نخطئ عندما نظن أن «المناهج» تعني ما يدرسه الطلبة على مقاعد الدراسة من مواد تشتمل على كتب ومقررات دراسية توزع عليهم مع إطلالة كل سنة دراسية، المسألة في ما يبدو أوسع بكثير من هذا المفهوم المحدود الذي يعرفه بعض التربويين على انه وثيقة أو تجارب أو خبرات معدة للمدرسة حتى أصبح علما مستقلا بذاته له أصوله، ما حدا بنا أن نتساءل حماية لمناهجنا «قلب التعليم النابض»:
هل اعتمدت المؤسسة الرسمية القائمة على المناهج البحث العلمي أسلوباً للعمل وفق التخطيط المنهجي، وإذا كانت الإجابة نعم، فلماذا ازدادت معوقات الأداء في المدارس، ولماذا زادت نسبة تدني التحصيل لدى ناشئة المرحلة التأسيسية، ولماذا صار عزوف الطلبة المواطنين عن القسم العلمي ظاهرة؟ وما هي النتائج التي تحققت عندما اتجهنا إلى إدخال مواد علمية بالقسم الأدبي؟ وهل نقول: نعم لمناهج مشروطة للجاليات تحددها سياسة الدولة؟ وهل هي تساؤلات عديدة تدعونا إلى ضرورة وضع خطة متكاملة تشمل مختلف أطراف المنظومة التعليمية مع الاستفادة من الخبرات العالمية بما يناسب واقعنا الوطني.
ترى لطيفة عبيد الخبيرة التربوية مدير مكتب وكيل وزارة التربية والتعليم أن الكتاب المدرسي يتضمن معارف ومهارات وقيماً ومناشط تعليمية إلى جانب المعلم أحد أهم عناصر المنهاج، علاوة على البيئة الصفية بما تضمه والتقويم كذلك، مشيرة إلى أن المنهاج الوطني في بلادنا يبنى على سياسة تعليمية حددها الدستور وأقرها مجلس الوزراء، متسائلة في ضوء ذلك:
كيف يتسنى حماية المنهاج من أفكار غريبة دخيلة لا تتماشى والسياسة المذكورة، بمعنى وضع مادة تعليمية ظاهرها يوافق السياسة التعليمية وباطنها لا يوافقها، موضحة أن من الضرورة التعويل على المعلم المربي الكفء الذي يمتلك مهارات تربوية وتعليمية متجددة تواكب عصره، ولعله على حد قولها الدينامو الأساسي الذي يحرك المنهاج لتحقيق أهدافه المنشودة.
* السياسة التعليمية
ولفتت الخبيرة التربوية إلى أن من بين طرائق الحماية وضع المادة العلمية وفق السياسة التعليمية يدعمها المعلم المنفذ باقتدار والمحب لعمله وصولا إلى مفهوم الانتماء الذي نريده وبواسطته يستطيع المعلم أن يكتشف ما بين السطور.
مشيرة إلى أن الصورة الايجابية لحماية المنهاج تكتمل بمدى عصريته ومواكبته للقضايا الناشئة على مقاعد الدراسة ويحل مشاكلها مع ضرورة بناء أنشطته التعليمية بحيث تظهر شخصية المتعلم عند التعامل معها، وأن يصبح له رأي مستقل في الإجابات. ولحماية المنهاج كذلك قالت لطيفة عبيد: من الضرورة إيجاد بيئة تعليمية صحيحة مثل توفير كافة الأدوات التي تعين على تنفيذ منهاج صحيح أهمها تفعيل المكتبة المدرسية.
وعن رأيها في المناهج الأجنبية بالدولة قالت: إنها بنيت على سياسات دولها التعليمية وبها ما يناسب مجتمعنا المتعلق بالنظم الحديثة للتعليم والأساليب والطرائق المتطورة والآفاق الجديدة للعلم، مشيرة إلى أننا لا نملك إلا الاطلاع واتباع ما هو عصري ومفيد، ونتجنب ما يمس الوضع الاجتماعي الوارد في مناهجهم لأنها تعالج قضاياهم ومجتمعاتهم وما يتعلق بثقافاتهم التي قد تكون مغلوطة وغير واضحة، دليلها في ذلك ما يكتب عن تاريخنا الإسلامي بشكل مشوش.
* تفسير ضيق
شيخة الشامسي وكيل وزارة التربية والتعليم المساعد للمناهج والبرامج التعليمية لفتت إلى أن البعض يفسر مصطلح المنهاج الدراسي تفسيراً ضيقاً في حين أن معناه أوسع بكثير، فهو يشمل نواتج التعلم المأمولة من المواد التعليمية.
مشيرة إلى أن مركز تطوير المناهج حرص على إعداد وثيقة لكل مادة من المواد الدراسية تشمل أسس تطوير المادة ودواعيها ونتائج التعلم وأساليب التدريس والتقنيات المطلوبة لتنفيذ المنهج وعنصر تقويمه رغبة في مواكبة التطورات العالمية في هذا المجال، حيث تجنح الدول إلى تحديد معايير خاصة بها لكل مادة، مستشهدة أن هناك معايير مادة الجغرافيا في سنغافورة والرياضيات في الولايات المتحدة الأميركية ما جعلنا نسعى إلى إعداد معايير لكل مادة في الدولة، موضحة أن هذه المعايير تتناول الجوانب المعرفية والمهارية في المادة.
وأضافت الدكتورة الشامسي: عند التطرق للجانب المعرفي والمهاري تم الاسترشاد بما هو موجود عالميا والمؤسسات المختصة بكل مادة كالجمعية الأميركية بالنسبة للرياضيات، مشيرة إلى أن معاييرها معتمدة عند إعداد الاختبارات العالمية وتسترشد بها الدول الأوروبية والآسيوية ومختلف دول العالم، وللعلوم وتقنية المعلومات مؤسسات عالمية تضع معايير استرشدنا بها في الجانب المعرفي والمهاري عند إعداد الوثائق.
فعلى سبيل المثال يطرح بالنسبة لكتاب الصف الرابع الابتدائي في مادة الدراسات الاجتماعية وما أثير من تساؤلات بشأن وجود الموقع النسبي لدولة الإمارات وصعوبة هذا المفهوم على التلميذ في حين أنه موجود في غالبية المناهج ومعايير الدول الأخرى للتلميذ بالصف نفسه مثل منهاج الانجليزية، مشيرة إلى أنه مثال يوضح ضرورة أن يكون الجانب المعرفي للمنهج في الدولة متماشيا لمستوى المناهج في الدول الأخرى ومواكبا لها.
وقالت الوكيل المساعد للمناهج والبرامج التعليمية: إن ما تتميز به مناهجنا عن المناهج الأخرى مراعاتها لجانب القيم في المنهج الدراسي حيث تم الاعتماد على مصفوفة القيم في المنهج الدراسي من خلال الاعتماد على مصفوفة القيم في مادة التربية الإسلامية التي كانت هي الأساس الذي تم اعتماده ليكون موجودا في المواد الأخرى، مؤكدة أننا بذلك نأمل مواكبة العصر ولم نخرج عن عاداتنا وتقاليدنا وقيمنا الأصيلة وأكدنا ضرورة تعزيز الانتماء فتم استحداث مادة للتربية الوطنية في الصفوف الثلاثة الأولى تؤكد ذلك.
* طرق صحيحة
وأشارت نهاد الشامسي مدير عام مدرسة الاتحاد الخاصة بالجميرا في دبي إلى أن المحافظة على المنهج الوطني إلى جانب الأميركي والبريطاني تكون باستمرارية المتابعة في تطبيقه بالطرق الصحيحة، ولكن في الوقت ذاته فإنه لا مانع من إعطاء الجاليات الأخرى كاليابانية والصينية الحق في تدريس مناهج خاصة بها شريطة أن يتخلل منهجيهما مادة توضح هوية الدولة واتجاهاتها الدينية وعاداتها وتقاليدها وسياستها مع ضرورة مراقبة مناهجهما وطبيعة ما تتضمنه من أفكار لا تنعكس سلباً على العملية التعليمية على أن يصاحب ذلك وعيا مجتمعيا بعادات وتقاليد وديانات تلك الجاليات.
وعن مدى إمكانية التعامل بالمثل في هذه الدول أشارت إلى أن السعودية لها مدارس في الخارج تدرس مناهج عربية، لافتة إلى أنه لم يكن هناك مناهج عربية أخرى يتم تدريسها في الغرب، فربما يكون السبب أن الدول لم تطلب تدريس مناهج خاصة بها.
وقالت نهاد الشامسي: المناهج الوطنية هي مناهج الدولة ومن الضرورة الدفاع عنها شاهدها على ذلك الخريجين الذين التحقوا بجامعات أجنبية وكانت خلفيتهم العلمية جيدة للغاية.
سامية الصبيحي رئيس قسم المدارس الخاصة بتعليمية الشارقة قالت: إن الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أولى بها، مشيرة إلى أننا نريد مواكبة القرن الذي نعيشه وتطوراته العالمية ونريد كذلك تهيئة أبنائنا ليكونوا مواطنين صالحين، فإذا كانت لدينا عادات وتقاليد نراعيها في مناهجنا فالشق الثاني من إعداد المواطن علميا نبحث عنه في مناهج أخرى إذا لم توفره مناهجنا، ولا مانع على حد قولها من ذلك.
موضحة أن الجانب العلمي في المناهج الأجنبية يجعل الطالب قادرا على تطبيق المنهاج العلمي في حياته بأسلوب سلس وسهل، مشيرة إلى دراستنا المواد العلمية وعدم استطاعتنا تطبيقها في حياتنا العلمية عكس المناهج العلمية التي توفر ذلك داخل المختبرات، في حين إننا درسناها داخل الصفوف الدراسية وتنتهي بانتهاء الامتحانات بنظرة على مختبرات مدارسنا نستطيع التأكد من ذلك.
تحقيق: يحيى عطية