حديث الشيخ

انشراح الطاعة وانقباض العصيان

قال الشيخ: لو علم العاصي قبح المخاضة التي يخوض فيها ونتنها، ولو علم جمال الإقبال على الله ولذة السعي إلى رضاه، لما بقي على سطح الأرض عاص أو معاند.

مشكلة هذا الزمن السيء وما يحدث فيه من تربية أسوأ أنه يعطل حواس الروح وينمي حواس الجسد إلى حدود إثارة الجنون. لم يعد أكثر الناس في أيامنا يتحسسون قبح الأفعال وسيء الخصال، حتى صار من المفاخر أن يظهر الإنسان سوء وبشاعة باطنه وظاهره، إلا المؤمن فهو في منجاة من مستنقعات الإثم والانحدار الأخلاقي والقيمي، فترونه يمشي في الشوارع متقياً أوحال المعصية والفاحشة، رافع الرأس معتزاً بإنسانيته وإنتمائه إلى عالم تتجاوز الغرائز وطبائع الحيوان.

يقول شاعرنا «مأمون شقفة»:

الليل أوشك ينتهي

والفاجرون الآن ناموا

والقيء قد غمر الشوارع

وروائح الليل الكريهة بين مبتاع وبائع

والفجر أوشك ينجلي

والعابدون الآن قاموا

ونسائم الفجر النظيفة عطرت درب المساجد

وأذان هذا الصبح صاعد

لا يراد لإنسان هذا الزمن أن يفهم أن للطاعة عزاً ونشوة وأن للمعصية ذلاً وقلقاً. ويعمل شياطين الإنس والجن على اللحاق بكل سالك لطريق الله وجره إلى الوراء، إلى حيث يبدأ المسير في طريق الغواية والنهاية، وأعجب من إنسان يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويشتري الذل والمهانة بسراب لذة بقيعة، ويتحول عن طمأنينة الانتماء إلى رجال الله إلى هلع وجزع الانتماء إلى رجال الشيطان.

الهلع والجزع والخسران صفات لازمة لكل إنسان إلا الذين آمنوا، «خلق الانسان هلوعاً» «إذا مسه الشر جزوعاً» «والعصر إن الانسان لفي خسر» «إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون» «إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر».

واستمعوا إذا شئتم إلى أحاديث مجالس الرجال، تأفف وتذمر وشكوى لا تتوقف... نقد للزمان ورجاله، والدنيا وأحوالها، والسياسة وفرسانها. حديث عن الجوع على الرغم من التخمة، وعن الغربة على الرغم من تعدد الأوطان، وعن الانشغال الدائم والإرهاق على الرغم من هدر الوقت وقتل الساعات، مرة جمعتني وليمة مع عدد من التجار في مزرعة يملكها أحدهم، وعلى الرغم من جمال الطبيعة وتوفر عناصر الراحة والأمن وتعدد ألوان الطعام والشراب كانت الشكوى من أحوال السوق تسيطر على أحاديث المجتمعين. يومها دعانا واحد من أهل العلم والفضل كان موجوداً لسماع كلمات لا تثقل من قلتها على الحاضرين، ولما تحلقنا حوله قال: «إنكم والله تعيشون حياة لم تكن في سالف الزمان إلا في القصور وللسلاطين والملوك، فهل تشعرون بهذه النعم وهل تؤدون واجب الحمد؟ عندها نظر الحاضرون بعضهم إلى بعض وقد اكتشفوا خيبتهم وجنون الحاجة والجوع فيهم على الرغم من كفايتهم وتخمتهم».

يقول شاعرنا:

ما أجمل الدنيا لو أن الناس كانوا كالطيور مغردين

لا فيهم شاك ولا يتذمرون

متآلفين يسبحون.......... يهللون

والبر والاحسان عم العالمين.

ماهر سقا أميني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات