لوحة الأرصاد الرقمية لعدد المعلمين المواطنين المتواجدين فعلياً في مدارس منطقة دبي التعليمية لا تزيد على سبعة وأربعين معلماً، ما يعني استمرار مسلسل النزيف والهروب للمعلم المواطن الذي يرفض الموت شهيداً بين الدفاتر والكتب في تلك المهنة الحارقة، وعدم تناسب الأجور مع طبيعة العمل التربوي، وتوافر فرص عمل بأجور أعلى يفضل استغلالها في دوائر محلية أخرى.
وتعرقل مشكلة النقص الحاد في عدد المعلمين المواطنين «الذكور» قياساً بعدد مدارس المنطقة البالغ ستاً وسبعين مدرسة جهود التوطين على مستوى الإدارات المدرسية، حيث ستضطر وزارة التربية والتعليم إلى تعيين مديرين غير مواطنين في الوقت الذي تقبل فيه قيادات إدارية بمدارس المنطقة على التقاعد.
وإذا قدر أن هناك 47 معلماً مواطناً والمطلوب خلال سنوات قليلة للمحافظة على توطين الإدارات المدرسية أكثر من ذلك بكثير، فهناك فجوة بين المطلوب والموجود!
والحل وفقاً لآراء الميدان التربوي في إما إلغاء مختلف شروط الترقي لوظيفة مدير مدرسة أو تعيين حملة شهادات الإدارة أو الإدارة التربوية ليكونوا مديري مدارس مباشرة، لكن ستظهر مشكلة أخرى تتمثل في انعدام الخبرة لدى هذه العناصر الجديدة، أو إلغاء قرار عدم إجازة الوافد للترقي لمنصب مدير مدرسة بمعنى إفساح المجال مرة ثانية للوافدين أو غير المواطنين لتولي هذا المنصب.
المشكلة تطرح تساؤلاً: هل بالإمكان تبني استراتيجية طموحة من خلال وزارة التربية والتعليم أو مجلس دبي للتعليم لإعادة المهنة لمسارها المنشود؟
ويرى محمد حسن مدير ثانوية محمد بن راشد آل مكتوم أن منطقة دبي التعليمية هي الوحيدة التي تعاني من نقص عنصر المعلمين المواطنين الذكور في المدارس على مستوى الدولة، لأن عنصر الجذب للمواطن سواء في الدوائر المحلية أو المؤسسات الاقتصادية والصناعية أعلى من المؤسسة التعليمية، لذا نجد سنة بعد أخرى تضاؤل عدد المعلمين المواطنين في المدارس.
تقاعد ولكن!
وقال محمد حسن: إن تولي الوافدين إدارة مدارس دبي في السنوات الخمس المقبلة في ظل ذلك واقع لا محالة نظراً لأن نصف مديري المدارس المواطنين على وشك التقاعد بعد ثلاث سنوات على الأكثر، غير معتقد ان الإنسان يقبل الاستمرار في عمله وقانون التقاعد يسمح له براتب كامل وهو جالس في بيته، آملاً من مجلس دبي للتعليم ومن خلال تعاونه مع إدارة تعليمية دبي معالجة الوضع عبر دراسة الأسباب وإيجاد حلول لها.
ويعتقد عبدالله علي عيسى مساعد مدير ثانوية محمد بن راشد أن الأمن الوظيفي والتحفيز والترقية إذا وجدوا في أية وظيفة يزيد الإقبال عليها، أما في مجال التربية والتعليم فالترقيات متوقفة منذ أمد طويل علاوة على غياب التحفيز مقابل الجهود الكبيرة المبذولة تربوياً في مختلف الجوانب.
ولفت عيسى إلى انه حال استمرار الوضع بالشكل القائم فمن المنتظر أن تتسرب الأعداد الباقية من المواطنين المعلمين إلى وظائف أخرى لاسيما الدوائر الخاصة، حيث رواتبها المجزية وحوافزها الكبيرة، مما يمهد الطريق لغير المواطنين في تولي إدارات مدارس دبي في السنوات المقبلة.
نزيف الهروب
وأوضح جعفر الفردان مدير السعيدية للتعليم الأساسي أنه على الرغم من كم الرؤى والاستراتيجيات والبرامج التي تتشدق بها مؤسساتنا التعليمية وعلى رأسها وزارة التربية والتعليم، إلا أن النظريات والرؤى في واد والحالة الواقعية في واد آخر لاسيما إذا ما حاولنا قراءة لوحة الأرصاد الرقمية لعدد المعلمين المواطنين المتواجدين فعلياً في مدارس منطقة دبي التعليمية.
مشيراً إلى أن الرقم لا يزيد بحال من الأحوال عن عشرين معلماً ما يعني استمرار مُسلسل النزيف والهروب للمعلم المواطن الذي يرفض أعباء المهنة، ويفضل استغلال الفرص الذهبية التي توفرها الدوائر المحلية ويرفض أن يموت شهيد الدفاتر والطباشير، في حين يفتح المستقبل يديه لجهوده بكل ترحاب، متسائلاً: إلى متى سيظل القائمون على أمر التعليم يمسحان على الجرح ومحاولة مداواته وتطبيبه؟
وإذا ما استمر ذلك سيعود النقص الحاصل على الإدارات المدرسية، معربا عن عدم استغرابه إذا ما شاهد في السنوات الخمس المقبلة المعلمين الوافدين يتولون سلك الإدارة المدرسية كمدير مدرسة أو مساعد للمدير.
التعليم شأن مجتمعي
ولفت الفردان إلى أن التعليم شأن مجتمعي يجب أن تهتم به مختلف قطاعات المجتمع خروجاً به من أزماته، موضحاً أن المجتمع المدرسي بيئة طاردة للمعلم المواطن الذي يرفض الدخول لهذا العالم وإذا حاول البعض الدخول سرعان ما يتلاشى، فيما ينتظر المحاربون القدامى بفارغ الصبر وصولهم لسن التقاعد للاستفادة من فضلات الوظيفة بعد أن رسم الآخرون في الوظائف الأخرى أحلامهم.
مؤكداً أنه بالإمكان وضع استراتيجية طموحة من خلال الوزارة أو مجلس دبي للتعليم عبر قنوات مغايرة جديدة للوظيفة كعمل مكافآت خاصة أسوة بأبوظبي، أو اعطاء المعلم حوافز أخرى إضافة إلى بدل طبيعة بطريقة البدلات الاستثنائية لاستقطاب العديد من المواطنين أو حوافز تساوي مدير المدرسة بمدير الإدارة في أية دائرة حكومية.
تحقيق: يحيى عطية