطينيين إذا وصلت حركة «حماس» إلى الحكم. وقال الناطق باسم الوزارة: «نقولها بمنتهى الوضوح.. إننا لا نقدم أموالا إلى منظمات إرهابية... سنتخذ إجراءاتنا استنادا إلى قوانيننا وسياساتنا».
وفي منتجع دافوس السويسري حيث يعقد المنتدى الاقتصادي العالمي اجتماعه السنوي أثارت إسرائيل الشكوك حول استعدادها لتحويل إيرادات جمركية إلى الفلسطينيين. من ناحيتها أشارت الحكومة البريطانية أمس إلى أن مساعدتها المستمرة للسلطة الفلسطينية تعتمد على ما إذا كانت حماس ستلجأ إلى الخيار الصحيح «بين الديمقراطية والعنف».
إلى ذلك كشفت الصحف الإسرائيلية عن أن الاجتماع الطارئ الذي عقده رئيس الوزراء الإسرائيلي بالوكالة أيهود اولمرت مساء أول من أمس، شهد اتهامات كثيرة للأجهزة الأمنية الاستخبارية بالفشل عن التنبؤ بفوز حماس . وأضافت انه شبه هذا الفشل ب«قصور يوم الغفران» في إشارة إلى حرب السادس من أكتوبر.



