فاجأت حركة «حماس» الجميع وخالفت كل التوقعات، وفتحت الوضع الفلسطيني على كل الاحتمالات، حين انتقلت من موقع المعارضة إلى السلطة، باكتساحها حركة «فتح» في الانتخابات التشريعية بغالبية مريحة، لتختار الحركة المهزومة مقاعد المعارضة تاركة «حماس» وحدها أمام استحقاق تشكيل الحكومة الجديدة، ومواجهة معضلات داخلية وخارجية مستعصية، برزت ملامحها في صدمة إسرائيلية وصدور إشارات القلق والارتباك من العواصم الأوروبية، مع رفض الرئيس الأميركي جورج بوش التعامل مع الحركة الصاعدة ما لم تعترف بإسرائيل وتنبذ العنف. وأعلنت لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية مساء أمس ان «حماس» فازت بـ 76 مقعدا بنسبة تزيد عن 60% مقابل 43 مقعدا لحركة فتح.
وقال رئيس لجنة الانتخابات حنا ناصر في مؤتمر صحافي ان حماس حصلت على 30 مقعدا من مقاعد القائمة النسبية و46 مقعدا من مقاعد الدوائر مقابل 27 لحركة فتح من القائمة و 16 مقعدا من الدوائر. وجرت الانتخابات وفق نظام مختلط مناصفة، بين الدوائر والقوائم النسبية. وشارك نحو 980 ألفاً من الناخبين المسجلين من أصل 1.3 مليون حيث بلغت نسبة الاقتراع حوالي 77 بالمئة. وقال ناصر ان هذه النتائج أولية وهناك 5% من الأصوات لم ينته فرزها وستعلن نتائجها خلال يومين.
وحصل المستقلون في الدوائر على أربعة مقاعد فقط. وحصلت قائمة أبو علي مصطفى (الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين) على 3 مقاعد وقائمة البديل (ائتلاف اليسار) على مقعدين وقائمة فلسطين المستقلة على مقعدين وقائمة الطريق الثالث على مقعدين. وتجلى انتصار حماس في الدوائر حيث حصلت على نحو 70 بالمئة من المقاعد ال66. كما حققت حماس نصرا كبيرا في المدن الكبرى مثل الخليل (جميع المقاعد التسعة) ونابلس حيث حصلت على 5 من أصل 6 والقدس 4 من 6 وفي دائرة مدينة غزة حصلت على جميع المقاعد الخمسة.
ومن أبرز الذين فشلوا من لائحة فتح جبريل الرجوب المستشار الأمني للرئيس الفلسطيني والذي خسر في دائرة الخليل أمام مرشح حماس( نايف الرجوب) وأعلنت «حماس» على الفور عن رغبتها في السعي إلى شراكة سياسية مع جميع القوى الفلسطينية وعلى رأسها حركة» فتح».
وفي مؤتمر صحافي في مدينة غزة، قال القيادي في الحركة إسماعيل هنية ان «حماس» ستولي «موضوع الحكومة أهمية بالغة في الفترة المقبلة»، لكنه قال «نريد أن نعمل معاً لأن التحديات أمام الشعب الفلسطيني كبيرة والمعركة لا تزال طويلة». وأضاف «من المبكر ان نقول ان «حماس» أصبحت سلطة، وما زلت أؤكد على الشراكة مع كل الفصائل ومع أذرع المقاومة لأن الشعب ينتظر تحولات ايجابية تنقلنا من التفرد في إدارة الشأن إلى الشراكة السياسية التي تحترم التعددية»، مع انتهاء هيمنة «فتح» على المجلس التشريعي.
وكرر هنية موقف حركته الرافض للاعتراف بالاحتلال والتفاوض معه بالطريقة التي خاضتها السلطة الفلسطينية بقوله «التجربة السابقة لم تكن تجربة ذات جدوى، ولذلك تكرارها صعب من قبل حماس». وبشأن مسألة نزع سلاح «حماس» بعد دخولها السلطة، كرر هنية تأكيده ان «سلاح المقاومة، سلاح (كتائب) القسام وفصائل المقاومة مرهون بالاحتلال، طالما هناك احتلال من حق الشعب ان يقاوم الاحتلال ويدافع بالوسائل والإمكانات المتاحة». كما أعرب الناطق الإعلامي باسم «حماس» سامي أبو زهري عن استعداد الحركة للتفاوض مع الغرب والانفتاح.
وقال أبو زهري في تصريحات للصحافيين في غزة أمس «نحن مستعدون لتعديل نظرة الغرب تجاه الشعب الفلسطيني وتجاه حركة حماس»، مؤكداً «عدم وجود أي عداء مع المجتمع الغربي وأن العداء مع العدو الإسرائيلي ونحن معنيون بالانفتاح مع الغرب». وحول تصريحات خافيير سولانا بأن التكتل الأوروبي لن يقدم مساعدات للفلسطينيين إذا فازت حماس في الانتخابات، قال أبو زهري: «إن سولانا لا يعبر عن موقف الاتحاد الأوروبي وأن هذه التصريحات ستتبخر في غضون الأيام القريبة».
من جانبه أكد كبير المفاوضين الفلسطينيين، صائب عريقات، ان «فتح» لن تشارك في حكومة تشكلها «حماس» و«لن تكون جزءاً من حكومة وطنية»، وإنما ستكتفي بدور «المعارضة الموالية». وقال ان على من فازوا «تحمل كل مسؤولياتهم السياسية والأمنية والاقتصادية والوطنية»، وهو ما يضع «حماس» أمام التحديات الجسيمة الملقاة على عاتق السلطة الفلسطينية المتهمة بالعجز والتقصير مع مواصلة العمليات العسكرية الإسرائيلية، ووقف إسرائيل للمفاوضات السياسية، وإغلاق الأراضي الفلسطينية وتنامي الفقر والبطالة.
وأعلن قيادي «فتح» في غزة سمير المشهراوي «مشروعنا.. مشروع حركة فتح ليس هو الحكم ومشروعنا ليس هو مشروع المشاركة في السلطة».
وأضاف «الشراكة السياسية ليست بالضرورة المشاركة في الحكومة.. حركة فتح تفضل أن تجلس في المعارضة هذه المرة لكي تدافع عن حقوق الشعب الفلسطيني وتراقب أداء السلطة التنفيذية الجديدة». وقالت مصادر مقربة من رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبومازن) إنه يؤيد بقاء» فتح» خارج أي حكومة تقودها «حماس»، لكن الكلمة الأخيرة ستكون للجنة المركزية للحركة.
ورغم الأجواء المشحونة التي عاشتها المناطق الفلسطينية لم تقع ردود أفعال عنيفة، خلا مصادمات محدودة اندلعت بين أنصار «فتح» و«حماس» أمام مبنى المجلس التشريعي في رام الله حين رفع أنصار الحركة الفائزة أعلامها الخضراء على المبنى. وعلى خط مواز، اتصل رئيس حركة «فتح» فاروق قدومي أمس برئيس المكتب السياسي ل«حماس» خالد مشعل قبل لقائهما أمس، وهنأه بالفوز، وطالبه بالتمسك بالمقاومة وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أسس جديدة.
ولم يكن لدى قدومي، بحسب مستشاره الإعلامي أنور عبدالهادي، سوى الإشارة إلى اجتماعات مقبلة ل«فتح» خلال اليومين المقبلين لبلورة موقف الحركة النهائي من كل القضايا بما فيها المشاركة في الحكومة.
وفي الجانب الإسرائيلي، خلف فوز «حماس» ما يشبه الصدمة في أوساط الحكومة الإسرائيلية، حيث طلب من الوزراء عدم إطلاق التصريحات حتى إعلان النتائج النهائية، وحذرت إسرائيل من انها لن تتعامل مع حكومة فلسطينية تضم منظمة ترفض الاعتراف بها. كما أفادت مصادر إسرائيلية بأن الارتباك يسود داخل جيش الاحتلال وبخاصة في شعبة الاستخبارات وذلك في أعقاب نتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية.
وأشارت تقارير إلى أن الأجهزة الأمنية تعترف بالمفاجأة والنتائج غير المتوقعة فيما شبه سياسيون إسرائيليون ما حدث بأنه «هزة أرضية في الشرق الأوسط». وقالت مصادر أمنية إسرائيلية: «من الواضح أن «حماس» قوية على رأس السلطة الفلسطينية ليس في مصلحة إسرائيل ويقلص ذلك إمكانات مواصلة الحوار الأمني السياسي مع الفلسطينيين ومن السابق لأوانه القول بأن نتائج الانتخابات ستؤدي إلى تصعيد أمني».
وعلى الصعيد الدولي أعربت الدول الغربية عن القلق إزاء فوز «حماس» وربطت أي حوار معها بالتخلي عن العنف.
