لاتزال مشكلة توطين مهنة صيد الأسماك بمختلف عناصرها من «صيد وبيع ودلالة» تلقي بظلالها على أسواق السمك في مختلف مناطق الدولة. فما ان تشهد الأحوال الجوية تقلبات تشتد معها الرياح وترتفع أمواج البحر حتى تبدأ الأسواق تعاني من شح كبير في المخزون من الأسماك الطازجة، وهو ما ينعكس بالطبع على المستهلكين الذين يقعون عندها ضحايا عدد من البائعين الآسيويين الذين يحتكرون بيع الأسماك ويرفعون أسعارها بشكل جنوني.
ووسط غمرة ارتفاع وانخفاض أسعار الأسماك وظاهرة شح الأسماك في بعض أسواق الدولة وتوفرها بغزارة في أسواق أخرى، التقت «البيان» عدداً من الصيادين المواطنين لتحاورهم عن هموم ومشاكل ومعوقات مهنة الصيد، خاصة سيطرة العمالة الآسيوية على سوق السمك، وصولا إلى مصادر الدخل الأخرى لديهم وبعض الطرق التي يتبعونها في سبيل تزويد المستهلك بالأسماك الطازجة بشكل يومي.
وأكد المواطن إبراهيم النوبي صاحب «دكة» في سوق السمك أن هناك سيطرة فعلية للعمالة الآسيوية في السوق، على اعتبار أن بعضها مستأجرة والأخرى تعمل لدى أصحاب «الدكات» المواطنين، موضحا أنهم قاموا بعدة محاولات لوقف نشاط المواطنين البائعين، ولكن باءت محاولاتهم بالفشل نتيجة اعتماد المستهلك على السمك المحلي الطازج الذي يوفره المواطن في كثير من الأحيان.
ووجه النوبي أصابع الاتهام إلى عدد من المستهلكين الذين يسمحون للآسيويين باحتكار السوق نظرا للمفاهيم الخاطئة بأن درجة الكفاءة لدى المواطنين أقل من الآسيويين، إضافة إلى قلة خبرة المستهلكين بالتمييز بين السمك الطازج والفاسد، ويرتكز هدفهم في الحصول على اقل الأسعار وأكثر الكميات، الأمر الذي يشكل استغلالا كبيرا للمستهلك من قبل العمالة الآسيوية والغش في كثير من الأحيان.
وأضاف: «يبحث المستهلك دائما على ارخص الأسعار، متعللين أن أسعار السمك لدى البائعين المواطنين أكثر من أسعار السوق». ولفت إلى السبب يعود لرحلة الصيد الشاقة في سبيل الحصول على السمك الطازج، فبعد تكبد مشقة الصيد، يتوجب بيع بعض المحصول في المزاد والآخر عرضه على «الدكات» لبيعه طازجا، و«الطري» دائما يكون أغلى ثمناً كما جاء على لسانه.
وأوضح عادل عبيد - صياد - أن السوق يشهد إقبالا من المواطنين الشباب والذين توارثوا مهنة الصيد أبا عن جد، وأما « الشواب« كبار السن فانتهى زمنهم في ظل سيطرة الآسيويين على السوق.
وذكر أن التسويق موجه إلى الاستهلاك الفردي بالسوق حيث أن أصحاب المطاعم والفنادق لا يهمهم كثيراً إن كان السمك طازجاً أو مبرداً، فيشترون كل ما هو متوفر في السوق.
وردا على سؤال «البيان» حول الأدوات الحديثة التي تكون بحوزة الصياد في رحلاته البحرية، أشار إلى انه بات من الضروري لدى الصيادين استخدام أجهزة الـ « GPS» «الملاحة عن طريق الأقمار الصناعية» والتي من شأنها تحديد الاتجاهات وكذلك تخزين مواقع تجمع السمك في البحر أو المناطق التي تم وضع القراقير فيها حتى يسهل العثور عليها يمتد رفعها وجمع ما فيها من يذكر أن من أهم النقاط التي تجتمع فيها الأسماك في الوقت الراهن منطقة الزهرا الواقعة على بعد 18 ميلاً من البر في ميناء الحمرية، ومنطقة اخرى بجبل علي.
