تحليل إخباري

هذا هو الحل لمواجهة «غول» ارتفاع الأسعار

تعود مجدداً قضية ارتفاع الأسعار وطلبات الموردين للظهور بعد فترة فتور قصيرة، وتعود معها الأحاديث الكثيرة لمواجهة هذه القضية القديمة الجديدة والاجتماعات الحكومية مع أصحاب العلاقة للبحث عن حلول لظاهرة باتت تشكل رعباً حقيقياً للمستهلك، ومما لا شك فيه أن تدخل الجهات الحكومية لوقف زيادة أسعار الألبان كان له وقع إيجابي لدى جمهور المستهلكين الذين اعتبروه نصراً غير مسبوق لصفهم، ولكن مع وجود طلبات جديدة للزيادة عادت مطالبات المستهلكين لإيجاد تدخل حكومي سريع ولاسيما مع شيوع مقولة ان الزيادة قادمة ولا مناص منها رغم الاجتماعات المزمع عقدها بين جهات حكومية وتعاونية بالإضافة إلى الموردين.

ولم تتضح إلى الآن الصورة بالنسبة للمستهلك والموقف الذي سيتم اتخاذه والحلول المناسبة لهذه الأزمة وغيرها من الأزمات التي باتت تمر بين الحين والآخر وكأنها قدر محتوم عليه تقبله، ووسط هذا كله تتعالى الأصوات التي تحمل الجهات الحكومية المسؤولية لأنها لم تتخذ قوانين صارمة وحازمة في مواجهة غلاء الأسعار متصورة، ان اتخاذ مثل هذه القوانين يأتي بسرعة سحرية ومتجاهلة الاعتبارات الكبيرة التي تفرضها آليات العمل في السوق الإماراتي.

ونجد آراء أخرى تحمل الاتحاد التعاوني والجمعيات التعاونية المشكلة، ومطالبة بدور فاعل لجمعية حماية المستهلك التي تعاني حالياً من غيبوبة نتيجة بعض الأزمات التي تواجهها تاركة المجال لمزيد من الضياع لدى المستهلك ولاسيما في ظل غياب قانون واضح يحدد آلية عملها، ونجد أيضاً آراء أخرى تحمل المستهلك تبعة هذه الزيادات في الأسعار، موجهة إليه أصابع الاتهام كون لهاثه وراء المنتجات ذات الأسماء المعروفة إرضاء لرغباته وعدم معرفته بدقائق الأمور شجع الموردين على طلب الزيادات المتتالية.

ومن خلال هذه الآراء المتضاربة والتي تتجه بتطرف نحو رأي دون آخر في بعض الأحيان يكون الحل بتضافر هذه الأطراف الثلاثة والتي لا يمكن الاستغناء عن واحدة منها لأن هناك رابطاً ضمنياً وثيقاً يجمع بينها كحلقة واحدة يؤدي الفصل بينها إلى اتخاذ كل طرف لقرارات تفقده التوازن.

وأهم أطراف هذه المعادلة الاتحاد التعاوني والجمعيات التعاونية لأنها تشكل حلقة الوصل بين الطرفين الآخرين وبإمكانها تقديم حل سريع للأزمة وتوفير الجو الملائم لإيجاد حلول بعيدة المدى تكون مركب النجاة التي تعين المستهلك على النجاة من الغرق في دوامة ارتفاعات الأسعار المتتالية، فعليها توفير بدائل للمنتجات المطلوب زيادة أسعارها على أن تكون بسعر أقل وبجودة عالية تشعر المستهلك بميزتها وتدفعه إلى الاستمرار في شرائها لا الابتعاد عنها بمجرد تجربتها.

ويمكن لهذه الجمعيات تحقيق عامل جذب مهم من خلال تقليل هامش ربحها من دون رفع أسعار مواد أخرى ولا سيما أن بإمكانها توفير بعض المصاريف التي يدفعها الموردون، مع التأكيد على ضرورة توحد الجمعيات في كتلة واحدة قوية ذات ثقل في السوق المحلي وتبدو الفرصة الآن مواتية للعب هذا الدور المهم ولا سيما مع قرار السماح لها باستيراد 16 سلعة من المواد الغذائية والاستهلاكية، وبعض القرارات الأخرى المتوقع إقرارها والتي تصب في صالحها.

أما الطرف الثاني في المعادلة فهو المستهلك الذي يستمتع الكثير بتصويره على أنه الضحية التي لا حول لها ولا قوة مع أن بيده القوة الشرائية التي تجعل الغلبة لمنتج دون آخر وترجح كفة جهة على جهة أخرى ما يضطرها إلى النزول عند رغباته وخلق حالة من التوازن والاستقرار في الأسعار، وهذا الأمر لا يتحقق إلا بوجود منتج مميز كبديل حقيقي لما هو مطروح في الأسواق وتنازل المستهلكين عن الاعتماد على منتجات ذات أسماء لامعة.

وبعد هذا وذاك يأتي الدور البالغ الأهمية وهو دور الجهات الحكومية المسؤولة عن هذه القضية لإيجاد قوانين رسمية ودائمة لمواجهة هذه الظاهرة من خلال إعداد لجان متخصصة لتقوم بدراسة معمقة للواقع والإطلاع على تجارب البلدان المختلفة لإصدار قوانين واضحة ومحددة ومدروسة لتكون سلم النجاة الذي يحمي المستهلك من عواصف زيادات الأسعار بشكل دائم أو تجد آلية لتقنينها وتحديدها في أطر معينة تتوافق مع الأوضاع المعيشية للمستهلكين.

ومن خلال هذه الأمور يمكن عقلنة مسألة ارتفاع الأسعار ووضعها في إطار مقنن يتناسب مع الوضع العام في المجتمع، فلا يمكن أن نرفض زيادة الأسعار بشكل مطلق لأن هناك قضايا عالمية تتحكم في السوق وتخرج عن نطاق الدولة الواحدة أو المجتمع الواحد، ولكن من الممكن جداً أن تكون هذه الزيادة مدروسة وواقعية لا أن تصبح فعلاً سنوياً اعتيادياً يفرضها من يشاء ومتى يشاء وكأنها قدر محتوم يأتي على المستهلك بسبب أو من دون سبب.

عمر بدران

طباعة Email
تعليقات

تعليقات