أكد المستشار القانوني محمد ياسر عبدالرؤوف أن تعديلات ستجرى عاجلا أم آجلاً على أحكام قانون الأحوال الشخصية الجديد وذلك لأن الدولة تشهد ثورة تشريعية شاملة. وقد بدأ المستشار محاضرته التي استضافها المجمع الثقافي في أبوظبي مساء أول من أمس وكانت بعنوان «المرأة في قانون الأحوال الشخصية الإماراتي» وقدمته فيها المحامية أمل الزعابي، بتعريف عدة مصطلحات بطريقة التفكيك الدارجة في الشأن القانوني، حيث عرّف المرأة من المنظورين الشرعي والقانوني، ثم تناول بالتعريف الملخص مصطلح «الأحوال الشخصية».
فقال: لم يكن هذا المصطلح معروفاً لدى مشرعينا وفقهائنا حتى بدايات القرن العشرين، حين ألّف الفقيه محمد قدري باشا كتاباً حملّه هذا المصطلح، وضمّن فيه الراجح من أحكام الفقه الحنفي، والتي مازالت معتمدة حتى يومنا هذا في العديد من الدول الإسلامية، ليكون مصطلح «الأحوال الشخصية» بعد ذلك مصطلحاً دارجاً في المحاكم الإسلامية، حيث بات متصلاً بطبيعة علاقة الإنسان بالأسرة من جميع النواحي الاجتماعية.
وأعطى المستشار لمحة تاريخية عن قانون الأحوال الشخصية الإماراتي السابق والمعروف بقانون (28) الذي يتضمن 363 مادة كانت تتناول: الخطبة، الزواج، انحلال الزواج، التفريق بحكم القاضي، الوصية، المواريث، الحضانة، الأهلية، وغيرها من الأحكام، وكان هذا القانون، كما قال المستشار، ملتزماً بالمذهب المالكي دون غيره من المذاهب، وقد تولّد عن تعدد وتفرع الأسانيد الشرعية التي تنبع عنها تلك الأحكام وتنوع مصادرها المكتوبة، صعوبة لدى الدارسين القانونيين والقضاة على حد سواء.
ثم تناول المستشار عبد الرؤوف أحكام القانون الجديد الصادر في نوفمبر من العام الماضي؛ فيما يتصل بالمرأة، وبدأ بالمادة (17) وما يتبعها من باب الزواج والخاصة بالخطبة، وأشار إلى الخلل القانوني الذي وقع فيه المشرّع عند تحديد مقدار التعويض الناشئ من العدول عن الخطبة والذي لم يحدد بمقدار معين، وفق المادة (18) في الفقرة الأولى منه، بل تُرك باب التعويض مفتوحاً دونما تقييد، ولكن المحاضر أشار إلى الصيغة المحدثة في القانون الجديد والمتعلقة بإعادة الهدايا في الفقرة (5) من المادة السابقة وبما نصه «إذا عدل أحد الطرفين عن الخطبة وليس ثمة شرط أو عرف، فإن كان بغير مقتضى فلا حق له في استرداد شيء مما أهداه للآخر، وللآخر استرداد ما أهداه» وهي فقرة جديدة لم تتناولها الأحكام السابقة.
*وعند وصول المحاضر إلى شرح المادة (19) من القانون والمتعلقة بأحكام الزواج وتعريفه؛ أثار نص القانون تساؤلات بعض الحاضرين حول تعريف الزواج، حيث تساءل البعض عن المعنى اللغوي المبطن للجملة التي تنص على التالي -الزواج: عقد يفيد حل استمتاع أحد الزوجين بالآخر شرعاً- حيث يفهم من النص كما قال بعض المحامين من جمهور المحاضرة، على أنها توقع صيغة الاستمتاع لطرف دون آخر ولا تشمل الطرفين معاً، ليتطرق المحاضر بعدها إلى أحكام المادة (20) والمتصلة بشروط عقد الزواج وبطلانه وصحته، والتي أثارت تساؤل الحضور حول ماهية أنواع الزواج الأخرى ـ فيما إذا أصبحت شائعة إلى حد نشوئها كظاهرة، كزواج المسيار مثلاً- وأجاب المحاضر بأنه مقيد بحدود موضوع المحاضرة.
ويبدو أن مواد قانون الأحوال الشخصية الجديد ما زالت تثير جدلاً في الأوساط الشرعية والقانونية والاجتماعية، فما إن أشار المحاضر إلى المواد المتعلقة بكفاءة الرجل الطالب للزواج والتي تبدأ من المادة (21) وما يليها؛ حتى أثار موضوع الكفاءة هذا بعض التساؤلات من قبل الحضور، لينتقل الجدل القانوني بعد ذلك إلى أحكام المادة (30) والمتصلة بسن البلوغ للرجل والمرأة، والتي حددها القانون الجديد بسن الثامنة عشرة للطرفين، وشرط قبول ولي المرأة لإتمام صيغة عقد الزواج، وإلا فالحكم ببطلان العقد والتفريق حسب المادة (30) والتي لم تحصل على اتفاق شرعي واضح بين جميع المذاهب الفقهية.
وتطرق المحاضر أيضاً إلى شرح المواد المتصلة بأحكام المهر، حيث أشار المحاضر إلى عدم إتيان القانون الجديد على ذكر ما يعرف اصطلاحاً بـ «دَين المهر»، ولكن المحاضر نبّه الجمهور إلى اتساع حقوق الزوجة في القانون الجديد عن غيره من القوانين السابقة، وكذلك الأحكام المتعلقة بالذمة المالية للزوجة والتي تبدأ بالفقرة (62)، وكذلك الحكم الجديد الذي أتى به القانون فيما يتعلق بالنفقة الزوجية والتي نصت عليها المادة (73) والتي راعت سعة حال المنفق والمنفق عليه، والحكم الجديد الذي يتيح للمرأة المطالبة بالنفقة قبل تاريخ رفع الدعوى بثلاث سنوات.
كما تطرق المحاضر إلى الحكم الجديد الوارد في المادة (102) والمتصل ببطلان الطلاق في حالة اعتداد المرأة، كما أن القانون الجديد يخالف رأي الجمهور القائل بأن الطلاق المقترن بالعدد واللفظ يعد ثلاث طلقات، بينما يحدده القانون الجديد بطلقة واحدة، وشرح المحاضر بعض المواد الخاصة بالخُلع والتفريق بأمر القاضي لوجود علّة ما، والأحكام المتصلة بالحضانة وغيرها من الأحكام في القانون الجديد.
وخلص المستشار محمد ياسر عبد الرؤوف إلى أن نصوص وأحكام قانون الأحوال الشخصية الجديد، قابلة للتعديل والتغيير وفق ما تراه السلطات الشرعية والقضائية لاحقاً، وتحديداً فيما يتعلق بتطبيق أحكام هذا القانون على غير الإماراتي المقيم في الدولة، وبما يتصل أيضاً بسن الحضانة وحق الحضانة والتي أعتبرها البعض نكسة قانونية كبيرة في مجال الأحوال الشخصية.
أبوظبي ـ محمد الأنصاري:
