إن احساس الناس بالخوف والقلق بسبب اضطراب حبل الأمن في عالم اليوم يعرفنا لماذا اعتد الله من نعمه على قريش أنه أسكنهم بجوار البيت الآمن وأطعمهم من جوع وآمنهم من خوف.
وان تطلع الناس إلى الأمن باعتباره ضرورة ملحة لا تصلح الحياة بدونه يجعلنا ندرك عظمة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أصبح منكم آمناً في سربه (أي في نفسه أو قومه) معافى في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها» رواه الترمذي.
إننا باسم الإسلام نؤكد على حق الفرد وحق المجتمع في الاستمتاع بهذه النعمة العظيمة التي يطمئن بها الناس على دينهم ودمائهم وأموالهم وأعراضهم، ويتجه تفكيرهم ونشاطهم إلى ما يعلي قدرهم ويرفع شأنهم في الدنيا والآخرة.
وإذا كان الأمن بهذه الأهمية وهذه المكانة في دين الله ودنيا الناس فمعاذ الله أن يكون العبث بالأمن جهاداً في سبيل الله كما يزعم الغالون! ومعاذ الله أن يكون ترويع الآمنين بأعمال التخريب والتدمير والتفجير التي تريق الدماء المعصومة، وتزهق الأرواح البريئة، وتتلف الأموال المحترمة، وتثير مزيداً من الفوضى والفتنة والاضطراب، معاذ الله أن يكون ذلك الحقد الأعمى جهاداً في سبيل الله!
ومعاذ الله أن يكون الخروج على طاعة من ولاه الله، وضرب الأمن، وزعزعة الاستقرار وخاصة في هذا الوقت الحرج الذي يتربص فيه المتربصون جهادا أو استشهادا في سبيل الله!
إن حرمة الدماء والأموال والأعراض ثابتة بنصوص قطعية لا يجوز لأحد أن يتطاول عليها بتأويل أو تحريف أو غير ذلك من ألوان الغلو التي لا تحمد عقباها. ولقد جاء في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ما يبين لنا أن القتل من أكبر الكبائر وأعظم الذنوب وأشد الآثام بعد الإشراك بالله.
قال تعالى: «من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا» سورة المائدة الآية 32. وقال تعالى: «ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا» سورة الإسراء الآية 33.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا باحدى ثلاث النفس بالنفس والثيب الزاني والمفارق لدينه التارك للجماعة». رواه البخاري ومسلم. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً» رواه البخاري.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا» رواه البخاري ومسلم.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عمية «ومعناه يقاتل بغير بصيرة وعلم تعصباً كقتال الجاهلية، ولا يعرف المحق من المبطل» يغضب لعصبية أو يدعو إلى عصبية أو ينصر عصبية فقتل، فقتلة جاهلية، ومن خرج على أمتي بسيفه يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده فليس مني ولست منه» رواه مسلم.
ولقد رهب النبي صلى الله عليه وسلم وحذر وأنذر من ترويع الآمنين وتخويف المسالمين فقال صلى الله عليه وسلم: «من أخاف مؤمناً كان حقاً على الله ألا يؤمنه من افزاع يوم القيامة» رواه الطبراني.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من نظر إلى مسلم نظرة يخيفه بها بغير حق أخافه الله يوم القيامة» رواه الطبراني. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى وان كان أخاه لأبيه وأمه» رواه مسلم.
كما حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ايذاء الجار وافقاده الشعور بالأمن والأمان فقال صلى الله عليه وسلم: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن» قيل: من يا رسول الله؟ قال: «الذي لا يأمن جاره بوائقه» (أي شروره) متفق عليه.
ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ينادي مناديه بأمره يوم فتح مكة في أهل مكة الذين أخرجوه وقاتلوه: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن» رواه مسلم.
ولقد أجمع الفقهاء على أن من دخل دار الإسلام بعقد أمان فهو آمن، والأصل في هذا قوله تعالى: «وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون» سورة التوبة الآية 6.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأم هانئ التي أجازت رجلين من المشركين يوم الفتح: «قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ» رواه البخاري. هذا هو الأمن الذي جاء به الإسلام، وبين معالمه، وفصل جوانبه في اعجاز تشريعي لا يعرف لغير هذا الدين.
د. قطب عبدالحميد قطب