قال الشيخ: لا يزال خطيب مسجدنا الذي نصلي فيه الجمعة مصراً منذ أشهر على صب جام غضبه على رؤوسنا وكيل اللعنات لنا ولمن حولنا، لما يفعله الأمريكان في العراق وما يفعله الصهاينة في فلسطين، كأني به يعتقد بتواطئنا مع المحتلين أو بقدرتنا على أن تكون لنا ـ نحن المصلين البسطاء ـ كلمة على بوش الصغير أو شارون الشرير، حتى بدأنا فعلاً نتساءل عن جدوى هذه الخطب النارية التي تحرق قلوبنا وأطراف أرواحنا ونحن لا نملك من الأمر شيئاً.

وحتى لا يساء فهمي فإنني لا أدعو الخطباء والعلماء إلى تجاهل ما يحدث في العراق وفلسطين، ولكنني أتساءل عن الفوائد العملية لمثل هذه الخطب التي تنكأ جروح العاجزين، وتذر الملح على الجرح وتلهب الهواء بنار الغضب الذي يجب أن يبقى مكبوتاً ومسيطراً عليه ومخنوقاً، ثم ما إن تنتهي صلاة الجمعة حتى تخمد النار شئنا أم أبينا، ويعود كل مصل إلى حياته وأسرته وأولاده، وكل ما ناله من خطبة الجمعة حسرات يلوكها وعجز يعكر صفو حياته.

نحن في نازلة الله وحده يعلم مآلنا فيها، والنازلة لا يمكن أن يتجاهلها امرؤ أو ينكر الحديث عنها ومشروعيته، ولكن الشجب والندب والصراخ والعويل واللعن والشتم أمور لا تجدي في التعامل مع النوازل، سيما إذا كان الحديث مع عاجزين لا يملكون من أمر النازلة أو من أمرهم أنفسهم شيئاً.

وأجهزة الإعلام الرسمية وغير الرسمية غير مقصرة كعادتها في استخدام كل الأسلحة والوسائل الكلامية التي تقض مضاجع الأعداء! فهل كتب علينا أن يلحق بنا الصراخ إلى المساجد ليقضي على ساعة الصفاء الوحيدة في أسبوعنا، بعد أن أعرض أكثرنا عن المساجد ولم نعد نزورها إلى في ساعة الجمعة وحدها.

إن الكلام الذي لا يؤول إلى دعوة لاتخاذ خطوات عملية مجدية يبقى مجرد كلام يطير في الفضاء لحظة إطلاقه، ووصف العدو بكل صفات الشراسة والوحشية والعدوانية على المقدسات والأرواح أمر لن يزيدنا إلا ألماً وربما إحباطاً ويأساً. وفي حدود علمي فإن أبواب الجهاد مغلقة بإحكام إلى حد لا تسمح معه بمرور نسمة هواء، والدعاء على العدو بزلزلة الأرض تحت أقدامه وبترميل نسائه وتيتيم أولاده وتشتيت شمله وجعل كيده في نحره ـ ثم نقول: يا ربنا قد دعوناك كما أمرتنا فاستجب لنا كما وعدتنا ـ دعاء يتجاهل حقيقة هامة أن الحق سبحانه وتعالى كما أمرنا بالدعاء أمرنا بالعمل، والدعاء وحده دون علم هو من قبيل سوء الأدب مع رب العالمين وعدم الفهم لحقيقة العلاقة بين العمل والدعاء والكفاح والتوكل.

فإن سئلت ما العمل إذن وهل تدعو الخطباء إلى الإقلاع عن الحديث عن النوازل التي تحيط بنا من كل جانب؟ قلت والله المستعان: إن القلوب ملآنة بالحسرة وأن العيون أعمتها مشاهد الدماء والأشلاء، وما يحدث في بلاد المسلمين لا يحتاج إلى مخبر، ومن الخير لخطيب الجمعة أن يذكر الناس بأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وأن الجهاد الأصغر إن كان غير متاح بسبب من الأسباب فإن الجهاد الأكبر ـ وهو جهاد النفس ـ خير ما نقبل به ونضيفه إلى دعائنا لعلنا نصيب رحمة أو استجابة من السماء.

ألا يجدر بالخطباء والوعاظ أن يذكروا الناس بترك المعاصي كبيرها وصغيرها، أن يذكروا الناس بحسن الأوبة والتوبة بعد الإعراض عن الله وذكره، أن يذكروا الناس بالتقرب إلى الله والفرائض والنوافل، أن يذكروا الناس بالتجمع بدل التفرق، وبالتوحد بدل التشرذم، وبالاتفاق بدل الاختلاف.

إن مجتمعاتنا الإسلامية تعاني من أمراض عصية عضال لا يمكن أن تحرز نصراً قبل الشفاء منها، فنحن عاصون بكل ألوان المعاصي والكبائر، ونحن مجاهرون بهذه المعاصي وندافع عنها بكل ما أوتينا من قدرة على التزوير والتلفيق، ونحن نخترع أسباباً للاختلاف ما أنزل الله بها من سلطان، ونحن نتبادل اللعنات والتنابز بالألقاب والتكفير والتخريج عن الملة من فوق المنابر، ونحن نعيش البذخ والترف والإسراف، ونحن نعيش ثقافة الإباحية وترويجها بكل جرأة على الله ورسوله.

نحن لا نربي أبناءنا ونتركهم فريسة القيم المريضة الوافدة، ونحن نبرع بين الحين والآخر في خلق أصنام فكرية أو سياسية أو غيرها حتى إذا تهاوت عدنا إلى خلق أصنام جديدة. روي أن جيش صلاح الدين استعصت عليه مدينة بعد حصار طويل، فلجأ إلى شيخه بعد أن أهمه الأمر فقال له الشيخ: ارجع إلى جيشك فلعله قد قصر في حق الله وسنة رسوله، فلما رجع صلاح الدين إلى جيشه وحقق في الأمر وجد أن نفراً منهم قد أضاع سنة السواك فكان جزاؤهم أن عسر الله عليهم الفتح.

رفقاً بنا يا شيخنا... فنحن والله لا نملك من أمر المجازر التي تفرم لحوم إخواننا شيئاً، ولكننا مدانون بكل ألوان الإدانة لأننا أضعنا أكثر من سنة السواك.

ماهر سقا أميني