ففي واشنطن أعلن بوش «حتى يكون حزب سياسي قابلا للحياة، عليه ان يدعو إلى السلام بطريقة تحافظ على السلام «. وقال ان إدارته لن تتعامل مع «حماس» ما لم تعترف الحركة بإسرائيل وتنبذ العنف. لكنه أشاد بالانتخابات الفلسطينية التي رأى انها تعزز الديمقراطية التي ستفضي إلى السلام، مع إشارته إلى انها جرس إنذار للحرس القديم في السلطة الفلسطينية.
من جهتها أكدت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس لأبومازن دعم الولايات المتحدة وذلك في اتصال هاتفي أمس. وقال مسؤول في الخارجية الأميركية طالبا عدم كشف اسمه ان واشنطن ستسعى إلى إقناع أبومازن بعدم تسمية وزراء من «حماس» في الحكومة المقبلة حتى لو حققت الحركة تقدما كبيرا في الانتخابات.
ودعت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني الاتحاد الأوروبي لاتخاذ موقف حازم من قيام ما وصفته بأنه «حكومة إرهابية».
وفي بروكسل، أكدت المفوضة الأوروبية للعلاقات الخارجية بينيتا فيريرو ـ فالدنر ان المفوضية ستتعاون مع الحكومة الفلسطينية المقبلة «أيا تكن إذا كانت مصممة على التوصل إلى أهدافها بطريقة سلمية».
ومن جهته، أعلن الممثل الأعلى لسياسة الاتحاد الأوروبي الخارجية خافيير سولانا ان فوز حماس يمكن ان يضع الاتحاد الأوروبي أمام «وضع جديد كليا» سيخضع لدرس الاثنين من قبل مجلس وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي. يذكر ان الاتحاد الأوروبي يضع حماس على لائحة المنظمات التي يعتبرها إرهابية، ودعا وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر ـ شتانماير حماس إلى التخلي عن العنف والاعتراف بحق إسرائيل بالوجود.
واعتبر رئيس الوزراء البريطاني توني بلير ان على (حماس) ان تختار بين الديمقراطية والعنف، وان بلاده «تقر طبعا بفوز حماس لأن الشعب عبر عن نفسه بهذه الطريقة في السلطة الفلسطينية». وفي روما، أعلن رئيس الحكومة الايطالية سيلفيو برلسكوني ان الفوز المعلن لحماس «سلبي جدا». وعبر عن أسفه لان «غالبية الشعب الفلسطيني تؤمن بهذه المنظمة المتطرفة».
وفي استكهولم، حذرت الحكومة السويدية حماس من انه يتعين عليها تغيير سياستها إذا أرادت التعاون مع الاتحاد الأوروبي والسويد خصوصا. وفي كوبنهاغن، دعا وزير خارجية الدانمرك بير ستيغ مولر حماس إلى العمل للتوصل إلى حل سلمي من خلال التفاوض مع إسرائيل.
وصرح للمحطة التلفزيونية الرسمية «تي في 2» انه «أمر أساسي، إذا كانت حماس ستشكل حكومة، ان تلتزم حلا سلميا ينطلق من المفاوضات، وليس حلا عسكريا أو إرهابيا». وأكد مولر ان الدانمرك «لن تضع حدا» لمساعدتها للفلسطينيين إذا تولت حماس الحكم، وتبلغ قيمة هذه المساعدة نحو 114 مليون كورون دنماركي سنويا.
وفي امستردام، قال ناطق باسم وزارة الخارجية «لا يمكننا التعاون مع حماس إذا واصلت السعي إلى تدمير إسرائيل والقيام بأعمال عنف». ومن جهة أخرى، قال مبعوث وزارة الخارجية الروسية إلى الشرق الأوسط الكسندر كالوغين ان روسيا تتوقع من حماس ان تؤيد «حلا سلميا وبالتالي إقامة دولة فلسطينية مستقلة تتعايش بسلام إلى جانب إسرائيل».
وأعلن وزير الخارجية النرويجي يوناس غار ستور ان بلاده مستعدة للحوار مع حكومة فلسطينية تشكلها حركة المقاومة الإسلامية (حماس). وصرح ستور لإذاعة «ان ار كاي» من برلين حيث يقوم بزيارة رسمية «لا نجد حائلا دون إجراء حوار مع السلطات المنتخبة شرعيا في الجانب الفلسطيني».
غزة، رام الله، دمشق ـ «البيان»: