لقد اكتشف كثير من التقنيات الحديثة للحد من انتشار الجريمة ومراقبة المجرمين ولكنها لم تجد شيئا. ففقدان الأخلاق سبب رئيسي للخروج عن التشريعات العامة أو الخاصة وقد كان مما كتبه أحد القضاة في بريطانيا تعليقا على الحكم في إحدى القضايا الكبيرة المثيرة: «من دون قانون لا يستقر مجتمع، ومن دون أخلاق لا يسود قانون، ومن دون إيمان لا تسود أخلاق» وقد عبر عن ذلك أحمد شوقي (ت 1932م) بقوله: وإذا شعر القوم في أخلاقهم فأقم عليهم مأتم وعواء.

حيث نجد بجانب هذه الإمكانيات والتقنيات الحديثة التي وضعتها تلك الدول لمراقبة المجرمين أن القائمين على حراسة الأمن ومكافحة الجريمة يقومون بممارسة ذلك الفعل والتعدي على القوانين والتشريعات المعمول بها عندهم ولا أريد أن أنبش قبوراً كثيرة من تلك الأحداث المأساوية التي تحير العاقل. ولكن نقتصر على الإشارة إلى ما يحدث في تلك الدول من اجل التذكر والاعتبار هذا من جهة، ومن جهة أخرى لكي لا ينجرف المغترون بالحضارة المادية فيأخذون الخير والشر منها فالعاقل البصير عليه أن يزن الأمور ويأخذ ما هو الأصلح له ولمجتمعه.

فمن تلك الأحداث ما نشرته مؤخرا جريدة الراية القطرية في عددها (1510) الصادر في يوم الخميس 25/8/2005 م، الساعة 11:48 مساءً عن أن ضابطي شرطة بريطانيان تورطا بالمشاركة في فيلم جنسي على الطريق العام حيث تخليا عن تنفيذ واجباتهما فقد كلفا بالقبض على أشخاص بتهمة تصوير فيلم جنسي وقاما بدلاً من ذلك بممارسة الجنس مع فتاتين تشاركان في الفيلم.

فبدأت وقائع هذه الحادثة حينما تلقت الشرطة بلاغا بأن بعض الأشخاص يقومون بتصوير فيلم جنسي بأحد شوارع العاصمة البريطانية لندن وسط تزاحم من الجمهور وكلف ضابطان بتولي الأمر وهما شابان في العقد الثالث من عمرهما وعندما وصل الضابطان إلى مكان تصوير الفيلم وجدا بطلتي الفيلم وهما شابتان شقيقتان وتحت إغراء الفتاتين خلع الضابطان ملابسهما ليمارسا الجنس معهما..

وقد استخدم الضابطان الكلبشات لتقييد أيدي الفتاتين أثناء ممارستهما للفاحشة وخلال هذا الوقت كانت الكاميرا تصور هذه المشاهد.. وسمع صوت أحد الضابطين يقول: إن هذه إحدى المزايا التي نستفيد منها في عملنا الشرطي . وحين طلبتهما قيادة الشرطة عبر جهاز اللاسلكي لم يهتما بالرد عليها .. وكان الجهاز يردد: أين أنتما؟ ماذا يجري؟ ... حول ... حول وبعد أن فرغ الضابطان من فعلهما المنافي لقيم الدين والأخلاق .. عادا للرد علي اللاسلكي!!. فأين هذه الأمانة في أداء الواجب تجاه الوطن والمحافظة على الأمن وراحة المواطنين وأين حسن الأخلاق وليست الدول العربية والإسلامية بريئة من ذلك ولكن ما خفي كان أعظم.

ونعرج قليلا إلى بلاد الحرية والديمقراطية والمساواة لننقل من هناك أحدث الأخبار المتعلقة بخيانة المهنة أو الوظيفة التي يكلف بها الفرد أيا كان عمله فقد ذكرت صحيفة الراية القطرية في عددها (8497) الصادرة يوم الجمعة بتاريخ 12/8/ 2005م أن وزارة العدل قد أعلنت أن مصلحة السجون أكدت أن حوالي 2100 اتهام باعتداء جنسي داخل السجون عام 2004م أي حوالي ثلث الاتهامات التي كانت موضع تحقيق. وفي عام 2004 تم إبلاغ السلطات بوقوع 8210 حالات اعتداء جنسي أي ما يوازي معدل 3,2 اتهام باعتداء لكل ألف شخص قيد السجن. ولم يتسن التأكد من حوالي نصف هذه الاتهامات من قبل مصلحة السجون فيما تواصلت التحقيقات حول حالات أخرى.

وقد تكون قد حصلت اعتداءات أخرى من دون الإبلاغ عنها. والتقرير الصادر عن مكتب الإحصاء في الوزارة هو الأول الذي يتناول هذا الموضوع تحديدا كما أعلن ناطق باسم وزارة العدل. وبالنسبة لحوالي 42% من الاتهامات يتعلق الأمر بعنف جنسي يفرضه موظفو السجون على المعتقلين وفي 37% من الحالات فإنها اعتداءات جنسية يفرضها معتقلون آخرون. وأخيرا فإن 11% من الحالات تتعلق بأعمال تحرش جنسي من قبل موظفين حيال معتقلين و10% فيما بين المعتقلين. والمعدل الأعلى لهذه الاعتداءات التي أمكن التأكد منها حصل في مراكز اعتقال القاصرين.

ويشكل الرجال 90% من ضحايا أو منفذي العنف الجنسي فيما بين المعتقلين. وفي سجون بلاد الحرية فإن 69% من ضحايا الاعتداء الجنسي الذي يقوم به موظفون هم رجال و67% من المعتدين هم نساء. أما في السجون المحلية القريبة في غالب الأحيان من مراكز الشرطة فإن 70% من ضحايا اعتداءات الموظفين بحق السجناء هم نساء و65% من المعتدين هم من الرجال. كل تلك الأحداث وغيرها ترجع إلى أسباب رئيسية ومن أهمها فراغ الهيكل الروحي عند أصحاب الحضارة وفقدان الأخلاق العالية وعدم الحفاظ على شرف المهنة والتعدي على الفطرة البشرية.

وفي الوقت ذاته ازدادت المشكلات تعقيدا مما هي عليه فكثرت الجريمة حتى شملت القتل تارة والانتحار تارة أخرى في مختلف دول الحضارة الحديثة ومن نحا نحوها وسار على خطاها.

بقلم: إبراهيم بن حبيب الكروان السعدي