إيجاد المسكن المناسب في إمارة أبوظبي أصبح حلماً بعيد المنال مع الزيادة الجنونية في الأسعار والتي تؤكد المؤشرات أنها لن تنخفض خلال العام الحالي وستستمر حتى ثلاث سنوات مقبلة، ففي الوقت الذي كانت تؤجر فيه الشقة الكائنة في بناية قديمة ومتهالكة بـ 20 ألفا في السنة، أصبحت تؤجر الآن بما يزيد على 50 ألفا ليصبح المستأجر هو الحلقة الأضعف حيث لم يعد بوسعه رفض شروط أغلبية الملاك الذين يحكمون ويأمرون ويبالغون في مطالبهم من دون رحمة.

وأثرت هذه الزيادة التي بدأتها دائرة الخدمات الاجتماعية والمباني التجارية منذ بداية العام 2005 وما زالت مستمرة وسار على خطاها العديد من الملاك كخطوة لتصحيح وتعديل القيم الايجارية ـ كما تؤكد الدائرة ـ على مئات الأسر المواطنة والمقيمة مسببة مأزقا اقتصاديا كبيرا للعديد منهم خاصة للعاملين في القطاع الخاص الذين لا يأخذون ـ في الغالب ـ مخصصات بدل السكن.

واشتملت الزيادة رفع الإيجارات لما نسبته 60% حتى الآن من البنايات التابعة للدائرة وأكثر من 80% من البنايات التابعة للملاك أو شركات التأجير الخاصة التي سارت على منوال الدائرة برفع الإيجارات وفي أحيان كثيرة تخطت الزيادة القانونية التي سمح بها قانون الإيجارات لإمارة أبوظبي المعمول به حاليا والذي ينص على أن لا تتخطى الزيادة 20% كل عامين.

ولم يقتصر الموضوع على هذه الزيادات بل تبعتها ظواهر سلبية جديدة على مجتمع الإمارات منها التنازل وعقد الإيجار إضافة إلى انتشار ظاهرة الخلو وهو مبلغ مالي يطلبه المستأجر في حال أراد ترك العين المؤجرة والتنازل عنها لشخص آخر حيث تتراوح قيمة الخلو والذي يعتبر مخالفا لقانون الإيجارات مابين 15 إلى 30 ألفاً بالنسبة للشقق وما بين 20 إلى 100 ألف بالنسبة للمحلات التجارية.

ويؤكد الكثيرون عبر هذا التحقيق أن الإيجارات أصبحت «تلتهم» أكثر من نصف الراتب وأن المتضرر الوحيد من رفع أسعار الإيجارات في الإمارة هو المستأجر الذي يعيش بين مطرقتين أحلاهما مُرّ فإما اللجوء إلى البنوك التي أصبحت تقدم قروضا لدفع أقساط الإيجار أو اللجوء إلى الديون من الأصدقاء وغيرهم وكلاهما صعب.

* محدودو الدخل مظلومون

تقول سهام أحمد «ربة بيت»: زوجي يعمل في القطاع الخاص ولا توجد لديه مخصصات لبدل السكن ولدي ثلاثة أبناء في المدارس الخاصة والراتب موزع بين الإيجار وأقساط المدارس ومما زاد الطين بلة عندما وصلنا إشعار من دائرة الخدمات يفيد برفع الإيجار من 35 ألفاً سنوياً إلى 45 ألفاً الأمر الذي دفعنا للبحث عن شقة أخرى بسعر منخفض ولكن دون فائدة لأن معظم الشقق التي عثرنا عليها تتقارب أسعارها مع شقتنا لذلك اضطررنا للانتقال إلى شقة صغيرة بعد أن بعنا معظم الأثاث.

وتؤكد سهام أنه بسبب الارتفاع المستمر للأسعار والخدمات والإيجارات لم تعد الإمارة مكانا يناسب متوسطي أو محدودي الدخل الذين قد تدفعهم هذه الظروف إلى القبول بالسكن المشترك الذي أصبح منتشرا بصورة كبيرة في الآونة الأخيرة وهو بمثابة حل فرض نفسه على العديد من الأسر لتقبل العيش في شقة مقسومة حتى لا تتحمل الإيجار كاملاً.

* جشع السماسرة وظاهرة «الخلو»

يؤكد حسني عبد الرحمن الذي يعمل موظفا في شركة تأمين أن الإيجار أصبح يأخذ ما نسبته 60% من الراتب الإجمالي والبقية تتوزع على عدة أمور أساسية منها أقساط المدارس والعلاج ليجد الشخص نفسه يعاني من تبعات الديون خاصة لأغلب العاملين في القطاع الخاص الذين لا يأخذون مخصصات للسكن.

ويتساءل حسني عن المبررات التي جعلت أسعار الإيجارات ترتفع مؤخرا حيث يقول إن البنايات مازالت كما هي ولم يطرأ عليها أي إضافات أو خدمات فلماذا هذا الارتفاع المبالغ فيه؟

ويشير إلى أن السلعة عندما يمر عليها وقت معين يجب أن ينخفض سعرها لا أن يرتفع كما هو الحال بالنسبة للبنايات حيث كان من تبعات هذا الأمر ارتفاع آخر في السلع الأساسية.

ويقول إن ارتفاع أسعار الإيجارات خلق مظاهر سلبية جديدة في المجتمع منها ارتفاع عدد العزاب في البنايات لأن العديد من الموظفين الوافدين اضطروا إلى إرسال أسرهم خارج الدولة الأمر الذي يشكل خطرا على أمن المجتمع واستقراره إضافة إلى بروز ظواهر دخيلة على مجتمع الإمارات منها الخلو واحتكار السماسرة ومكاتب التأجير لعدد كبير من الشقق السكنية.

وتشترك مها زكريا مع حسني في المعاناة حيث تعمل مها مدرسة في القطاع الخاص وزوجها يحصل على بدل سكن بسيط لا يغطي إلا ما نسبته 20% من الإيجار الأمر الذي يضعها وزوجها أمام أزمة حقيقية خاصة وأن المالك قام برفع الإيجار مؤخرا من 18 إلى 20 ألف درهم على الرغم من أن الشقة التي تسكنها في بناية قديمة وتكييف عادي ولا يوجد بها صيانة حيث تعاني من الانقطاع المتكرر للكهرباء.

وتقول إن السكن يحصد أكثر من نصف الراتب ناهيك عن الارتفاع المستمر في أسعار الوقود وغيرها من السلع الاستهلاكية الضرورية.

أما جيهان عبد العزيز التي تعمل مدرسة في القطاع الخاص فتؤكد أن دائرة الخدمات الاجتماعية قامت مؤخرا برفع الإيجار بما نسبته 25% خلال أشهر عدة وعندما حاولت وزوجها الذي يعمل في القطاع الخاص أيضا البحث عن شقة أخرى بسعر مناسب وجدت أن أسعار الشقق أصبحت خيالية كما أن معظم المستأجرين أصبحوا لا يتنازلون عن شققهم إلا بعد الحصول على خلو قد يصل إلى 30 ألف درهم وبالتالي اثرت جيهان البقاء في شقتها إلى أن يأتي الفرج.

وتطالب جيهان المسؤولين و ملاك البنايات بالنظر إلى المستأجرين بعين الرأفة والرحمة ووضع حد للارتفاع الجامح في أسعار الإيجارات أو توفير سكن بأسعار مناسبة للأسر من محدودي ومتوسطي الدخل.

* شقق أم «علب سردين»؟

أما طارق قاسم الذي يعمل موظفا في القطاع الخاص فمشكلته مع الإيجار تتشابه مع الكثير من العزاب الذين تضطرهم الظروف إلى السكن في شقق مشتركة حيث قد يتكدس في الشقة الواحدة أكثر من 12 شخصا ويتزاحمون على مرافق الشقة لتشعر أن هذه الشقة تشبه «علبة السردين».

ويقول طارق: كل الأسعار ارتفعت ولكن الراتب بقي على حاله لموظفي القطاع الخاص فلماذا لا ينظر ملاك البنايات إلى أوضاع هؤلاء الموظفين عند التفكير بفرض زيادة على الإيجار حتى تكون الزيادة معقولة ولا تؤثر بشكل كبير على آلاف الأسر والعزاب الذين يقبعون في شقق مشتركة هربا من ارتفاع الأسعار.

ويؤكد طارق أن هناك العديد من الشقق الخالية في أبوظبي ولكن يصعب استئجارها لأنها اما تكون أسعارها خيالية أو أن السماسرة يحتكرونها للحصول على عمولة أو خلو وبالتالي تبقى خالية لفترة طويلة دون أن يستفيد المالك أو المستأجر فأيهما أفضل للمالك: أن تبقى الشقة خالية أو أن يتم تأجيرها بسعر مناسب؟

مشكلة أخرى يعاني منها العزاب كما يؤكد إيهاب رفعت «مدرس» في مدرسة خاصة وهي أن معظم البنايات وفي مناطق متعددة من الإمارة أصبحوا يرفضون تأجير شققهم للعزاب حيث اضطر إيهاب و زميله إلى التنقل من شقة إلى أخرى في غضون ثلاثة أشهر الأمر الذي زاد من معاناتهم في إيجاد مسكن مناسب.

ويقول: أسكن الآن مع شخص آخر في غرفة إيجارها الشهري 1600 درهم مع العلم أن الشقة مكونة من 4 غرف وفي كل غرفة يتكدس شخصان أو ثلاثة الأمر الذي يجعل الظروف الصحية للشقة غير سليمة لأننا نشترك في استخدام المرافق.

* إيجار شهري

وتوجه رندة عبد الرحمن «موظفة» سؤالا إلى الجهات المسؤولة عن التأجير في أبوظبي: لماذا تصر هذه الجهات على تحصيل الإيجار بشكل سنوي أو كل ستة أشهر؟

وتقول إن أكثر ما تعانيه الأسر بالنسبة لدفع الإيجار هو هذه الدفعات المتباعدة التي تضع الإنسان في محك صعب و بالمقابل فإن الإيجار الشهري قد يخفف العبء عن هذه الأسر ويمكن لهذه الجهات أن تضمن حقوقها من خلال عدة ضمانات منها الشيكات أو غيرها.

أما محمد المناوي الذي يعمل مدرسا في مدرسة خاصة فيؤكد أن الإيجارات أصبحت تشكل هما ثقيلا يؤرق العديد من الأسر التي أصبح همها الشاغل هو توفير الإيجار في الوقت المناسب حتى لا تقبع في الظلام نتيجة للإجراءات التي تتخذها الجهات المؤجرة بحق المتأخرين عن السداد ومنها قطع التيار الكهربائي أو المساءلة القانونية عندما تقوم الدائرة أو المالك برفع دعوى قضائية ضد المستأجر.

ويتساءل: هل رفع الأسعار مرتبط بارتفاع الطلب على الشقق وعدم وجود شقق خالية؟ أم لأن أصحاب البنايات والسماسرة أصبحوا هم المتحكمين في سوق العقارات؟

* الوحيدة التي تطبق القانون

الدكتور جوعان الظاهري رئيس دائرة الخدمات الاجتماعية والمباني التجارية يؤكد حرص الدائرة والتزامها على تطبيق قانون الإيجارات الخاص بإمارة أبوظبي فيما يخص تصحيح القيم الايجارية لبعض الوحدات السكنية التي تديرها الدائرة في حدود 20% كل عامين مشيرا إلى أن الدائرة هي الجهة الوحيدة التي تطبق قانون الإيجارات حاليا.

ويقول إن الدائرة غير مسؤولة عن قيام بعض ملاك البنايات غير التابعة للدائرة برفع القيم الايجارية بنسبة تتجاوز حدود القانون المعمول به منذ عام 94 لإمارة أبوظبي منوها إلى أن الحاجة لصدور القانون الجديد أصبحت ملحة خاصة وان مشروع القانون الجديد الذي رفعته الدائرة إلى وزارة العدل والشؤون الإسلامية سيعمل على فض النزاعات الايجارية من خلال لجنة قضائية مستقلة للبت بشكل أسرع في القضايا و بما يحقق مصلحة المستأجر والمالك أو الجهة المؤجرة.

ويؤكد جمعة المنصوري مدير قسم الإيجارات في دائرة المباني أن الدائرة مستمرة في تصحيح القيم الايجارية لبعض الوحدات السكنية في الإمارة و أن لجنة الإيجارات هي التي يناط بها تحديد قيمة الزيادة وفقا لاعتبارات متعددة منها موقع البناية وعدد الغرف و مستوى التشطيب وأن كل ذلك يتم وفق قانون الإيجارات.

وحول أسباب عدم التزام الدائرة أحيانا بقانون الإيجارات بالنسبة لرفع القيم الايجارية لبعض الوحدات السكنية، أوضح مصدر مسؤول في الدائرة رفض الكشف عن اسمه أن لجنة الإيجارات هي التي يناط بها تصحيح القيم الايجارية بعد دراسة موقع البناية ومواصفاتها وفي ضوء العرض والطلب وبمراعاة أحكام القانون وفي حالة تجاوز الزيادة ما ينص عليه القانون وهي 20 في المئة فهذا يعتبر تصيح للقيمة ومساواتها مع بنايات أخرى مماثلة أو من النوع نفسه ولكن من حق المستأجر التظلم من الزيادة وهذا التظلم يعرض على لجنة الإيجارات التي تقوم بدورها باتخاذ القرار بمراعاة أحكام القانون الناظم لهذه الأمور.

وقال إننا في دائرة المباني نتمسك بالقانون وبما يسمح من حيث مدة الإخطار بالزيادة التي حددها القانون بثلاثة أشهر قبل انتهاء عقد الإيجار وبنسبة 20 في المئة خلال عامين ، وللشخص الذي يرى عدم الإنصاف اللجوء إلى السلطة المختصة بالفصل في النزاع مؤكدا أن الدائرة تسعى إلى تلاشي هذه المرحلة وعدم إيصال الخلاف إلى مرحلة النزاع وحل المشكلة بالطرق الودية.

تحقيق ـ ماجدة ملاوي: