تفاعلت وبشدة قضية الرسوم الساخرة والتشهيرية المسيئة إلى شخص رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم في الصحف النرويجية والدانماركية، حيث استنكرت الهيئات والمؤسسات الإسلامية وشخصيات عالمية هذه الأفعال المنافية للآداب والحوار والمنافية لحرية الرأي والتعبير التي يتشدق بها الذين أساؤوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في صحفهم.

ومن جهته أعرب البروفسور أكمل الدين إحسان أوغلي، الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي، عن إدانته واستنكاره الشديدين لما أقدمت عليه الصحيفة النرويجية «مغازينات» من إعادة نشر لرسوم كاريكاتورية ساخرة تشنيعية تسيء إلى شخص النبي محمد صلى الله عليه وسلم وذلك بعد نشر هذه الرسوم في الصحيفة اليومية الدانماركية «جيلاندز بوستن».

ويرى الأمين العام أن مثل هذه الأعمال «الإسلاموفوبية» المعادية للإسلام والمغرضة والتي تسيء إلى أعمق المشاعر لدى خمس الإنسانية تتعدى مجرد حرية التعبير أو الصحافة وتنتهك المبادئ والقيم والأخلاق الدولية التي نصت عليها كافة قرارات الأمم المتحدة ووثائقها وإعلاناتها.

وللأسف فإنّ أعمال القذف والتشهير بالرموز المقدسة للمسلمين تلحق الضرر أيما ضرر بمختلف الجهود والمبادرات القائمة الرامية إلى الإسهام في بناء وترسيخ مناخ من الحوار بين الحضارات والثقافات والأديان، بما فيها مبادرة منظمة المؤتمر الإسلامي بشأن «الحوار بين الحضارات» التي تبنتها الأمم المتحدة، بل إنه يصح القول بأن تلك الأعمال تناقض هذه الجهود والمبادرات.

ويغتنم الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي هذه المناسبة ليهيب بالمجتمع الدولي ويستنهضه لاتخاذ وقفة تأملية جادة إزاء هذه القضية يتوخى فيها العدل والإنصاف وانفتاح الأفق قبل اتخاذ أية مواقف أو الإدلاء بأية تصريحات أو أحكام، ذلك أن الأمين العام قد لمس من خلال المناقشات المستمرة حول هذه القضية اتخاذ البعض لمواقف موغلة في الشطط حتى وإن كان أصحابها غير مطلعين كامل الاطلاع على خطورة الرسوم المعنية وفحواها وطبيعتها.

وكان الأمين العام قد لاحظ في مناسبات مختلفة أن معاداة الإسلام المعروفة بالإسلاموفوبيا والممارسات الإسلاموفوبية، من صور وسوم نمطية ومن سخرية واستهزاء بل وقذف وتشهير عبر أجهزة الإعلام، لا تساهم أدنى مساهمة في تعزيز التفاهم بين الحضارات والثقافات والأديان وإنما هي على العكس من ذلك تقع في الفخ الذي نصبه لها المتطرفون وتستفز ردود الأفعال الانتقامية من الجماهير الرازحة تحت وطأة الشعور بالغبن والظلم.

وإن المنطق والعقل يقتضيان بأن الأعمال الإسلاموفوبية المعادية للإسلام والتي تناهض كذلك القيم المشتركة التي يتنادى بها المجتمع الدولي لا يمكن ولا ينبغي أن يسكت عنها أو تهادن تحت ذريعة حرية التعبير أو الصحافة. فمبدأ حرية التعبير لا يمكن النهوض به أو الحفاظ عليه بالإقدام على الإساءة للملايين من الناس وخدش مشاعرهم الدينية الصادقة الخالصة لله بل والدوس على تلك المشاعر النبيلة.

وإن الأمة الإسلامية تتطلع إلى أن يتمكن ضمير العالم الغربي المتحضر من تطوير آليات للرقابة الذاتية بغية وضع حد لمثل هذه الممارسات غير المجدية وغير المثمرة. ولا يجب أن يساء فهم هذا النداء بأي حال من الأحوال على أنه مناقض للممارسات الديمقراطية المعنية. وفضلا عن ذلك، فإن العالم الإسلامي يتطلع إلى أن السلطات الدينية العليا من العالمين المسيحي واليهودي التي ساهمت إلى حد الآن مساهمة نشيطة في الحوار بين الأديان يجب أن تعلن صراحة موقفها من هذه القضية باعتماد مواقف واضحة لا تدع مجالا للشك.

إن قضية معاداة الإسلام ورُهاب الإسلام المعروف بالإسلاموفوبيا وضرورة وضع استراتيجية مشتركة لمحاربة هذه الظاهرة المتنامية المتفاقمة تحتل موقع الصدارة في برنامج العمل العشري لمنظمة المؤتمر الإسلامي الذي اعتمدته الدورة الثالثة لمؤتمر القمة الإسلامي.

وفي إطار الخطوات المتخذة من أجل تنفيذ برنامج عمل المنظمة، فقد شكلت هذه القضية، بما فيها التطورات الأخيرة في أوروبا، أحد بنود جدول أعمال اجتماع تشاوري انعقد على مستوى السفراء في الرياض يوم 17 يناير 2006 بمشاركة الدول الأعضاء في ترويكا القمة والمؤتمرات الوزارية لمنظمة المؤتمر الإسلامي بالإضافة إلى ممثلي دولة المقر وهي المملكة العربية السعودية والأمانة العامة للمنظمة.

وقد أعرب هذا الاجتماع عن ارتياحه بشأن نشاطات الأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الإسلامي الرامية إلى رصد الأعمال المعادية للإسلام والحد منها. وإلى ذلك تقرر أنه سيتم الاستمرار في رصد هذه القضية عن كثب كما سيجري إدراجها كبند على جدول أعمال اجتماعات المنظمة التي ستعقد في المستقبل.

واستنكر مجمع الفقه الإسلامي بجدة، نشر صحيفة نرويجية وصحيفة دانماركية رسوم كاريكاتورية تسيء للرسول صلى الله عليه وسلم. وجاء في البيان الذي أصدره المجمع أن الأديان لا يجوز أن تتعرض للسخرية والاستهزاء، وأن الإسلام يقوم أساسا على تلقين العقيدة الصحيحة وبيان شرع الله، وتهذيب سلوك الإنسان، وهو متمم للأديان، ويدعو إلى الإيمان بكل الرسالات وبالرسل وما جاؤوا به من كتب، وذلك ما صرح به القرآن نفسه ووجه إليه عباد الله المؤمنين في قوله: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) «البقرة: 185» .

وقوله: (ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا) «النساء: 136». فالإيمان بالديانات والرسل والكتب والاعتراف بهم وتوقيرهم شرط من شرائط الإيمان والإسلام، والخروج عن هذا الحد تجاوز لحقيقة الإيمان وبعد منه وانصراف عنه، ونحن لذلك نعجب من الفئة الضالة التي تريد إرهاب المسلمين بشتى صور الإرهاب لصرفهم عن عقيدتهم وتلبيس الحق بالباطل لديهم.

وهذه الأعمال لا تنبو عنها الأديان ولا تحرمها وحدها، لأن العقل والحكمة يقتضيان ذلك أيضاً، ويحضان على التعارف والتعاون والتآلف بين الناس، وهذا ما أكدته الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة في أكثر من مناسبة، ففي الدورة التاسعة والخمسين في الجلسة العامة المنعقدة 11/11/2004م صدر قرار بتشجيع الحوار بين الأديان، وهو يدعو إلى مناهضة تشويه صورة الأديان، والجمعية العامة تؤكد أن التناصح المتبادل والحوار بين الأديان يشكلان بعدين هامين للحوار فيما بين الحضارات وثقافة السلام.

وفي لجنة حقوق الإنسان (الدورة الحادية والستون) وقعت الإشارة على ما يلحق الأقليات والطوائف المسلمة في بعض البلدان غير الإسلامية، وإلى التصوير السلبي للإسلام في وسائل الإعلام، وإلى اعتماد وإنفاذ قوانين تميز ضد المسلمين وتستهدفهم تحديدا، وتقرر اعتماد القرارات المتعلقة بمناهضة تشويه صورة الأديان.

كما دعت اللجنة الدول إلى اتخاذ إجراءات حازمة لحظر القيام بنشر الأفكار والمواد القائمة على العنصرية وكراهية الأجانب والموجهة ضد أي دين من الأديان أو أتباعه والتي تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف.

ومن أهم ما تناوله هذا القرار التأكيد على أن تشويه صورة الأديان، سبب من أسباب التنافر الاجتماعي، يفضي إلى حدوث انتهاكات لحقوق الإنسان.

ودعا الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي حكومة الدانمارك إلى وجوب تدارك الأمر إبقاء على التعاون والتحالف مع الدول العربية والإسلامية جميعها، وحرصا على نشر التفاهم والتسامح بين الكافة لضمان حرمة الأديان وصيانة حقوق الإنسان وكرامته.

وقال الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين إنه سيدعو إلى مقاطعة المنتجات الدنماركية والنرويجية اذا لم يتوقف نشر مواد تسيء إلى الإسلام في صحفهما. وقال الاتحاد في بيان وزع في القاهرة: «يهيب بالمسؤولين في النرويج والدنمارك ليقفوا موقفا قويا من هذه الإساءات المتكررة إلى أمة الإسلام والى رسولها الذي يؤمن به ويتبعه مليار وثلث المليار من البشر».

وأضاف البيان انه اذا لم يتم مثل ذاك المنع «فإن الاتحاد سيضطر إلى ان يدعو ملايين المسلمين في العالم كله إلى مقاطعة المنتجات والبضائع والنشاطات الدنماركية والنروجية كافة». وطلب الاتحاد من الحكومات العربية والإسلامية أيضا ان تتدخل لدى سلطات هاتين الدولتين لمنع نشر الرسوم الكاريكاتورية التي تسيء إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

وكان نشر صحف نروجية ودنمراكية رسوماً كاريكاتورية تسيء إلى الدين الإسلامي قد أثار غضب واحتجاجات عدة دول عربية وإسلامية. وأكد مفتي مصر الدكتور علي جمعة أن الإسلام يؤمن بالحوار ومد جسور التعاون مع اتباع الديانات الأخرى ويؤمن باحترام المقدسات الدينية دون تمييز ويرفض ان تتعرض لاي انتهاكات أو ازدراء.

وأشار جمعة إلى ان زيارة الوفد الإسلامي - المسيحي لايرلندا والتي بدأت امس الخميس تستهدف تقديم النموذج المصري المتميز في العلاقات الإسلامية - المسيحية إلى العالم الأوروبي والغربي.

وجاء حديث جمعة في مؤتمر صحافي مشترك عقده مع رئيس الكنيسة الاسقفية في مصر وشمالي إفريقيا والقرن الإفريقي المطران منير حنا أنيس ومع أعضاء الوفد الإسلامي المسيحي ومنهم رئيس لجنة حوار الأديان بالأزهر الشيخ فوزي الزفزاف ونائب رئيس اللجنة الدكتور علي السمان والسفير الايرلندي بالقاهرة ريتشارد اوبرينغ.

وطالب المفتي بأن تتوحد الجهود الإسلامية المسيحية في مصر والعالم العربي ضد تيار الالحاد في الغرب والذي يسخر بشدة من الأديان كافة، سواء المسيحية أو الإسلام أو حتى اليهودية من خلال اعمال درامية أو مقالات ورسومات في الصحف وغيرها من وسائل التعبير. وأضاف ان حرية التعبير التي يتشدق بها الغرب يجب ان تكون حرية مسؤولة ولا تنتهك حرية الآخرين.

واشار إلى ان الزيارة تستهدف إيصال الإسلام الصحيح إلى العالم الغربي من خلال مد جسور الحوار وابراز دور التجربة المصرية مشيرا إلى ان الزيارة ستبحث أوضاع الجالية الإسلامية في ايرلندا والتأكيد على ان الإسلام يرفض الإرهاب بشدة ويسعى إلى نشر السلام وثقافة الحوار. ودعا الحكومات الغربية إلى عدم الدفاع عن ازدراء الأديان تحت دعوى حرية الرأي والتعبير مشيرا إلى ان المسلمين يجب أن يسلكوا قنوات الشريعة عند تضررهم بما يسيء إلى عقيدتهم.

وأكد مفتي مصر اللجوء إلى القضاء فيما يتعلق بانتهاكات الصحف الدنماركية للعقيدة الإسلامية، مشيرا إلى ان هذه الأخطاء تبقى أخطاء شخصية ولا يجب ان نعمم هذا الامر على كل أوروبا والعالم الغربي، وأشار إلى أهمية الاستمرار في تصحيح الصور المغلوطة ودعم قنوات الحوار المشترك.

من جانبه قال المطران أنيس ان رئيسة الجمهورية الايرلندية ماري ماكليز حرصت على ترتيب لقاء مع الوفد الإسلامي المسيحي يوم غد الجمعة ما يعكس تقديرها للوفد المصري ومكانته الرفيعة برئاسة مفتي الجمهورية واصفا الزيارة بأنها «تاريخية».

وأوضح ان المسلمين في أوروبا يتعرضون لضغوط نفسية كبيرة وبخاصة بعد أحداث لندن الإرهابية والتي وقع كثيرون بسببها في خطأ ربط الإسلام بالإرهاب مشيرا إلى أهمية الزيارة في التواصل مع الجالية الإسلامية ومساندتها والتحاور مع القيادات الايرلندية لتصحيح هذه الصورة السلبية.

يذكر ان زيارة الوفد الإسلامي المسيحي برئاسة المفتي والتي تبدأ اليوم الخميس لايرلندا تأتي بدعوة من الكنيسة الاسقفية في ايرلندا وبالتنسيق مع الحكومة الايرلندية وتستمر خمسة ايام، وهي تجري في اطار تنفيذ اتفاقية الحوار التي وقعت بين الازهر الشريف والكنيسة الاسقفية في بريطانيا عام 2002 والتي يسعى الجانبان الإسلامي والمسيحي على السواء إلى تفعيلها وتطويرها.

وأكد سفير دولة الدنمارك بالقاهرة «بيارن سورنسن» احترام بلاده حكومة وشعبا للأديان المختلفة بصفة عامة ولاسيما الدين الإسلامي باعتباره «أكبر الأديان في العالم إضافة إلى انه يعتبر من أكبر الأديان في الدنمارك».

كما اكد السفير الدنماركي للصحافيين خلال استقبال شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي له رغبة بلاده في إقامة علاقات قوية مع العالم الإسلامي تقوم على الاحترام المتبادل، مشيرا إلى أن ما حدث من قيام إحدى الصحف الدنماركية برسم صور كاريكاتيرية للنبي صلى الله عليه وسلم ليس الهدف منه الإساءة إلى الإسلام.

وأوضح أن رئيس وزراء بلاده أكد أهمية الأخذ في الاعتبار ان حرية التعبير لا تؤدي إلى تشويه أو ازدراء الأديان، مستنكرا أي تصريح أو عمل أو تعبير عن الرأي بقصد التشويه لصورة مجموعة من الناس بناء على انتمائهم الديني أو العرقي. وقال إن وزير خارجية الدنمارك أرسل خطابات لكل من أمين عام الجامعة العربية ولسكرتير منظمة المؤتمر الإسلامي يؤكد فيها احترام الدنمارك للدين الإسلامي.

من ناحيته قال شيخ الأزهر أن الإساءة إلى الأموات بصفة عامة تتنافى مع المبادئ الإنسانية الكريمة سواء أكانت هذه الإساءة للأنبياء أم المصلحين وغيرهم، مضيفا أن «الأمم العاقلة الرشيدة تحترم الذين انتهت آجالهم وماتوا وهذا ما تقتضيه العقول الإنسانية السليمة».

وأضاف «اننا في الوقت الذي نحترم فيه هذه المبادئ فإننا نقدس الحرية في حدود ما أباحته القوانين والشرائع، كما نوجه رسالة إلى العالم اجمع بأن نترك الإساءة إلى الأموات الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم». وطلب شيخ الأزهر من السفير أن ينقل إلى حكومة بلاده ان الأزهر الشريف يقدس حرية الكلمة ويحترمها على ألا تتجاوز هذه الحرية الحدود الإنسانية السليمة.