التقرير الذي تم نشره الجمعة الماضية يضجّ بالمعلومات الخاطئة والمربكة، ويدل على عدم بذل جهد كاف في مجال دراسة الأمور الشرعية والقانونية المتعلقة بمثل هذا التشريع بالغ الأهمية.
بداية من العنوان الملفت نقف عند الجملة التي بدت كفتوى تم الاتفاق عليها وثبت صحتها رغم الخطأ الفاحش الذي جاء فيها «احتفاظ المرأة بالعصمة جائز شرعاً إذا تنازل الرجل عن حقه» يبدو أن كاتب التقرير الزميل ضياء الدين أحمد لا يعلم أن حق الرجل بالطلاق ثابت ولا تنازل فيه للزوجة، وأن منحها حق تطليق نفسها أو ما يسمى بالاتفاق على منحها العصمة ما هو إلا نوع من أنواع الوكالة التي يتفق عليها الزوجان قبل الزواج، وفيها تكريم للمرأة إذ يمنحها الزوج الحق بتوكيلها بفصم عرى الزوجية إضافة لحقه الذي يحتفظ به كنوع من أنواع الثقة وإثبات وجهة نظر مفادها إنني لن ألزمك بالبقاء معي إذا ارتأيت غير ذلك.
والوكالات الشرعية والقانونية متعارف عليها بين الأزواج ومرضي عنها في مجال بيع العقارات والأراضي، فلماذا يربكنا ويخيفنا أن نسمع عن وكالة في مثل حق الانفصال بين الزوجين إذا استحالت بينهما العشرة؟ ولماذا رأى فيها زميلنا الفاضل توجهاً سلبياً.
إذ يقول في الفقرة الأولى من التقرير «مع غياب القيم الإسلامية عن مجتمعاتنا بدأت تظهر بعض العادات السلبية الغريبة علينا مثل مطالبة بعض الزوجات أن تكون «العصمة» أو حق التطليق في أيديهن وليس في أيدي الأزواج » لا أرى كيف استطاع حبك هذه الجملة بشكل عصي على الفهم، إذ يقول إن هذه العادة سلبية غريبة عن مجتمعاتنا، فكيف حكم بسلبيتها، وإن كانت غير ايجابية لماذا سمح بها وأقرّها المشرّع؟ ومتى لاحظ غياب القيم الإسلامية عن مجتمعاتنا، وعن أي مجتمعات يتحدث وكيف استطاع التعميم؟
وكيف ارتبط هذا الغياب للقيم الإسلامية الذي تحدث عنه بمنح الزوجة هذا الحق؟ وهل هناك ما يؤكد أن غياب القيم تزامن مع إقرار حق العصمة؟ وكيف يبالغ بالخطأ إذ يعتقد أن منح العصمة للزوجة بسلب الرجل حقه في التخلص من زواج سيئ وكأنه بمنح زوجته العصمة فقد رجولته أو تنازل عن حقه في إيقاع الطلاق. وأود هنا أن أذكّر بأن النبي «صلى الله عليه وسلم» خيّر نساءه فاخترنه وهذا مثبت في قول الله ـ تبارك وتعالى «يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً».
أخي الكاتب لا يستطيع الرجل التنازل عن حق مثبت في القرآن والسنة مثل حق إيقاع الطلاق الذي لا تنازل فيه، ولكنه يحق له أن يوكل زوجته لتحصل على مثل هذا الحق ويكون لها مثل ما له من حق في إيقاع الانفصال.
عندما تحدث الأخ الكاتب على لسان أحد العلماء بالقول «ويطالب فضيلة الشيخ فرحات السعيد المنجي المشرف العام السابق على مدن البعوث الإسلامية بالأزهر بضرورة البحث عن أسباب انتشار ظاهرة أن تكون العصمة في يد المرأة فهل هذا لخراب ذمم الرجال أم لعيب في الزوج أم لأن المرأة تريد أن تكون مطلقة السراح في أي وقت.
مؤكداً أن الزواج إذا كان بهذه الصورة فهو محكوم عليه بالفشل لأن الزوجة تتخذه مجرد استراحة لحين ظهور الزوج المناسب، وربما تكون مثل هذه المرأة قد فقدت الثقة في الرجال» أستغرب مثل هذه النظرة السلبية التي إن دلت على شيء فإنما تدل على نظرة قاصرة وغريبة فيما يتعلق بمعرفة شؤون النساء، إذ ذكر الأسباب التي قد تكون أبعد ما يمكن عن تبرير مثل هذا الطلب من المرأة، لم يتحدث مثلاً عن روتين المحاكم القاتل الذي يستمر في قضايا الطلاق لسنوات قد يموت أحد الطرفين أو كلاهما قبل انتهاء الحكم بإحدى القضايا في بعض الدول العربية أو الإسلامية، لو اتبع الناس السنّة وتمسكوا بقاعدة بسيطة هي «إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان» لما احتجنا لمثل هذه المنافذ التشريعية.
أود أن أشير إلى أن كثيراً من الرجال الأكارم الذين يثقون بأنفسهم هم أنفسهم يطرحون على زوجاتهم منحهن هذا الحق عند الزواج، وفي ذلك دلالة على ثقة مطلقة بالنفس وبالقدرة على اجتذاب المرأة لبيت الزوجية بكامل إرادتها.
كما يستطرد الكاتب بتبرير سبب طلب بعض النساء حق العصمة بالقول «تعتقد أنه سيلقي بها خارج البيت في أي وقت» أي أن دافع المرأة لطلب حق العصمة هو خشيتها من أن يطردها خارج المنزل وفي هذا خلط غريب، أليست هي التي ستملك العصمة ولها حق تطليق نفسها؟ فلماذا تخشى أن يلقي بها خارج المنزل؟ هل يقصد بذلك أن تسبقه في الفضل وتطرده هي قبل أن يقوم هو بهذه البطولة؟
يستكمل الأخ بالقول «ويضيف الشيخ فرحات السعيد ان مثل هذا الزواج هو خلاف المألوف وتنكيس للأمور وهو لا يتناسب مع أمر القوامة التي شرعها الله تعالى في كتابه الكريم لذلك فإن العام والمألوف يأبى هذا وينكره، ويذكر أنه حدث في بلدته منذ زمن طويل مثل هذا الأمر فقد اشترطت المرأة أن تكون العصمة في يدها وما زال الأبناء والأحفاد الذين جاءوا ثمرة لهذا الزواج يعيرون بهذا لما لهم من طبيعة معكوسة». أتساءل إذا كان هذا الأمر معترف به شرعاً ماذا يهم إن كان فيه تطبيق لغير المألوف!!.
مثلاً من غير المألوف أن يتزوج الرجل أربعاً ولكنه أمر مشروع ولا يستطيع أحد أن يعيب على التعدد رغم ذلك. وأتساءل لماذا لا يتناسب الأمر مع القوامة، على العكس تماماً لأن الرجل الذي يمنح المرأة مثل هذا الحق هو واثق من قدرته على القوامة، وإدارة شؤون أسرته، وأنه استطاع امتلاك قلب زوجته بالرحمة وليس بالترهيب والتلويح بحق يسيء الكثيرين استعماله.
أما بالنسبة لاستشهاد حضرة الشيخ بحالة حصلت منذ سنوات في قريته والمعايرة التي يتعرض لها الأولاد نتيجة مثل هذا الشرط فهو أمر مثير للاستغراب.. أعني يشترط الأزواج أغرب الشروط في عقودهم ولم أسمع عن أحد يعيّر من قبل بشروط عقد الزواج، إذ ذهب بعضهم إلى توثيق أدوات المطبخ في عقد زواجه، وقطع الأثاث ولم أسمع عن أحد يعير آخر بذلك، وخصوصاً أنه لا يشترط شرعاً إعلان الشروط على الملأ وقد يبقى الشرط سراً بين الزوجين من أجل تحقيق نوع من الأمان والشعور بالثقة.
كما أن حالة عائلة في أقصى زوايا الأرض ليست حالة يمكن القياس عليها، يقيس المجتمع على الملموس والمحسوس والعام وليس على الخاص من مشاعر عائلة واحدة يعلم الله تركيبتها وظروفها، لو كنا نعبأ بآراء كل العائلات لما اعتمدنا أي تشريع ولا طبقنا أي نصّ قانوني خشية المعايرة. إذ قد يتعرض للمعايرة الإنسان الأفقر، أو الأقصر، أو متواضع النسب والحسب، أو غير ذلك. فلماذا نقف عند عتبة المعايرة بسبب منح المرأة حقاً أقره الإسلام وعلماؤه.
ويقول أيضاً «ويخلص الشيخ فرحات السعيد إلى القول: لا أعتقد أن هناك زواجاً قد دام واستمر وأتى ثماره كما يريده الله على مثل هذه الصورة التي تجعل العصمة في يد الزوجة» لماذا يا سيدنا الشيخ تعتقد ذلك؟. ويقول حضرته «الزوجة التي تتزوج بتلك الطريقة لا تظن بالله خيراً وكذلك لا تظن بزوجها خيراً» كيف استطعت يا سيدي الخلوص إلى هذه النتيجة؟ إذ هو حق منحه الشرع للمرأة فكيف لا تظن المرأة بربها وبزوجها خيراً بعد أن منحت منهما مثل هذا الحق الذي يدل على تكريم!!
ويقول كذلك «يتساءل الشيخ فرحات: أين الشركة وعلاقة المودة والرحمة التي أمر الله أن تكون بين الزوجين إذا كانت المرأة لا تأمن لزوجها وتشترط أن تكون العصمة بيدها وأن تكون القوامة بيدها» وهنا أسأل حضرة الشيخ .. لماذا لا يأمن الزوج لزوجته بنفس القدر ولماذا لم تطرح على الرجل نفس التساؤل؟
أشار مرة أخرى بربط خاطئ بين فقدان القوامة، ومنح العصمة، وهذا أمر غريب إذ أن القوامة تبقى من حق الرجل حتى لو حصلت المرأة على حق العصمة، حيث أن منح المرأة حق العصمة لا يعني أن يسلب الرجل حق القوامة الثابت في القرآن الكريم والمتعلق بالتفضيل والإنفاق.
إقبال التميمي