أعلن الرئيس السوري بشار الأسد أمس عن ان دمشق ستواصل التعاون مع لجنة التحقيق الدولية في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري ضمن حدود السيادة الوطنية لسوريا التي «هي الأعلى وليس قرارات مجلس الامن»، واستهجن المطالبة بترسيم الحدود في مزارع شبعا في جنوب لبنان واصفا ذلك بـ «الطلب الإسرائيلي»، واتهم إسرائيل باغتيال الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.
وقال الأسد، في خطاب أمام المؤتمر العام لاتحاد المحامين العرب في دمشق أمس، «نحن مع التحقيق في اغتيال الحريري كي يصل إلى معرفة الفاعل وسنتابع التعاون الآن وفي المستقبل من اجل جلاء الحقيقة على قاعدة السيادة والمصلحة الوطنية» معتبرا ان «مصلحة سوريا تلتقي مع التحقيق عندما يكون نزيها». إلا ان الرئيس السوري، الذي تطالب لجنة التحقيق بالاستماع اليه شدد على «ان السيادة الوطنية هي الأعلى وليس قرارات مجلس الأمن» من دون ان يوضح مباشرة ما اذا كان سيوافق على ان تستمع لجنة التحقيق في اغتيال الحريري إلى أقواله. وتابع «نتحرك من سيادتنا الوطنية وكرامتنا وليس من اي شيء آخر».
ولم يوفر لجنة التحقيق في انتقاداته عندما وصفها بأنها «لجنة إدانة وليست لجنة تحقيق« مضيفا «حتى اذا تطلب منا الظرف ان نقاتل من اجل بلدنا فإننا مستعدون لذلك». وتابع «اننا نتعاون (مع لجنة التحقيق) ضمن مصلحتنا الوطنية». وشدد على «السيادة الوطنية«، موضحا انه «طرحنا التعاون الكامل» لكن «وضعنا حدودا وهي نزاهة التحقيق والسيادة والمصلحة الوطنية» في حين يريدون «التعاون من دون حدود ربما ضد مصلحتنا الوطنية». ورأى انه «لا حدود على الإطلاق لهذه الكلمة (...) والهدف هو نقل التحقيق من حدوده القانونية (...) إلى إطار سياسي»، مدينا «محاولة خلق لعبة سياسية بغطاء قانوني».
وأضاف أن موضوع سوريا ولبنان هو حلقة في «مؤامرة كبيرة» وأن «هذه الحلقة ستفشل». وأشار إلى أن الاغتيالات في لبنان تأتي في إطار خطة لإحداث «انقلاب كلي» في المنطقة عموما وسط حملات «تهدف تسميم الأجواء بين لبنان وسوريا» مؤكدا أن دمشق اختارت ضبط النفس وعدم الانجرار إلى المواقف التي يريدها الآخرون. وهاجم بعض المسؤولين اللبنانيين الذين قال انهم رفضوا مبادرة الأمين العام للجامعة العربية وكذلك عارضوا الوساطة السعودية والأفكار السورية التي تم طرحها لتحسين العلاقات.
وبشأن ترسيم الحدود بين سوريا ولبنان، قال الأسد إنه لا توجد مشكلة حدود بين سوريا ولبنان، مشيرا إلى أن دمشق أرسلت ردا خطيا حمل استعدادها لترسيم الحدود. وتساءل عن المستفيد من ترسيم مزارع شبعا حاليا مضيفا «ان المستفيد الأكبر هو إسرائيل وطلب الترسيم هو طلب إسرائيلي» معتبرا ان «هذا العمل موجه ضد المقاومة ويفيد إسرائيل». وتساءل «كيف يمكن لسوريا أن تعطي وثائق ملكية لشيء لا تملكه»، في إشارة إلى مزارع شبعا. ورأى ان «لا مشكلة بين لبنان وسوريا حول مزارع شبعا» متسائلا عن الهدف من طلب الترسيم حاليا «وإسرائيل تحتل» هذه المزارع.
وقال الرئيس السوري ان بلاده مستعدة لمساعدة العراق، مشددا في الوقت نفسه على «عروبة» العراق و«وحدة أراضيه». وقال «عبرنا عن استعدادنا لتقديم المساعدة عندما يطلب الشعب ذلك». وأضاف ان «مستقبل المنطقة كلها يتعلق بمبدأ (...) عروبة العراق واستقراره ووحدة أراضيه»، مشددا على «مشاركة الشعب في العملية السياسية وإجلاء القوات الأجنبية عن أراضيه». ورأى ان «كل السيناريوهات المطروحة ترتكز على الحل الطائفي»، داعيا إلى «إعادة العراق إلا عروبته وإلا سنغرق كلنا في سفينة واحدة».
كما اتهم الرئيس السوري إسرائيل باغتيال الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات الذي لايزال سبب وفاته العام الماضي غامضا. وقال انه في ظل «الاغتيالات الكثيرة التي قامت بها إسرائيل بشكل منهجي ومنظم اخطر شيء قامت به إسرائيل هو اغتيال الرئيس ياسر عرفات». وأضاف ان هذا حدث «تحت أنظار العالم وصمته ولم تجرؤ دولة واحدة على ان تصدر بيانا أو موقفا تجاه هذه القضية وكأن شيئا ما لم يحصل في هذه المنطقة».
وفي الشأن الداخلي ،رفض الأسد رفضاً مطلقاً لأي إصلاح داخلي يفرض من الخارج تحت أي عنوان أو مبرر، مشيراً إلى متابعة «برنامجنا الإصلاحي على كل المستويات حيث نضع اللمسات الأخيرة على الخطة الخمسية العاشرة وهي خطة طموحة للإصلاح الاقتصادي والنقدي والإداري ولتطوير الخدمات وتحسين الواقع المعاشي للمواطنين». وأشار إلى أن سوريا وعلى المستوى السياسي بصدد إنجاز عدد من المشروعات التي ستدعم المشاركة الشعبية وتساهم في إغناء الحياة الديمقراطية سواء ما يتعلق منها بقانون الأحزاب أو قوانين الانتخابات والإدارة المحلية، لافتاً إلى تكريس العمل المؤسسي وسيادة القانون واستقلال السلطة القضائية.
وهاجم المراقب العام لجماعة «الإخوان المسلمين« السورية علي البيانوني مؤتمر اتحاد المحامين العرب الذي يعقد في دمشق وقال في تصريح لـ «البيان» «نحن نعتبر أن مجرد انعقاده فيه امتهان لكرامة المواطن السوري التي تنتهك أبسط حقوقه الإنسانية من قبل هذا النظام منذ أكثر من أربعة عقود».
وحول ما جاء في خطاب الرئيس السوري، قال البيانوني «لم نكن نتوقع أن يأتي الخطاب بجديد سواء في ما يتعلق بالسياسة الخارجية أو السياسة الداخلية، وذلك رغم التسريبات العديدة التي كانت تروّج إلى أنه سيتناول الوضع الداخلي بالتفصيل، وأنه سيعلن عن بداية عملية إصلاح سياسي، وأنه لن يبقى سجين سياسي واحد في السجون السورية في هذا اليوم التاريخي 21/1/2006 نظراً لأنه وعد وفد اتحاد المحامين العرب بذلك».
ووصف البيانوني الخطاب بأنه «جاء استمراراً لنفس الخطاب الذي اعتاد عليه النظام، وتكراراً للأسطوانة الممجوجة في تعامله مع القضايا السياسية الداخلية والخارجية».
دمشق ـ تيسير أحمد:
