إنَّ لجَسَدِكَ عليكَ حَقاَ

إنَّ لجَسَدِكَ عليكَ حَقاَ

إن الله سبحانه وتعالى استخلفنا في الأرض، وجعل لنا فيها معايش، وأحلّ لنا الطيبات النافعة التي تصون الحياة وتبني القوة وتحفظ الصحة وحرم علينا الخبائث الضارة التي تشكل خطراً على الإنسان في عقله وجسمه ودينه ودنياه.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) سورة البقرة الآيتان 172 ـ 173.

وقال تعالى في وصف نبينا صلى الله عليه وسلم: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) سورة الأعراف الآية 157. وقال تعالى: (وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) سورة الأعراف الآية 31.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في كلمات نورانية تعتبر دستوراً خالداً في الطب والحكمة: «ما ملأ آدميٌ وعاء شراً من بطن بحسب ابن آدم أكيلاتٌ يُقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه». رواه الترمذي وابن ماجة وابن حبان.

والحق أن الجسد البشري يحتاج إلى النوم حاجته إلى الطعام والشراب، إنه يحتاج إلى ساعات معينة ينام فيها ويستعيد قواه التي بذلها في حالة الصحو والانشغال بأمور الحياة.

ومن هنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: «يا عبدالله ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟». قال: بلى يا رسول الله. قال: «فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقاً، وإن لعينك عليك حقاً، وإن لزوجتك عليك حقاً، وإن لزورك عليك حقاً» رواه البخاري.

وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على ثلاثة رجال من أصحابه أراد أحدهم أن يقوم فلا ينام، وأراد الثاني أن يصوم فلا يفطر، وأراد الثالث أن يعتزل النساء فلا يتزوج، وردهم صلى الله عليه وسلم إلى التأسي والاقتداء به في التوسط والاعتدال قائلاً لهم: «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» متفق عليه.

والحق أن القرآن الكريم لفت أنظارنا إلى سنة الله تعالى في الليل والنهار، ويبين لنا أن الله جل جلاله برحمته جعل الليل لباساً يتم فيه السكون والسبات، وجعل النهار معاشاً يتم فيه العمل والنشاط.

قال تعالى: (وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) سورة القصص 73.

وقال تعالى: (وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا(9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا) سورة النبأ الآيات 9 ـ 11.

ومن أجل التوافق والانسجام مع هذا النظام الإلهي في اليقظة والمنام نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه عن السمر بعد العشاء، كما روى ابن ماجه عن ابن مسعود صلى الله عليه وسلم، وما نام رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبل العشاء ولا سمر بعدها، كما روى ابن ماجة عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

وحث صلى الله عليه وسلم أمته، بدعائه لها بالبركة في بكورها، على التبكير والاستفادة من أول النهار في العلم والعمل والتجارة والجهاد وسائر الأمور، فعن صخر الغامدي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم بارك لأمتي في بكورها». وكان إذا بعث سرية أو جيشاً بعثهم في أول النهار، وكان صخر رجلاً تاجراً وكان يبعث تجارته من أول النهار فأثرى وكثر ماله. رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه.

إن يوم المسلم يبدأ مع الفجر، وكل سهر أو سمر تضيع معه صلاة الفجر لا خير فيه.

وفي الحديث الشريف: «من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله». رواه مالك ومسلم واللفظ له.

د. قطب عبدالحميد قطب

طباعة Email
تعليقات

تعليقات