تشهد إمارة الشارقة تزايداً ملحوظاً في عدد الحرائق قياساً مع السنوات السابقة، حيث وصل المعدل الشهري لها وحسب بعض الإحصاءات الرسمية في العام 2005 إلى 37 حريقاً تقريباً، فيما كان في عام 2004 30 حريقاً،
ويشير هذا بالتالي إلى ضرورة اتخاذ بعض الإجراءات التي تلزم بتوفير أجهزة الأمن والوقاية ومراقبة فعاليتها باستمرار وفرض عقوبات رادعة بحق المخالفين بما يضمن السلامة العامة للجميع من أخطار هذه الحرائق قبل حدوثها، والتي تمتد في الغالب لتلحق الأضرار بالأماكن المجاورة لمكان الحريق، وحسب التقارير فإن سبب هذه الحرائق يكون عادة الإهمال في توفير وسائل الحماية المنصوص بضرورة توافرها في كل منشأة قبل السماح لها بمزاولة أعمالها.
وتختلف الحرائق من حيث كونها بسيطة أو متوسطة أو كبيرة كما انها تتوزع على حرائق السيارات والمنازل والمحال التجارية والمزارع والمناطق الصناعية والتي تُعد من أخطر وأعقد الحرائق التي تشهدها الإمارة بشكل أساسي نظراً لطبيعة المكان وللأضرار الكبيرة التي تنجم عنها،
كما ان شهر سبتمبر الماضي شهد حرائق كبيرة في سفن بحرية محمّلة بالبضائع المختلفة في منطقة الميناء، حيث تمكن رجال الإطفاء بمساعدة قوات حرس السواحل من الحيلولة دون انتشارها إلى القوارب الأخرى القريبة ومنعها من الانتقال إلى المحال التجارية المجاورة للشاطئ وبالتالي الحيلولة دون تضخم الخسائر.
ومن الملاحظ في جميع هذه الحرائق قلّة عدد الضحايا البشرية، إن لم نقل ندرتها، باستثناء الحريق الكبير الذي شبّ في شهر سبتمبر الماضي في المنطقة الصناعية العاشرة مخلفاً إصابة 81 عاملاً بحروق متنوعة، مقابل الخسائر المادية الضخمة التي تخلفها الحرائق، وتصل إلى عشرات الملايين في حرائق المناطق الصناعية.
ويترك هذا الأمر تساؤلاً كبيراً عند السكان مفاده أن هذه الحرائق مفتعلة من أصحاب المستودعات والمعامل المحترقة لتحصيل أموال التأمين والخلاص من البضائع الكاسدة والتي قد لا تكون بالقدر الذي يصرّح به عادة.
وبالطبع فإن هذا الحديث، رغم افتقاره إلى الدلائل المادية، إلا أنه يلقى رواجاً كبيراً في هذه الأيام المتزامنة مع نهاية عام وبداية عام جديد ومع ظهور عدد من الحرائق الكبيرة وغياب الإجابة الشافية عن أسباب الحرائق والخسائر الحقيقية والأدلة عليها من الجهة المختصة في هذا الأمر، ووسط هذه الأقاويل يقلل الخبراء في هذا المجال من صدقية وموضوعية هذا الكلام معتبرين أن الأمر ليس بهذه السهولة،
لأن جهات التأمين لا تقدم الأموال التي يطلب المالك المتضرر على طبق من ذهب بمجرد الانتهاء من عمليات الإطفاء والتحقيق، كما انها لا تكتفي بالتحقيقات والتقارير الصادرة عن الجهات الأمنية حيث تجري أيضاً تحقيقاتها الخاصة حول هذا الموضوع لتقدير الخسائر والتعويضات التي سيدفعونها، والتي عادة لا تكون حسب الأرقام المدونة من قبل المالك وتكون بعد فترة طويلة وإجراءات متعددة.
وأكد الخبراء أن هذه الأمور إذا كانت متعمدة ومفتعلة، من دون استبعاد حدوث حرائق من هذا القبيل، إلا أنها تشكل خطورة كبيرة على الشخص المفتعل، لأنه في حال حدوث أضرار بشرية أو حالة وفاة فإن الإجراءات تأخذ منحى آخر وتدخل القضاء ليتم الحكم فيها للتسبُّب بالوفاة أو الشروع بالقتل وغيرها من الأضرار المختلفة، وتوجه الخبراء إلى القول إن المالك يمكنه اتخاذ حلول بديلة من هذا الأمر ببيع البضائع بأسعار رخيصة مثلاً.
ومن هذه النقطة ننتقل إلى نقطة في غاية الأهمية وهي قلّة الكوادر العاملة في مجال الدفاع المدني بالشارقة وغير المتناسبة مع حجم التطور العمراني الكبير الذي تشهده الإمارة، فحسب مصادر مطلعة فإن عدد الكادر العامل كاملاً يصل إلى 400 موظف فقط، ويضم هذا الرقم الضباط والإداريين وعمال النظافة،
أي انه عند النظر إلى الموظفين العاملين في أخطر مهنة في العالم نجدهم قلّة قياساً مع حجم الحرائق التي تحدث في هذه الإمارة، هذا بالإضافة إلى قلة المراكز التي يجب أن توزع جغرافياً بطريقة علمية لخدمة جميع المناطق الموجودة في الشارقة.
ورغم وجود خطة تطويرية شاملة لإنشاء مراكز عدة في المناطق المختلفة للتخفيف من حدة الأزمة الحالية التي ترافق كل حريق وتخدم المنطقة الصناعية بشكل كبير بالإضافة إلى المناطق الجديدة والبعيدة عن الإمارة إلا أن هذه الخطة تسير بخطوات سلحفاتية لا تتناسب مع القفزات التي تشهدها الإمارة في جوانبها العمرانية والصناعية المختلفة.
نقطة ثالثة يجب التركيز عليها وتخص الحرائق في المناطق الصناعية وهي المخالفات الكثيرة والكبيرة الموجودة في تلك المناطق والتي تتطلب اتخاذ قرارات بتوقيع عقوبات رادعة لأصحابها لأن أخطارها لا تقتصر على مكان الحريق فقط بل تتعداه إلى مناطق أخرى، والتي يلعب الدور الأساسي فيها هي طريقة تصميم تلك «الشبرات» بالشكل الذي يسمح بانتقال النيران بيسر وسهولة من مكان إلى آخر عبر الفتحات الجدارية الفاصلة بين مستودع وآخر،
بالإضافة إلى سوء التمديدات الكهربائية وتحميل القواطع والأسلاك الكهربائية ما يفوق قدرتها فضلاً عن تكديس البضائع بطريقة خاطئة وخطرة تساعد أصلاً في انتشار النيران وانتقالها بسرعة وإعاقة عمل رجال الإطفاء وتعريضهم للخطر ولا سيما عند تخزين مواد قابلة للانفجار أو وضع اسطوانات غاز وسط البضائع مثلاً والتي تخلف مسألة حقيقية في حال انفجارها ليكون أول ضحاياها من يقومون بالإطفاء.
وقبل هذا وذلك نجد الإهمال الكبير في أجهزة الوقاية والسلامة المتمثلة بأجهزة الإطفاء اليدوية وخراطيم المياه وأجهزة الإنذار المبكر وغيرها من الوسائل التي تساعد على الحريق منذ بدايته الأولى، حيث لا تتجاوز خسائره عندها بضعة آلاف من الدراهم بينما تتضاعف الخسائر في الدقائق الأولى من انتشاره لتصل إلى عشرات الأضعاف،
كما أن إهمال تدريب العمال على استخدام أجهزة الإطفاء المختلفة وبطرق علمية لا تعرض حياتهم للخطر يضخم المشكلة لأن الكثير من العمال وبمجرد حدوث حريق يهربون من المكان بدافع الخوف دون محاولة إخماده بانتظار رجال الإطفاء ليقوموا بعملهم ما يؤدي في لحظة إبلاغهم إلى لحظة وصولهم إلى مكان الحريق وسط تشعبات وتداخلات المناطق الصناعية إلى توسيع رقعة الحريق وانتقاله إلى أماكن أخرى،
وهو العمل الذي يقوم به رجال الإطفاء منذ لحظة وصولهم الأولى، حيث يطوقون مكان الحريق للحيلولة دون انتشاره والذي يتطلب بذل جهود كبيرة بالإضافة إلى القيام بإطفاء مكان الحريق.
ومن هنا تبرز حجم الخسائر والأخطار التي تسببها هذه الحرائق والجهود التي تبذل من الجهات المختلفة لمقاومتها والتي يمكن تلافيها بتوفير حقيقي لشروط الأمن والسلامة،
ولهذا يمكن المطالبة بفرض عقوبات رادعة على المخالفين لهذه الشروط وإلزام جميع المنشآت بتقديم تقارير دورية عن حال هذه الأجهزة والتأكد من سلامتها وصيانتها باستمرار ليس وقت التفتيش فقط وإنما بشكل دائم لتفادي وقوع هذه الحرائق التي أخذت تتزايد بنسب ملحوظة.
الشارقة ـ عمر بدران