البيع بالجملة في السوق
ويشهد السوق حركة نشطة في الساعات الأولى من الصباح، تكثر فيها أعداد الآسيويين العاملين لصالح المواطنين العائدين من رحلة البحث عن الأرزاق في البحر، وغيرهم من مشتري الأسماك في سبيل عرضها على «دكات» البيع.
«البيان» قامت بجولة استطلاعية في سوق السمك، ورصدت صورة حية عن واقع البيع وأنواع الأسماك المتوفرة الطازجة منها والمجمدة، سمك الهامور وصل بكميات كبيرة من الهند، ومن المتوقع أن يباع بالأسعار المألوفة نظرا لتجميده، في حين انجذب عدد كبير من المشترين لشراء كميات من الأسماك الطازجة حينما وصلت مركبات نقل الأسماك المحلية من الموانئ إلى السوق، حيث طرأ إقبال عليها مما يشير إلى نفادها بصورة ملفتة.
من جانب آخر كان في السوق عدد من المشترين بغرض الاستهلاك الفردي، وردا على سؤال حول الأسباب التي تجعلهم يشترون السمك في هذا الوقت المبكر، أفاد المواطن (بوعلي) إنها فرصة لشراء أسماك طازجة بسعر الجملة.
مصادر دخل أخرى ومن مصادر الدخل الأخرى التي تدر منافع كثيرة على الصيادين، توفير خدمات تيسيرية للمستهلك منها التوصيل للمنازل مجانا، ويتم ذلك من خلال الاتصال بالعمال الآسيويين العاملين لدى بعض المواطنين (أصحاب «الدكات» بالسوق).
وقال «نواز» عامل لدى شركة لتجارة الأسماك لدى الأرباب «دكة» بسوق السمك بدبي تتوافر فيها أنواع مختلفة من الأسماك منها المحلي والمستورد، فالمحلي هو المحصول الذي يجنيه «الأرباب» لدى خروجه إلى البحر، وفي بعض الأحيان نشتريها من الصيادين الآخرين من الموانئ قبل وصولها إلى السوق.
وكما هو معروف أن مصادر الاستيراد متنوعة بسوق السمك، حيث تعتمد عملية البيع بالجملة في الساعات المبكرة من كل يوم على العرض والطلب، ومن خلالها يتم تسعير المحصول اليومي، فهو يختلف من يوم لآخر، ولا توجد تسعيرة موحدة، فكلما قلت كمية المحصول يكثر الطلب عليه وبالتالي ترتفع أسعاره، بالإضافة إلى تنوع مصادر الأسماك المحلية واغلبها من رأس الخيمة ودبا وخورفكان وأم القيوين، ويستورد السوق الأسماك عادة من سلطنة عمان وباكستان والهند والصومال وإيران.
وأوضح نواز أن خدمات التوصيل للمنازل باتت مهمة حيث توفر على المستهلك مشقة التوجه إلى السوق، فنحن نعمل كوسطاء، نوفر أسماكا طازجة على مدار الساعة ولا نبيع السمك المثلج إطلاقا، وهذا مؤشر واضح على ثقة المستهلك بأسماكنا، مشيرا إلى أن بعض الفنادق والمطاعم تتعامل معهم لشراء الأسماك المثلجة. وبسؤالنا عن أنواع الأسماك الطازجة والمتوفرة لديهم في هذا الأوقات، اعتذر نواز عن تقديم أي نوع منها بسبب عدم توفرها في الوقت الحالي، فلم يأتوا بحصيلة من الأسماك نظرا للظروف المناخية المتقلبة التي تحول دون خروجهم إلى البحر.
ظروف مناخية متقلبة
ومن الطرق التي يستخدمها الصيادون للحفاظ على المخزون السمكي خلال أوقات الشدة، إنشاء «الأحواض البحرية» أو « الأقفاص البحرية» التي من شأنها تجميع الأسماك الصغيرة حتى تتربى وتعيش وتتكاثر، منها على سبيل المثال ما يطلق عليه سمك «البالول« باللهجة المحلية، أي الهامور الصغير.
تستخدم في «الأحواض البحرية« شباك الصيد (الليخ)، وتحاط بطريقة ما على الأحواض، وتستخرج الأسماك من الأحواض عند تقلب الظروف المناخية، فالأجواء السيئة والمصاحبة للرياح الشديدة تمنع الصيادين من الخروج إلى البحر لما تشكله من مخاطر تهدد أرواحهم، الأمر الذي يشكل نقصا في كمية المعروض في السوق، فيستعين الصياد بما لديه من اسماك طازجة ويبيعها في السوق بأسعار ترتفع عن الأسعار المتعارف عليها نظرا لندرته في هذا الوقت وتميزه على السمك المبرد.
وأكدت مصادر مطلعة بسوق السمك أن سعر الهامور شهد ارتفاعا خلال الأيام القليلة المنصرفة، حيث بلغ سعره 60 درهماً للكيلوغرام، مقارنة بسعره في الأيام العادية الذي يتراوح بين 15 - 25 درهما في المتوسط.
ولوحظ على المدى البعيد نجاح فكرة «الأحواض البحرية« حيث يستفيد منها كلا الطرفين (البائع والمستهلك)، فيحقق البائع ربحا كبيرا ويحصل المستهلك على اسماك طازجة لا يستطيع الصيادون الآخرون توفيرها.
الجمعيات التعاونية
وأكد إبراهيم البحر مدير العمليات في جمعية الاتحاد التعاونية أن الجمعية تتعامل مع المحيط لتجارة الأسماك لجلب الأسماك وبيعها في «المسمكة« التابعة لفروق الجمعية المختلفة في الطوار والصفا والحمرية.
وأشار إلى أن السمعة الطيبة والأمانة التي يتحلى بها صاحب المحل جعلتنا نتعامل معه، حيث يتم تزويد الجمعية بالأسماك الطازجة يوميا وفي كل الأوقات، الأمر الذي يقينا من الوقوع في شرك البائعين الذين يتلاعبون في بيع الأسماك الطازجة والمفضلة دائما لدى الزبون، موضحا أنهم يعمدون في بعض الأحيان إلى خلط السمك الطازج بالمثلج.
وأوضح مصدر مسؤول بجمعية الإمارات التعاونية، أن جمعية الإمارات هي الأخرى تتعامل مع المصدر ذاته. وقال: «كل شي يعطى لمهنته، وان إدارة الأسماك لا تقتصر على فرز التالف منها، بل جلب الأسماك الطازجة يوميا».
وأضاف أن هناك أموراً تتطلب منا أن نتعامل مع شخص أهل للثقة، وعامل الخبرة في مجال الأسماك مهم جدا، مما يتوجب تعيين شخص باستطاعته الإشراف على المحصول اليومي بنفسه، بالإضافة إلى توفير مركبات لتوصيل الأسماك من نقاط مختلفة منها المناطق الشمالية وسلطنة عمان ناهيك عن دبي، الأمر الذي يصب في مصلحة الجمعية، وإلا سنضطر للتعامل مع عدد من الموردين يرفع احدهم الأسعار والآخر يخفضها.
وأوضح أنه لا توجد مقاييس لسعر الأسماك، بعكس الخضروات والفواكه حيث تكون فروقات الأسعار بسيطة كذلك اللحوم، أما الأسماك فأحيانا يصل الفرق إلى 5 دراهم من مكان لآخر.
متابعة وتصوير: نادية إبراهيم

