لاقى الخبر الذي نشرته «البيان» الخميس الماضي بعنوان «خطأ طبي كاد يودي بحياة شاب في أبوظبي» ردود فعل واسعة ومتباينة من جانب القراء والأطباء على حد سواء، فمنهم من صدق الواقعة .
وطلب من الله أن يشفي هذا المريض المسكين، بينما شكك البعض الآخر «ومعظمهم من الأطباء» في مصداقية الخبر واعتبروه «فرقعة» صحافية ليس إلا، وأكدوا أن ما حدث كان عبارة عن مضاعفات طبية معروفة على مستوى العالم.
والتزاماً من «البيان» بنشر الحقيقة فقد التقت بجميع أطراف الموضوع وأولهم المريض نفسه الذي لا يزال يصر على أنه تعرَّض لهذا الخطأ الطبي، وقدم مجموعة كبيرة من التقارير الطبية وبعض الأوراق الصادرة من المستشفى التي تفيد بعدم استلامه العينة الكبدية من المستشفى،.
حيث أخبره المسؤول بأن هذه العينة ليس لها وجود في سجلات المستشفى، على الرغم من أنه قام بعمل هذه الخزعة. كما قدم المريض تقريراً حديثاً من المستشفى بتاريخ 3 يناير 2006 موقَّع من الطبيب يؤكد بأن المريض لم يتحمل أخذ العينة من الكبد وأن مرضه في تطور ما لم يستكمل العلاج.
* بداية المعاناة
ويتحدث المريض عبد الحميد صبري من مواليد 27 أغسطس 1973 مصري الجنسية عن بداية معاناته مع هذا المرض، قائلاً: كنت أعمل في شركة أدنوك في إحدى محطات البترول، وطيلة حياتي لم أشعر بأي مرض، وقرأت في إحدى الصحف عن ضرورة التبرع بالدم لإنقاذ المرضى والمصابين، ولم أتردد وقررت الذهاب بصحبة زوجتي إلى بنك الدم للتبرع.
وأخذوا عينة من دمي وبعد أيام اتصل بي أحد الأطباء في بنك الدم في أبوظبي ليخبرني بأنني مصاب بالتهاب الكبد «سي» ولا بد من سرعة العلاج حتى لا يستفحل المرض، كما طلب مني عدم التبرع بدمي لأي من مراكز التبرع بالدم.
ووضعوا علامة «إكس» على اسمي حتى لا يقبل مني أي تبرع بعد ذلك، واسمي لا يزال مسجلاً في كمبيوتر بنك الدم، وفي الحقيقة ـ ولا يزال الكلام على لسان عبد الحميد صبري ـ أصبت بالفزع وقدمت استقالتي من عملي لأن الطبيب في بنك الدم نصحني بالذهاب إلى مصر للعلاج، لأن تكلفة العلاج في الإمارات مرتفعة جداً.
وبالفعل سافرت إلى مصر مع زوجتي وأولادي وبدأت رحلة العلاج لمدة 5 أشهر، وأنفقت جميع ما أملك حتى أنني قمت ببيع الأثاث والأجهزة الكهربائية ولم أجد ما أبيعه بعد ذلك لاستكمال العلاج، لأن الإبرة التي كنت أحقن بها أسبوعياً تكلف 1600 جنيه مصري في الوقت الذي أخبرني الدكتور علي مؤنس .
وهو من كبار الأطباء المشهورين في مصر بأن التوقف عن العلاج يعني العودة إلى نقطة البداية وأنني لا بد أن أستمر سنة كاملة في أخذ الأدوية للقضاء على المرض، خاصة وأن المرض استجاب للعلاج.
ويضيف: قررت العودة إلى الإمارات لاستكمال العلاج، لأنني ـ كما أخبرتك ـ بعت كل ما أملك في مصر وبمجرد وصولي لأعمل مزارعاً في إحدى المزارع في أبوظبي، وذلك منذ ثلاثة أشهر تقريباً، تقدمت للهلال الأحمر لمساعدتي في توفير الأدوية اللازمة، إلا أنهم طلبوا مني تقريراً حديثاً يفيد بإصابتي بالمرض.
وهو عبارة عن فحص عينة كبدية، وعندما أخبرت المسؤول بصعوبة أخذ خزعة من الكبد لأن الأشعة التلفزيونية تؤكد إصابته بتليُّف، أصر على ذلك فأخبرته بأن الأطباء أكدوا أن أخذ عينة كبدية من الممكن أن يحدث التهاباً بالكبد وأن عواقبها وخيمة، إلا أنه أصرَّ على موقفه.
* الذهاب إلى المستشفى
ويعقب: ولم أجد بدَّاً من الذهاب إلى مستشفى المفرق لإجراء هذه العينة وأعطوني موعداً للعينة يوم 12 ديسمبر الماضي، وعندما ذهبت وكأنني أذهب إلى الموت، لاحظ الأطباء ذلك فأخبروني بأنه لا داعي للقلق أو الخوف لأن إجراء مثل هذه العينة لا يأخذ أكثر من نصف ساعة، وأن أحد الاستشاريين الكبار هو الذي سيجري لي الفحص.
ويضيف: دخلت بالفعل واستلقيت على جانبي الأيسر، وقام الطبيب بتخديري موضعياً وعندما قال الطبيب لأحد المتدربات المرافقات له، هل تودين القيام بأخذ هذه العينة؟، فأخبرته بأنه لم يحن الوقت لذلك، وعندما أدخل الإبرة في جسدي شعرت بعدم قدرتي على التنفس.
وأشرت للطبيب بذلك فقام بإعطائي حقنة مخدرة أخرى، ثم حقنة ثالثة وبعدها فقدت الوعي ولم أفق تماماً إلا بعد الساعة الثانية عشرة من منتصف الليل، حيث أخبرني ابن أختي وكان مرافقاً لي بأن حالتي كانت صعبة وأن الله نجاني من الموت. وظللت في العناية المركزة لمدة يوم كامل وبعدها ظللت أسبوعاً بالمستشفى تحت المتابعة.
وكان الأطباء يقومون بإجراء أشعة تلفزيونية على الكبد والرئة للتأكد من عدم حدوث نزيف داخلي، والحمد لله خرجت من المستشفى يوم 18 ديسمبر الماضي، وعندما رجعت مرة أخرى لاستلام التقرير أخبروني بعدم وجود أية عينة أو تقارير خاصة بهذه الخزعة.
وعندما ذهبت للطبيب أخبرني بأنه لا يمكن إجراء مثل هذا الفحص نظراً لخطورته على الكبد، وسلمني تقريراً بذلك. ويضيف بأن «الهلال الأحمر» لا يزال يصر على تقديم هذا التقرير حتى يصرف لي العلاج لمدة ثلاثة أشهر..
وهذه الخزعة غير موجودة على الرغم من إجرائها وفي الوقت نفسه يحذر الأطباء من إجراء مثل هذه الخزعة لخطورتها، وهي بالفعل كادت أن تنهي حياتي. والمشكلة أن المرض مع توقف العلاج يزيد ويستفحل وليس لدي مصدر رزق يمكنني من شراء الأدوية غالية الثمن، خاصة وأنني أعيل أسرة.
* تعليق الطبيب
من جانبه يؤكد الدكتور سالم عوض استشاري الأمراض الباطنية والكبد في مستشفى المفرق انه من المتعارف عليه طبياً على مستوى العالم أن أخذ عينة كبدية من أي مريض لها مضاعفات جانبية ولا يمكن أن تسمى خطأ طبياً، لأن الخطأ الطبي ينتج عن إهمال وتقصير من قبل الطبيب المعالج.
وهذا لم يحدث في حالة هذا المريض ولا في حالة أي مريض يتم علاجه في مستشفى المفرق، ثم أن هنالك حالة وفاة واحدة تحدث بين كل ألف حالة نتيجة إجراء هذه العينة وهو أيضاً من المتعارف عليه طبياً، في جميع دول العالم، فهل نسمي ذلك خطأ طبياً! وأشار إلى أن أي مستشفى في العالم يقوم بأخذ موافقة المريض وتوقيعه قبل أن يقوم الطبيب بإجراء مثل هذه العينة.
وذلك لإخلاء مسؤوليته عن المضاعفات الجانبية المصاحبة لمثل هذه الحالات، وهو ما تم مع هذا المريض، الذي ادعى من دون معرفة بأنه تعرض لخطأ طبي.
وأكد أن المريض بعد إجراء هذه العينة لم يمكث في العناية المركزة سوى يوم واحد فقط وتم نقله بعد ذلك إلى غرفة عادية لرعايته ومتابعته للتأكد من استقرار حالته، وبالفعل خرج المريض معافى تماماً.
* الهلال الأحمر
من جانبه أكد أحد المسؤولين في الهلال الأحمر أن الهيئة لديها ضوابط وقواعد معروفة لمساعدة المرضى الذين يحتاجون إلى العلاج وأول هذه الشروط أن يأتي المريض أو من ينوب عنه بما يثبت أنه مريض بمرض معين.
وفي العادة يكون هذا الإثبات عبارة عن تقرير من أحد المستشفيات الحكومية ووصفة طبية معتمدة بالعلاج والأدوية المطلوبة وكذلك ما يثبت عدم قدرته على شراء هذه الأدوية، وتقوم الهيئة بعد التأكد من استحقاق المريض للعلاج بصرف تلك الأدوية لمدة ثلاثة أشهر.
وأضاف عبد الرحمن الطنيجي مدير إدارة الإعلام والعلاقات العامة في هيئة الهلال الأحمر بأن الهيئة ليس لديها مختبرات أو أطباء متخصصون لإجراء مثل هذه الفحوصات بل هي هيئة خيرية إنسانية تتكفل بتقديم المساعدات أياً كان نوعها إلى مستحقيها.
وأنها مطالبة في نهاية كل عام بتقديم الحسابات الختامية لأوجه الصرف على أنشطتها الكبيرة والصغيرة لديوان المحاسبة، وان هذه التقارير والأوراق التي تطلبها من المرضى يتم إرفاقها مع الحسابات الختامية.
وأشار إلى أن بعض الناس من غير المحتاجين يتقدمون إلى الهلال الأحمر للحصول على مساعدات مالية أو عينية من دون وجه حق، في الوقت الذي يكون فيه بعض الناس أكثر احتياجاً لهذه المساعدات، لذلك فإن سياسة الهلال الأحمر منذ إنشائها ترتكز على صرف المساعدات الإنسانية لمستحقيها من دون إفراط أو تفريط.
* خطأ في الترجمة
وقد تلقى موقع «البيان» على شبكة الإنترنت عدداً من التعليقات حول الخبر منها تعليق لمواطن يعيش في كندا وذيل تعليقه بإماراتي مغترب وللأمانة الصحافية ننشر التعليق كاملاً يقول: لا أدري ماذا أقول تعليقاً على هذا الخبر!
أنا أدرس تخصص أمراض الجهاز الهضمي والكبد ولم يمر علي مرض يسمى (مرض الكبد البنكرياسي) ولا أدري من أين يتم استقاء مثل هذه الأخبار ونشرها بهذه الطريقة لتثير الرأي العام.
من المعروف عالمياً بأن إجراء خزعة الكبد مصحوبة ببعض المضاعفات وليس خطأ طبياً كما يدعي الأخ كاتب المقال. إن ما حدث هو عبارة عن دخول الإبرة إلى الرئة وليس (المرارة) وهذا معروف كأحد مضاعفات أخذ العينة من الكبد، كان بالإمكان استبدال هذه الطريقة بأخذ العينة باستخدام الإبرة نفسها .
ولكن بعد تحديد دقيق للكبد باستخدام الأشعة فوق الصوتية. أما عن علاج التهاب الكبد نوع (سي) فهو معقد ويعتمد على نوع الفيروس (هناك 6 أنواع من فيروسات سي). العلاج عادة ما يتطلب معرفة مدى تأثير الفيروس على الكبد (عن طريق العينة) وكذلك نوع الفيروس سي .
وبالتالي تحديد مدة العلاج بالانترفيرون والريبافيري، كون الأخ أخذ علاجاً لمدة 5 أشهر من دون استجابة يدل على أن الفيروس قد أدى إلى تليف الكبد واستجابته للعلاج لمدة أطول قد لا تكون جدية.
ونؤكد للأخ المغترب بأن تقارير الأطباء تشير إلى استجابة المريض للعلاج وأن ما ورد في متن الخبر عن مرض «الكبد البنكرياسي» هو خطأ ورد فعلاً في التقرير المترجم إلى العربية من قبل إحدى مكاتب الترجمة القانونية بالدولة. كما أن مضاعفات إجراء خزعة كبدية لا يمكن أن تؤدي إلى إدخال المريض إلى غرفة الإنعاش!
خاصة وأن عشرات المرضى الذين تجرى لهم مثل هذه العملية يومياً يستعيدون حياتهم الطبيعية بعد نصف ساعة تقريباً، وفضلاً عن ذلك كله فإن الطبيب أكد للمريض بعد فشله في العثور على تقرير العينة بأن الإبرة أخطأت المكان وذهبت إلى المرارة التي تقع أسفل الكبد مباشرة.
ويعلق الدكتور حسين السايس من الإمارات بقوله «تقديري للطبيب الإماراتي المغترب الذي كتب التعليق الطبي الموجز والبسيط والدقيق في الوقت نفسه وأدعو له بالتوفيق في دراسته والعودة سالماً إلى بلده لرعاية المرضى من مواطنين ومقيمين والذين هم في حاجة إلى علمه وخلقه. وأعتب على جريدة «البيان» التي نشرت الخبر من دون استشارة خبير طبي فيما بدا أن الهدف هو الإثارة الصحافية لا أكثر.
ونشير في هذا الصدد إلى أننا أخذنا الموضوع برمته من واقع التقارير الصادرة من المستشفى والموقعة من الطبيب والتي تؤكد بأن الأطباء من خلال الأشعة التلفزيونية أدركوا مدى خطورة إجراء مثل هذه العينة وعلى الرغم من ذلك قاموا بإجرائها.
وكتب إماراتي غيور «كما جاء في توقيعه» وهو يعيش في أستراليا «الأخ الذي يدرس في الخارج لم ينته من دراسته بعد ولا يجوز أن يفتي في حالة هو لم يطلع عليها. ثم إن الأخطاء الطبية واردة لأن الأطباء بشر وعرضة للأخطاء».
ويعلق طبيب آخر بقوله: أنا أيضاً طبيب مواطن وأدرس تخصص الأمراض الهضمية والكبد وأوافق الأخ «إماراتي مغترب» على ما قاله بالحرف ولقد كان في نيتي الرد بالأسلوب نفسه والأفكار ولكنه سبقني بارك الله فيه، بالنسبة لرد الأخ أبو فهد أنا أقول بأن الأخ الطبيب مغترب بشكل مؤقت لدراسة التخصص.
ومن ثم يعود لأرض الوطن ليفيد الناس بعلمه وخبرته، وبالنسبة إلى الأخ الثاني «إماراتي غيور» فأرد عليه بأن الأخ «إماراتي مغترب» على علم ودراية بالموضوع وهو ما يقوم به فعلياً أثناء فترة تدريبه، وهو لا يتفلسف كما ذكرت بل هو أعلم منك بمراحل وكان من الأجدر بك ألا تشارك في هذا الموضوع الذي لا تعرف عنه إلا النزر اليسير.
أبوظبي ـ مصطفى خليفة: