المسكن الملائم والمستشفى أو العيادة الطبية المتكاملة والمدارس وتوفير مياه الشرب وشبكة الطرق المناسبة، كلها من ضرورات الحياة الآمنة والمطمئنة التي يحتاج إليها المواطنون في المناطق الجبلية أو البعيدة عن المدن والتي يُطلق عليها المناطق النائية ويقطنها أعداد كبيرة من المواطنين هم بحاجة ماسة وشديدة إلى هذه الخدمات.
«البيان» قامت بجولة في عدد من هذه المناطق في الإمارات المختلفة والتقت بأهالي هذه المناطق، فطالب البعض منهم بضرورة تشييد مساكن شعبية جديدة وبديلة عن التي يقطنونها بعد زيادة عدد الأبناء المتزوجين المقيمين مع آبائهم في هذه المساكن المتهالكة والمقامة منذ فترة زمنية بعيدة، كما طالب آخرون بتوفير مياه الري لإنقاذ نخيلهم وبساتينهم المحترقة من شدة العطش، إضافة إلى توفير المرافق الصحية والشوارع المعبّدة وإنارتها.
يفضل أهالي «وادي القور» مكابدة آلام المرض على زيارة العيادة الأقرب إليهم والتي تبعد 15 كيلومتراً حيث مساعد الطبيب ما هو إلا «فراش» قام مؤخرا بوضع كمامة التنفس بصورة معكوسة على فم أحد مرضى الطوارئ الذي توفي بعد نقله لمستشفى آخر.
وهذا ليس حال العيادة البعيدة عنهم فحسب بل يأتيهم التهديد يوميا بسبب منازلهم المتهالكة التي كثيرا ما تساقطت فوق أبنائهم أجزاء من أسقفها، وحال نخيلهم وبساتينهم المحترقة بسبب تجاهل المعنيين عن إيصال الماء إليها، حيث تناستها قرارات الإصلاح الوزارية وتجاهلتها خطط المشاريع الإعمارية ولم يطلع على حالهم صاحب كلمة يؤمن لهم احتياجاتهم ومتطلباتهم البسيطة التي لا تتعدى توفير المنازل والمدرسة والعيادة الصحية والإنارة ومياه الشرب ومياه الري.
في منطقة «وادي القور» التابعة لإمارة رأس الخيمة يقطن أكثر من 700 نسمة في شعبية بناها لهم قبل 25 سنة المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد رحمه الله ومع مرور الأيام أصبحت الحاجة تزداد لاستبدال هذه المنازل وتوسيعها بعد تهالكها وبلوغ الصغار سن الرشد وتأهلهم لتشكيل أسر جديدة، حيث قام أهالي المنطقة بمطالبة الجهات المسؤولة ببناء منازل جديدة أو ترميم القديمة علها تقيهم حر الصيف وبرد الشتاء لكنهم لم يسمعوا لنداءاتهم أي صدى خلال السنوات الطويلة الماضية، وما زال أملهم في تحرك المعنيين لإسعافهم قائما.
يقول سعيد عبيد غشوم إن منطقة وادي القور من أقدم المناطق التابعة لإمارة رأس الخيمة غير أنها لم تحصل على ما حصلت عليه المناطق الأخرى من عيادة صحية وإنارة للطرقات ومنازل جديدة وكأنها منطقة هلامية لا وجود لها على أرض الواقع.
وأكد أنه لولا مكرمة الشيخ راشد بن سعيد رحمه الله لكان أهالي المنطقة حتى هذه الساعة يقطنون منازل السعف، فبعد قيام الشيخ راشد رحمه الله ببناء 72 منزلا لهم عام 1980 لم تقدم أي جهة حكومية أي خدمة لا في ترميم المنازل ولا في حفر الآبار ولا في شيء يعين أهل المنطقة على صعوبة العيش.
وأكد أنه قبل سنوات قام أحد رجال الأعمال وفاعلي الخير بزيارة منطقة الوادي بعد سماعه بحاجة أهلها للمنازل وبعد تجوله في بعض المنازل قام ببناء 56 منزلا للأهالي غير أن هذه المنازل لم تكف لجميع السكان فانتقل بعضهم إلى المنازل الجديدة وبقي قسم في المنازل المتهالكة التي سقط العديد منها والتي تشكل خطرا كبيرا على سكانها الفقراء الذين بالكاد يملكون قوت يومهم.
* نداء لإحلال شعبية الشيخ راشد
سالم محمد الكعبي طالب بإنشاء مساكن جديدة لأهالي وادي القور أو ترميم القديمة التي رفض بعض سكانها مغادرتها وفاء للمغور له الشيخ راشد بن سعيد رحمه الله وهو ما أكده الحاج محمد سالم الكعبي بقوله: «لن أخرج من هذا المنزل الذي منحني إياه الشيخ راشد رحمه الله إلا إلى القبر وفاء لذكراه لأنه هدية وهي أمر عظيم عندنا».
وأضاف سالم داخل شعبية الشيخ راشد يوجد مسجد قديم جدرانه متشققة ويتردد عليه العديد من السكان لأداء فريضة الصلاة وأنهم طالبوا مراراً بعمل صيانة له غير أنهم تجاهلوا طلبهم. وأوضح سالم أن مشكلة السكن تمس جميع الأهالي خاصة وأنهم من أصحاب الدخل المحدود وهم لا يملكون أي نشاط تجاري أو صناعي أو زراعي ويعتمدون على بعض الوظائف لسد رمقهم وأن معظمهم عليهم ديون بسبب ترميم مساكنهم.
وأكد أن منطقة وادي القور الوحيدة من بين المناطق التي لا يوجد على الشارع المؤدي إليها ولا داخلها إنارة فهي تغيب في ظلام الليل والنسيان.
وطالب راشد محمد سعيد هيئة الهلال الأحمر بحفر آبار للمياه لإنقاذ ما تبقى من مزارع النخيل التي مات 90% منها وأوضح أنهم سينالون ضعف الثواب الذي يحصلون عليه من حفر الآبار خارج الدولة لأنهم ـ والكلام لراشد ـ في حفر الآبار داخل الدولة يقومون بتأدية فريضة وواجب أما خارج الدولة فعملهم يعد مندوبا.
* 6 أسر في منزل واحد
وطالب بإيجاد حل لمشكلة المنازل المتهالكة وأكد أن معظم المنازل تقطنها ثلاث أو أربع أو خمس أسر حيث تزوج الأبناء في منازل أهلهم وهناك العديد من الشباب لا يمنعهم من التأهل إلا عدم وجود المساكن. والمنازل كلها صغيرة وهي مكونة من 3 غرف وبغية توفير غرف إضافية قام معظم أهل المنطقة بتحويل مجالسهم ومطابخهم إلى غرف للتمكن من عزل الشباب عن أخواتهم في غرف خاصة وقاموا ببناء مطابخ من صفيح داخل ساحة المنزل.
* مياه الشرب مالحة
وأشار عبيد سعيد الكعبي إلى قلة المياه في «وادي القور» وإلى ملوحتها وأن سكان المنطقة يقتصدون في صرف المياه بصورة كبيرة ويحاولون استغلالها أكثر من مرة ورغم ذلك ما أن تبدأ الشمس بالغروب إلا وينقطع الماء عن معظم المنازل ويبدأون بالاتصال ببائعي صهاريج المياه للشراء منهم وهذا الأمر يتكرر يوميا ويبلغ سعر الصهريج 50 درهما.
وأوضح أن مؤسسة المياه الاتحادية تقوم بإرسال صهريجين من المياه كل 24 ساعة لأكثر من 700 نسمة وأن فواتير المياه التي ندفعها تصل شهريا إلى 400 درهم وهو مبلغ كبير مقارنة بكمية الماء التي تصلنا وكونها مياهاً مالحة لا تصلح للشرب وتوضع في خزانات قديمة والصهاريج التي تنقل بها قديمة.
وقد قامت مؤسسة المياه بتنفيذ جزء من المشروع الذي أمر به المغرور له بإذن الله الشيخ زايد رحمه الله قبل 4 سنوات لإيصال المياه من محطة التحلية في الفجيرة عبر خط أنابيب يصل إلى المنطقة وكان من المقرر أن يبدأ تشغيله مطلع هذا العام غير أنه لم يبدأ، ولم يقوموا بتركيب خزانات المياه حتى الآن.
أما عبيد حميد غشوم فبدأ حديثه بشجن الماضي وذكرياته قائلا إن تسمية المنطقة بوادي القور يعود لكونها من المناطق الكثيفة ببساتين النخيل حيث كانت واديا بكل ما تحمله كلمة الوادي من جمال وخضار وأشار إلى قلة الماشية الموجودة حاليا عند أصحاب المنطقة بسبب فقدان المرعى والأعشاب.
* المدارس غائبة
وأضاف عبيد حتى المدارس والروضات غائبة عنا ما يضطرنا لإرسال أبنائنا لمسافة 15 كيلو مترا لمدرسة الذكور و20 كيلو مترا لمدرسة الإناث وهو ما يشكل خطرا عليهم خاصة وأن المنطقة نائية نسبيا ولا يتوفر فيها سيارات أجرة ففي حال حدوث طارئ على الطريق أو شيء داخل المدرسة يضطر الطالب فيها انتظار الحافلة المدرسية أو الوقوف على الطريق العام لينقله سائق متجه للمنطقة.
وأوضح ان أصحاب البقاليات القليلة يقومون باستغلال الناس وأن العديد من المواد الغذائية التي يبيعونها منتهية الصلاحية وأنه لم ير أو يسمع منذ ولادته وحتى الآن أن أحد مفتشي البلدية قام بزيارة المنطقة. وأن أسلوب تخزين المواد الغذائية خاطئ حيث يضعون بعضها تحت أشعة الشمس بسبب ضيق محلاتهم لفترات طويلة وبسبب قلة الحركة التجارية.
* مساعد الطبيب «فراش»
وقال عبد الله خميس الذي التقته «البيان» في العزاء الذي أقيم على وفاة والده الذي وافته المنية قبل يومين إنه قبل وفاة والده بساعات قام بنقله مع عمه إلى أقرب عيادة وهي عيادة منطقة المنيعي التي تبعد 15 كيلوا مترا، وفور وصولهم قام عامل التنظيفات «الفراش» بمساعدة الطبيب ووضع كمامة الأوكسجين على فم والده بصورة معكوسة! وعندما لاحظ ذلك صرخ بوجه الطبيب وطالب بنقل والده إلى مستشفى في رأس الخيمة وهناك توفي والده رحمه الله.
* الطبيب يناوب في بيته
وأضاف أن عدم وجود عيادة في المنطقة تسبب العديد من المتاعب لأهلها وأن عيادة «المنيعي» المجهزة على انها مستشفى لا يتوفر فيها العدد الكافي من الممرضين أو الأطباء أو الموظفين وكثيرا ما ينتظر المريض أو المصاب بحالة طارئة حضور الطبيب الذي يناوب في بيته بدل المناوبة في العيادة حيث يقوم «الفراش» سابق الذكر بالاتصال بالطبيب المناوب والذي من المفترض ان يتواجد في العيادة ويعلمه بوجود حالة طارئة أو مريض فيقوم الطبيب بسؤاله عن جنسية المريض فإذا كان مواطنا يصل الطبيب خلال نصف ساعة وإذا كان وافدا قد يستغرق الوقت ساعة.
وأشار عبد الله إلى أن جميع سكان المنطقة يحتفظون بذكريات مؤلمة عن العيادة ومنها أن حادثا وقع في سيارة على الطريق الساعة الحادية عشرة ليلا وقام الناس بالاتصال بالعيادة حيث أصيبت امرأة في الحادث ولم تصل سيارات الإسعاف الموجودة في العيادة التي تبعد عن موقع الحادث 15 كيلومتراً فقط إلا بعد 45 دقيقة تماما وكان الطبيب الذي حضر فور وقوع الحادث إلى المكان يكرر «أعتقد أنها ستموت أعتقد أنها ستموت» وبعد نقلها إلى العيادة بدقائق توفيت رحمها الله.
* الولادة على الطرق
وأضاف من المهم أن يتوفر في مستشفى المنيعي قسم للولادة حيث لا يوجد في المناطق كلها مستشفى للولادة وأقرب مستشفى يبعد 150 كيلوا مترا وكثيرا من حالات الولادة تمت على الطريق وبعض المواليد أصيبوا بتشوهات بسبب ذلك.
استطلاع محمد زاهر:

