خلافاً لاحتمالات الفوضى التي روجت لها إسرائيل، اجتاز الفلسطينيون بهدوء وجدية ونزاهة أمس، اختبار الانتخابات التشريعية الثانية بشهادة المراقبين الأجانب وبنسبة مشاركة بلغت 77.6%، لكن حركة «حماس» تحدثت عن عمليات تزوير خصوصاً في القدس الشرقية، وأعلنت «فتح» من جانبها أنها حققت فوزاً مريحاً يمكنها من تشكيل الحكومة، لكن النتائج الأولية للانتخابات شهدت ليلة أمس ما يشبه حرب استطلاعات للرأي عقب إغلاق أبواب التصويت، رغم انها اتفقت كلها على تفوق «فتح» وحصولها على نسبة تتراوح بين 40 إلى 45% مقابل حصول حماس على نسبة تبدأ من 30 إلى 40%.

وبانت ملامح «المعركة» المقبلة على الساحة الفلسطينية وعنوانها سلاح حركة «حماس» التي جددت تمسكها به وهو ما عارضته حركة «فتح»، في ظل عدم ممانعة الحركة الإسلامية بتشكيل ائتلاف حكومي بين الطرفين. وكررت واشنطن موقفها من حماس باعتبارها حركة «إرهابية».

وبعد اقل من ساعة على إقفال مكاتب الاقتراع أعلن محمد اشتية المسؤول في الحملة الانتخابية لحركة فتح ان الحركة «فازت بارتياح» في هذه الانتخابات. وأضاف «نحن واثقون ان حركة فتح فازت في الانتخابات (التشريعية) بنسبة تسمح لها تشكيل الحكومة». وقال مصدر رفيع في إحدى الجماعات التي تقوم باستطلاع أصوات الناخبين لدى خروجهم من مراكز الاقتراع ان من المتوقع ان تفوز حركة حماس بنسبة 30 في المئة من الأصوات وان تفوز حركة فتح بنسبة 40 في المئة. كما أعلن مدير الحملة الانتخابية لحركة فتح نبيل شعث مساء أمس نقلا عن استطلاع اجري لدى خروج الناخبين من مراكز الاقتراع ان حركة «فتح» ستحصل على 42 بالمئة من الأصوات مقابل 35 بالمئة لحركة «حماس».

من جهتها أعلنت فضائية «العربية» ليلة أمس أنها حصلت على أحدث استطلاع أجراه المركز الفلسطيني للبحوث المسحية الذي يرأسه خليل الشقاقي أظهر حصول حركة «فتح» على 28 مقعداً بنسبة 42% و«حماس» على 23 مقعداً بنسبة 35% والجبهة الشعبية على ثلاثة مقاعد بنسبة 5% وقائمة البديل التي تضم «الجبهة والديمقراطية وفدا» على مقعدين بنسبة 4% وقائمة البرغوثي على 3% وقائمة الطريق الثالث لسلام فياض على 3%.

وبعد تضارب في الأرقام، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية ان نسبة المشاركة في الانتخابات بلغت 77.6 بالمئة من الناخبين المسجلين. وقال رئيس اللجنة عمار الدويك في مؤتمر صحافي عقده في رام الله ان نسبة المشاركة وصلت إلى 81.6 بالمئة في قطاع غزة والى 77.3 بالمئة في الضفة الغربية.

وبلغت بذلك نسبة المشاركة على المستوى الوطني 77.6 بالمئة حسب ما أعلن الدويك، مشيرا إلى ان هذه النسبة تشمل مشاركة 92 بالمئة من عناصر الأجهزة الأمنية في الانتخابات بين السبت والاثنين. وكانت مكاتب الاقتراع أقفلت في الساعة 17.00 تغ باستثناء تلك الواقعة في القدس الشرقية التي أقفلت في الساعة 19.00 تغ.

وأكد الدويك ان الانتخابات جرت بصورة «منضبطة وفق أعلى المعايير الدولية في النزاهة والشفافية». ووصف النائب الأوروبي فرانسيس ورتس، احد المراقبين الدوليين، بعد جولة في منطقة الخليل (جنوب الضفة الغربية) العملية بأنها جرت في «أجواء جدية». وأصيب ثلاثة فلسطينيين بجروح خلال صدامات بين أنصار حركتي فتح وحماس في منطقة الخليل حيث توقعت الاستطلاعات ان تحقق حركة حماس نتائج جيدة على مستوى الدائرة.

ورغم التوتر الأمني في منطقة نابلس، شمال الضفة الغربية، حيث تتكرر عمليات التوغل الإسرائيلية وتنشط مجموعات فلسطينية مسلحة، توجه الناخبون بأعداد كبيرة إلى صناديق الاقتراع. وفي القدس الشرقية المحتلة، سار مناصرون لحركة فتح في شوارع المدينة رافعين صور الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، داعين فلسطينيي المدينة إلى الاقتراع في مراكز البريد المخصصة لذلك، وسط إجراءات أمنية إسرائيلية مخففة. ووزع الناشطون صور مروان البرغوثي المعتقل في السجون الإسرائيلية والذي يترأس قائمة فتح.

وفي وقت لاحق شكت حركة حماس من حصول عمليات «تزوير» في القدس الشرقية من «فئة بعينها» لم تسمها، وأعلنت ان موقفها من كامل العملية الانتخابية «يتوقف على كيفية معالجة عملية التزوير هذه». وقالت الحركة في بيان «ننظر بخطورة بالغة لما يجري في القدس المحتلة من تزوير وخاصة بعد قيام مجموعات تابعة لفئة بعينها بإزالة الحبر الذي يعتبر الوسيلة الوحيدة لحماية الانتخابات».

وخلص البيان إلى القول «اننا نضع السلطة الفلسطينية ولجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية أمام مسؤولياتهما أمام هذا الانتهاك الصارخ للعملية الانتخابية وفتح تحقيق لمعرفة من كشف للناخبين طريقة إزالة الحبر، مؤكدين ان موقفنا من العملية الانتخابية برمتها يتوقف على آلية معالجة عملية التزوير هذه».

وفي قطاع غزة، قال المتحدث باسم وزارة الداخلية الفلسطينية التي نشرت قرابة 13 ألفاً من عناصر الشرطة والأمن لتأمين 1100 مركز اقتراع ان الانتخابات تجري بصورة «منضبطة عموما حيث لم تسجل خروقات، عدا بعض الأحداث المعزولة»، في القطاع الذي تشتد فيه المنافسة بين حركتي حماس وفتح. وأشار توفيق أبو خوصة إلى «قيام مؤيدين لحماس برشق حجارة على بعض مراكز الانتخابات شمال القطاع، وتسجيل ملاسنات واحتكاكات بسيطة في مراكز أخرى في مدينة غزة».

وأكد أبو خوصة انه «لم يسجل ظهور مسلح لعناصر غير منضبطة قرب محطات الانتخاب». وقال قائد الشرطة العميد علاء حسني من جانبه في بيان انه «لم يسجل أي خروقات، ولم تبلغ الشرطة عن أي إشكال في قطاع غزة». وارتفعت وتيرة الإقبال على مراكز الاقتراع في الساعات الأخيرة من التصويت، حيث كانت السيارات تصل محملة بالناخبين المؤيدين لمختلف القوائم وخصوصا قائمتي فتح وحماس، حيث حمل أنصار الأولى الرايات الصفراء في حين حمل أنصار الثانية الرايات الخضراء.

وفي الولايات المتحدة وصف البيت الأبيض أمس الانتخابات الفلسطينية بأنها «يوم تاريخي»، لكنه كرر موقفه من حركة حماس لجهة اعتبارها حركة «إرهابية». وقال الناطق باسم البيت الأبيض سكوت ماكليلان أمام الصحافيين «انه يوم تاريخي ومهم للشعب الفلسطيني». وأضاف «ندعم بقوة الشعب الفلسطيني في عبوره نحو دولة ديمقراطية، وندعم جهوده لإرساء مؤسسات ديمقراطية، وقمنا بذلك في أشكال عدة».

وسئل عن قلق إدارة الرئيس جورج بوش من دخول حركة حماس البرلمان الفلسطيني فأجاب ماكليلان «سنرى نتائج الانتخابات». وحول إمكان ان توقف الإدارة الأميركية مساعدتها للفلسطينيين في حال انضمام حماس إلى الحكومة قال «لن أمارس لعبة الافتراضات».. لكنه تدارك «عبرنا بوضوح عن موقفنا من حماس، وهذا الموقف لم يتبدل».

وأضاف ماكليلان «لا نتعامل مع حماس، إنها منظمة إرهابية، ولا أرى في الظروف الحالية أي تغيير في ذلك». وأوضح ان الرباعية الدولية التي تضم الولايات المتحدة وروسيا والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي «قالت بوضوح ان ثمة تناقضا حين يعمل كيان سياسي خارج العملية السياسية ويتورط في أعمال عنف وينادي بتدمير بلد مجاور».

في هذه الأثناء، بدأ اللاعبون الرئيسيون على الساحة السياسية الفلسطينية التمهيد لمرحلة ما بعد الانتخابات، إذ أعلن القيادي في «حماس» محمود الزهار لدى إدلائه بصوته في حي الرمال في مدينة غزة ان الحركة ستحتفظ بأسلحتها بعد الانتخابات. وقال ان الأوروبيين والأميركيين يطلبون من حركته ان تختار بين السلاح والبرلمان. وأضاف ان «حماس» تختار السلاح والبرلمان وانه لا تناقض بين الاثنين.

أضاف الزهار، الذي بحث أمس مع وفد المراقبين الأميركيين للانتخابات، التطورات على الساحة الفلسطينية ان «حماس» لن تتحول إلى حزب سياسي وأنها تشارك في كل المجالات وتعمل في مجال المقاومة. مشيراً إلى إمكان قيام ائتلاف حكومي مع «فتح». وأكد على أن «حماس» توافق على إقامة دولة على أي شبر من الأراضي الفلسطينية من دون أن تتنازل عن المطالبة «بكل فلسطين».

وفي المقابل، رفض وزير الشؤون المدنية المستقيل محمد دحلان ومرشح «فتح» عن دائرة خانيونس أمس تصريحات الزهار بشأن احتمالات تزوير الانتخابات، وقال أمس:«ليس من حق الزهار أن يقرر في مثل هذا الأمر وإن هناك مئات المراقبين الدوليين ولجان متابعة من الفصائل الفلسطينية لعملية الانتخاب».

وبشأن رفض «حماس» نزع سلاحها بعد الانتخابات قال دحلان: «لا يجوز لحماس أن تكون في السلطة وفي المعارضة في وقت واحد حيث سيتم مناقشة هذا الموضوع مع حماس في وقت لاحق»، عقب الانتخابات التشريعية مضيفا أن «حماس قالت أشياء كثيرة بشأن برنامجها السياسي ومسألة تحرير فلسطين من البحر إلى النهر ولكن هناك تغييرات وموضوع سلاحها سيكون موضوع نقاش».

كما اعتبر وزير الداخلية الفلسطيني نصر يوسف امس أن الحديث عن احتمال حدوث تزوير أمر سابق لأوانه مشدداَ على أهمية أن «ينتظر الجميع النتائج النهائية» التي ستظهر بعد الانتهاء من عملية فرز الأصوات اليوم الخميس.

إلى ذلك، كشفت مصادر في «حماس» عن إقامتها تحالفا مع «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» في عدد من الدوائر. وأوضحت هذه المصادر ان «حماس» دعمت مرشحي «الشعبية» في جميع الدوائر التي يزيد عدد مقاعدها على عدد مرشحي الحركة مثل رام الله ونابلس وجنين وبيت لحم وغيرها. وفي المقابل تعهدت «الشعبية» بدعم مرشحي «حماس» في المواقع التي يزيد عدد مقاعدها على عدد مرشحيها.

وقالت مصادر في حماس إنها تفضل فوز مرشحي الجبهة الشعبية على مرشحي فتح رغم الخلافات العقائدية بين الجانبين. وأضافت: نحن نتفق سياسيا مع الجبهة الشعبية وهذا أساس متين لتحالف انتخابي في بعض المواقع.

غزة، رام الله ـ «البيان» والوكالات: