حبس طلاب أحداث تتراوح أعمارهم بين 12 و18 سنة احتياطياً مؤشر خطير على قصور دور المجتمع ومخالفة للقانون تجاه شريحة ينتظر منها الكثير نحو وطنها، لان معظمها ضحية سيناريو التدليل الزائد والتمييز في المعاملة بين الأبناء ونزاعات لا حد لها بين الوالدين وبرامج فضائية تكسب المراهقين عادات لا أخلاقية ناهيك عن رفاق السوء وغياب دور المدرسة الاجتماعي، مما يؤكد الحاجة إلى علاج فعلي لأحداث ارتكبوا الخطأ للمرة الأولى ليعودوا إلى صوابهم وتفوقهم الدراسي أحياناً بدلاً من وضعهم على طريق الجريمة.

والدليل على المخالفة ان قانون الأحداث ينص في مادته رقم 28 لسنة1976على انه لا يجوز حبس الحدث احتياطيا على انه إذا كانت ظروف الدعوى تستدعي اتخاذ إجراء تحفظي ضده جاز للنيابة العامة أن تودعه دور التربية المخصصة على ألا تزيد المدة على أسبوع ما لم توافق المحكمة على مدها ويجوز تسليمه أحد والديه شريطة تقديمه عند كل طلب، ولكن يبدو أن مختلف القضايا زاخرة بأوامر الحبس الاحتياطي عكس نص المادة.

وهناك وقائع شاهدة يصل فيها حبس الأحداث إلى ما يقارب السنة أو يزيد، ما يجعلنا نطالب بوضع حد للظاهرة بخطط طويلة الأمد بدلا من معالجات الترقيع والاستعانة بمحامين في قضايا الأحداث، وغير ذلك ندعو له علاجا لقصص مأساوية عايشنا ملابساتها مع صغار في عمر الزهور بقسم الأحداث بمؤسسات دبي العقابية والإصلاحية.

ويؤكد الدكتور فهد السبهان أستاذ القانون الجنائي أن هناك لجنة تشريعية منوط بها إعادة صياغة قانون الإحداث، لافتا إلى أنه تزامن جيد ان نذكر أهم العيوب التشريعية التي وقع فيها قانون الأحداث الإماراتي رقم 9 لسنة 1976 والتي بحسب قوله لم تعد مقبولة بعد مرور أكثر من عشرين سنة، ولعل اللجنة تضع ذلك وهي تصيغ هذا القانون، معددا تلك العيوب ذاكرا من بينها أنه لا توجد شرطة خاصة بالأحداث، وإنما يتم التعامل معهم من قبل رجال الضبطية المخصصين لكافة الجرائم الجنائية الأخرى للبالغين، معتبرا ذلك خطرا وخطأ في آن واحد، إلى جانب عدم وجود نيابة خاصة بالأحداث وإنما يتم التحقيق معهم من قبل أعضاء النيابة ذوي الاختصاص العام، وهذا راجع لعدم إيمان النيابة العامة للدولة بنظام النيابات النوعية وعدم توسعها في ذلك، إضافة كذلك إلى عدم وجود محاكم خاصة بالأحداث وتتم محاكمتهم من قبل دوائر تشكل لهذا الغرض.

* إبعاد الحدث

ولفت الدكتور السبهان إلى ان وجود رجال ضبطية عامة ونيابة ومحاكم خاصتين للأحداث يتفق مع طبيعة كون الحدث ليس مجرما جنائيا وإنما يستهدف من ذلك إعادة تأهيله للمجتمع مما يستلزم إنشاء كادر خاص مدرب لهذه الغايات من رجال الشرطة وأعضاء نيابة وقضاة، دورهم هنا عمل تربوي ليس القصد من الردع العقابي.

ومن بين أهم العيوب أشار أستاذ القانون الجنائي إلى أن قانون الأحداث الإماراتي لسنة 1976 يجيز إبعاد الحدث خارج البلاد، مؤكدا انه تفرد قلما نجد تشريعاً جنائياً متحضرا قد انتهجه لان إبعاد الحدث عن وسطه الاجتماعي يدفعه للجريمة بشكل أكثر جدية ويعكس خلق مجرم من الدرجة الأولى كون الوسط الاجتماعي «الأسرة» هي الرادع والمربي الأول للحدث حتى وإن كان النص يخاطب الأحداث غير المواطنين.

والأسوأ من ذلك في رأي الدكتور السبهان عدم وجوب الاستعانة بمحام في قضايا الأحداث إذا لم يلزم المشرع أن يكون مع الحدث محام ومن المفروض أن ينص القانون على ذلك، بل تلتزم الدولة بسداد نفقاته حال كون ولي أمره معسراً، معبراً عن أسفه الشديد لما يحدث في الواقع العملي إذ إن قانون الأحداث ينص في المادة رقم 28لسنة 1976 على انه لا يجوز حبس الحدث احتياطيا على انه إذا كانت ظروف الدعوة تستدعي اتخاذ إجراء تحفظي ضده جاز للنيابة العامة أن تأمر بإيداعه إحدى دور التربية المعدة لرعاية الأحداث على ألا تزيد مدة الإيداع على أسبوع ما لم توافق المحكمة على مدها ويجوز بدلا من إيداع الحدث دار التربية الأمر بتسليمه إلى أحد والديه أو من له الولاية والوصاية عليه على أن يكون ملتزما بتقديمه عند كل طلب، مؤكدا أن النص السابق لا يطبق على النحو الذي أراده المشرع، ولو فتحنا مختلف القضايا لوجدنا أنها زاخرة بأوامر الحبس الاحتياطي في حين انه لا يجوز إلا الأمر بإيداعه فقط.

* الحبس والإيداع

ولفت أستاذ القانون الجنائي إلى أن الفارق كبير بين الحبس الاحتياطي والإيداع، ففي حين يريد المشرع من الحبس الاحتياطي أن يكون جزءا من العقوبة فإن الإيداع أمر متعلق بإعادة التأهيل والتربية والحفاظ على الحدث من التشرد وإن وجد ولي أمره كما قال النص فأمر الإيداع لا داعي له على الإطلاق.

وذكر الدكتور محمد مراد عبدالله مدير مركز دعم واتخاذ القرار في شرطة دبي، أمين سر جمعية توعية ورعاية الأحداث العوامل التي تؤدي إلى انحراف الأحداث ومنها:التفكك الأسري والفقر وسوء التربية والتمييز في المعاملة بين الأبناء والشللية ورفاق السوء وغيرها بما ينعكس سلبا على الحدث، مشيرا إلى ان لكل حدث ظروفه وخصوصياته وهناك من يتأثر أكثر من غيره بالظروف المحيطة والبيئة، والحدث تعززه القيم الاجتماعية الموجودة، لافتا إلى أن العوامل سالفة الذكر اذا اجتمعت أدت إلى جنوح الأحداث.

وقال الدكتور عبدالله: إن دور الأب جوهري في هذا الجانب الذي اكتسب منه الحدث عاداته وتقاليده، فإذا كان رب الأسرة قدوة في بيته انعكس ذلك على الحدث والعكس صحيح، مشيرا إلى أن غياب لغة الحوار بين أفراد الأسرة الواحدة أدى بالحدث إلى ما وصل إليه، مؤكدا أن دور المدرسة التربوي بدأ يتقلص ويطغى عليه التعليمي والتركيز على تعلم الطالب وإنهاء المنهاج الدراسي بعيداً عن اكتسابه مهارات حياتية وسلوكا وقيما، معربا عن أسفه لعدم تواصل أولياء الأمور مع إدارات مدارس أبنائهم ما خلق مشكلات سلوكية أدت إلى انحراف الأبناء.

* برامج متخصصة

وأشار المقدم طارق كلنتر مدير إدارة سجن الرجال للمؤسسات العقابية والإصلاحية بدبي إلى أن الإدارة العامة للمؤسسات العقابية إدارة جديدة تغير مفهومها العقابي إلى علاجي، وتساءل: ما العلاج الذي نريد إيصاله للحدث في مثل سنه؟، فالحدث على حد قوله يمر بمرحلة مراهقة حرجة للغاية، مؤكدا حاجته لتكاتف أكثر من جهة كالشرطة والمدرسة ووزارة التربية والتعليم وتغاضيها عن تدخين البعض من الأحداث للسجائر والتليفونات الخاصة أثناء الحصص الدراسية وتبادل الرسائل بين الطلبة، مسلطا الضوء على الصراع القائم بين وزارة العمل وأية جهة أخرى تشرف على الأحداث ومنوها بالقانون الخاص للأحداث في الدولة وتفرده بقصد رعايتهم.

واستطرد قائلا: في دبي الإدارة تولي اهتماماً كبيراً برعاية الأحداث عبر برامج متخصصة ومناشط وفعاليات ساهمت إلى حد كبير في التقليل من نسبة الأحداث إضافة إلى الرعاية اللاحقة لهم بعد خروجهم وإيجاد وظائف لهم برعاية قسم الأحداث نفسه، مطالبا بضرورة بث الوعي المجتمعي ونشر ثقافة حقوق الطفل،داعيا إلى عدم تشغيل طفل عمره سبع سنوات فقط على سبيل المثال.

وقال الدكتور محمد إبراهيم سحلول استشاري الطب النفسي بمستشفى الأمل بدبي إن الأسرة هي الخلية الأولى لتكوين المجتمع، وصلاح المجتمعات مرتبط بعلاج هذه الخلية، مشيرا إلى أن كافة الدراسات تشير إلى أن جنوح الأحداث والمراهقين سببه الرئيسي هو انتماؤهم لأسر مفككة سواء كان هذا التفكك ظاهرا أو مستترا، مستشهدا بالمفاهيم الخاطئة في التربية وحصرها في توفير المطالب المادية فقط والتخلي عن القيم الأخلاقية والمعنوية وفقدان التواصل بين أفراد الأسرة والتركيز على الشكل فيما يتعلق بالاستهلاك الباذخ وإهمال قيم الجد والأمانة والاستقامة.

ووصف استشاري الطب النفسي دور المجتمع بأنه خطير جداً في تكوين فكر الشباب واتجاهاته، لافتا إلى ان الأحداث أكثر عرضة للانحراف والاندفاع لطريق المخالفات والجريمة بسبب غياب الرقابة الواعية من الأسرة والتعرض لاضطرابات نفسية لغياب الدعم الإرشادي.

د. أسامة الموسى الأخصائي النفسي بالمؤسسات العقابية والإصلاحية في دبي أكد أن التفكك الأسري له دور كبير في تدمير كثير من العلاقات المقدسة ما انعكس سلباً على الأحداث من الطلاب، مشيرا إلى ان التدليل، الزائد عن الحد خاطئ وزيادة الحب كذلك، مرجعا سبب ضياع الأبناء لاسيما الأحداث منهم إلى اختلاف الوالدين في تربية الأبناء والكره بينهما وإلقاء المسؤولية كل طرف على الآخر وكأن الزواج تجارة ربح وخسارة، مشيرا إلى ان المسؤولية تقع على عاتق الأسرة بنسبة 40 بالمئة والمدرسة 60 بالمئة.

أبطال المأساة على ارض الواقع سردوا والغصة في حلوقهم دوافعهم للجنوح ، ( و- ف ) طالب في السابعة عشرة من عمره يقول: سرقت هواتف نقالة للحصول على مبالغ نقدية منذ شهرين، والدي متوفى وأخي الأكبر عميد في الجيش يعول الأسرة، لطالما سألته توافر المال ولكنه يرفض مرارا مادفعني إلى السرقة، توبتي نصوحة وخالصة.

(أ.ش) طالب إعدادي في السادسة عشرة من عمره، تهمته اللواط ورفاق السوء لهم دور فيما وصل اليه، تعلم في قسم الاحداث ما لم يتعلمه من قبل.

(خ.ع) في السادسة عشرة من عمره، ربعه دفعوه إلى سرقة الهواتف النقالة، أمضى ثلاثة أشهر في الايداع وعلى وشك الخروج آملا البعد عن رفاق السوء.

تحقيق: يحيى عطية