بعد مخاض طويل عاشته الكويت عقب رحيل أميرها الشيخ جابر الأحمد الصباح مارس مجلس الأمة الكويتي أمس الصلاحيات التي يمنحه إياها الدستور وصوت بالإجماع لمصلحة مطلب الحكومة بتنحية الأمير الشيخ سعد العبدالله الصباح، في أول قرار من نوعه في تاريخ البلاد، التي آلت السلطات الأميرية فيها إلى مجلس الوزراء الذي سمّى رئيسه الشيخ صباح الأحمد الجابر أميراً، وتعثر حتى اللحظات الأخيرة من قرار التنحية تنفيذ اتفاق يقضي بتنازل الشيخ سعد طوعاً لتأخر وصول كتاب التنازل إلى مجلس الأمة.

ومن قاعة عبدالله السالم الصباح (أبو الاستقلال والدستور ووالد الشيخ سعد) صوت مجلس الأمة بإجماع أعضائه من نواب ووزراء بعزل الأمير الرابع عشر عن مسند الإمارة بعد عشرة أيام من المناداة به من قبل مجلس الوزراء أميراً، استنادا إلى المادة الثالثة من قانون توارث الإمارة في سابقة لم يعهدها الكويتيون منذ الاستقلال في العام 1961، وعهد بالسلطات، طبقا للمادة الرابعة من الدستور الذي ينص على أنه في ظل خلو منصبي الأمير وولي العهد فإن مجلس الوزراء يتولى السلطة.

وبعد ثلاث ساعات من انتهاء جلسة التنحية عقد مجلس الوزراء جلسته الاستثنائية وسمّى الشيخ صباح الأحمد الأمير الخامس عشر للكويت. وأعلن وزير العدل الكويتي أحمد باقر ان مجلس الوزراء «زكى» الشيخ صباح أميراً للبلاد وسيتم تحويل هذه التزكية إلى مجلس الأمة. وقال ان «المجلس استعرض النصوص الدستورية لا سيما المادتين 3 و4 من أحكام قانون توارث الإمارة كما استعرض قرار مجلس الأمة نقل مهام الأمير سعد العبدالله السالم الصباح إلى مجلس الوزراء».

وأضاف ان المجلس قام بعد ذلك بتزكية الشيخ صباح الأحمد ليكون أميراً للبلاد خلفاً للشيخ سعد العبد الله السالم الصباح وقال انه ينتظر ان «ترسل هذه التزكية إلى مجلس الأمة اليوم الأربعاء لعرضها في جلسة خاصة للبيعة ثم بعد ذلك ليتم تحديد جلسة خاصة لأداء القسم».

وبعد يوم طويل من الترقب والأعصاب المشدودة تنسم الكويتيون الصعداء لانتهاء الأزمة التي دامت 10 أيام وتعقدت حلقاتها أكثر من مرة رغم الانفراج الذي حصل ليل الاثنين. لتتكشف بعد الجلسة النيابية السرية الثانية تفاصيل الساعات الأكثر حرجاً في تاريخ الكويت منذ أغسطس 1990. فكانت المفاجأة الأولى ما كشفه رئيس مجلس الأمة جاسم الخرافي عن أنه ما أن رفع مطرقته لإقرار نتيجة التصويت على تنحية الأمير، حتى وصل إلى مجلس الأمة الشيخ فهد السعد (نجل أمير الكويت المعزول) حاملا رسالة التنازل عن مسند الإمارة والتي اتفق عليها مساء الاثنين، إلا أن الخرافي أبلغ الرسول أن التنازل لم يعد له مبرر، لأن السلطات انتقلت إلى مجلس الوزراء، ولا يمكن الاعتداد بهذا الخطاب، ما تسبب في صدمة لابن الأمير.

وأشارت مصادر برلمانية إلى أن «قصر الشعب» مقر إقامة الشيخ سعد العبدالله أرسل قبل ذلك وبعد قليل من بدء مجلس الأمة جلسة التنحية خطاب تنازل حمله الشيخ فهد سالم العلي(نجل رئيس الحرس الوطني عميد أسرة آل صباح الشيخ سالم العلي) إلا أن رئيس مجلس الأمة اكتشف ان الكتاب يخلو من الخاتم الرسمي وبالتالي يعتبر غير قانوني ولا يعتد به فأعيد الكتاب إلى قصر الشعب مرة أخرى، ليصل في الثانية «بعد فوات الأوان».

وألقى الشيخ صباح أمام النواب بياناً عن الأسباب التي يطالب فيها مجلس الوزراء تفعيل قانون توارث الإمارة شارحاً أن الشيخ سعد يعاني من مرض منذ سنوات وغير قادر على القيام بمهامه كأمير للدولة، وأشاد بمناقبه ودوره في التاريخ السياسي للكويت، ثم تلا وزير الصحة الشيخ أحمد العبدالله الأحمد تقريراً طبياً عن حالة الأمير معتمدا على تقرير للطبيب الخاص بالشيخ سعد الدكتور طارق الدراق وتقارير طبية من المستشفيات التي عولج فيها في العاصمة البريطانية لندن.

وقال الخرافي عقب الجلسة، التي أعطى النواب أكثر من فرصة لتفاديها، إن مجلس الأمة لم يكن يود أن يصل إلى هذه المرحلة من تاريخ الكويت. وأوضح أن الأمير الجديد سيؤدي القسم أمام المجلس يوم الأحد المقبل. وفي هذه الأجواء، حمّل عدد من النواب حرم الأمير المعذول الشيخة لطيفة الفهد مسؤولية ما حدث لأنها حاولت تأخير انعقاد جلسة مجلس الأمة الصباحية إلى حين حلول الساعة السادسة مساء موعد «الجلسة الأميرية» ليتمكن الشيخ سعد من أداء القسم الدستوري.

الكويت ـ حسين عبد الرحمن: