في العديد من المناطق بإمارة رأس الخيمة وفي جريمة تتم وقائعها في صمت، ابتلعت المساكن المزارع بنخيلها وأشجارها وخضراواتها لتحتل أماكنها وهي لا تزال تزحف سريعاً نحو المزيد. ويقول المهتمون بالقطاع الزراعي: لم تتبقَّ سوى سنوات قليلة مقبلة، لكي تتمكن المساكن من طرد الحقول الزراعية، من كل المواقع القريبة منها.

ومن الملاحظ أن ما بين المساكن والمزارع حرب ازدادت ضراوة مؤخراً ولم تكن خفية على أحد، إذ يمكن مشاهدتها بجلاء كلما تجوّل المرء في مناطق زراعية مثل السيح والنخيل وشمل والفحلين والحيل.. فأشجار النخيل تقتلع من جذورها لترمى جانباً انتظاراً لحرقها أو الاستفادة منها في أمور أخرى ليس من بينها بالطبع الزراعة.

وأثناء ذلك لم يكن أمام المزارعين غير مغادرة الأرض ليأتي بدلاً منهم البناؤون وهم يتأبطون معاول الحفر والردم والبناء.

وفي غضون أيام قليلة تتحول تلك الأراضي التي كانت خضراء تتحفها أشجار النخيل الباسقة وتملأ جنباتها الخضراوات مثل الرويد والبصل والفلفل والطماطم إلى ساحة للأسمنت والخرسانة والحديد، حيث تتم عمليات بناء المساكن والمتاجر والمصانع.

ووفقاً لما ذكره المهندس راشد العبدولي فإن التكالب على الأراضي السكنية يتناسب تناسباً طردياً مع النمو السكاني المتسارع.

ويقول: لطالما أن الأمر كذلك فإن من الطبيعي أن يبحث المواطنون عن أراض لإقامة مساكن عليه. ونتيجة لشح الأراضي الصالحة للسكن فقد اتجه الجميع إلى الأراضي الزراعية القريبة من الأحياء السكنية ليتخذوا منها موقعاً لمساكنهم الجديدة. وذلك يعد إزالة ما عليها من أشجار ومعدات زراعية.

ويرسم العبدولي وهو صاحب أول مكتب للاستشارات الهندسية برأس الخيمة، صورة قاتمة متشائمة لما هو متوقع أن تكون عليه الأراضي السكنية مستقبلاً.

وقال: في تصوري إنه في غضون الخمس سنوات المقبلة سنشهد أزمة مزعجة في الأراضي السكنية والأسباب التي ستؤدي إلى ذلك واضحة للجميع وتمثل في أمور من قبيل عدم وجود دراسات واقعية وعلمية وعصرية حول الأراضي السكنية إلى جانب عشوائية توزيع الأراضي، إذ نجد أن فئة من الناس تستحوذ على العديد من القسائم السكنية أو التجارية أو الصناعية في حين لا يملك غيرهم شيئاً منها، كما أنه من أسباب إهدار الأراضي انتهاج سياسة التوسع الأفقي في البناء بدلا من الرأسي الذي يعتبر مهم لاستيعاب اكبر عدد من الناس في أقل مساحة.

ومن وجهة نظر العبدولي فإن الأرض واحدة من أهم نعم الله عز وجل على البشرية ولذلك فإن من الواجب المحافظة عليها والتوازن في استثمارها وعدم الإضرار بها وبما عليها من خيرات. ومن الواضح انه في السنوات الأخيرة نشطت حركة البناء بصورة ملحوظة في رأس الخيمة سيما في مجال الإسكان ففي خلال العام الجاري قفز عدد رخص البناء إلى 250% قياساً بما صدر قبل ثلاث سنوات.

ومن جانبه يشدد محمد الهادفي على أهمية الحفاظ على ما تبقى من الأراضي.

ويقول الهادفي: مثلما يتركز الاهتمام بصورة جادة على الثروات التي في جوف الأرض مثل الماء والنفط أو في البحر مثل الأسماك فإن من الأهمية بمكان فعل الشيء نفسه بخصوص الأرض التي نعيش عليها.

ويستطرد قائلاً: إذا كنا كمواطنين لم نصل عددياً إلى الكم الهائل الذي يتزاحم على الأرض فإنه من المؤكد أن ذلك سيحدث في المستقبل القريب أو البعيد ولذلك يتعين أخذ الحيطة والحذر الآن.

ومن وجهة نظر الهادفي فإن ما ينبغي عمله في إطار الحيطة والحذر عدم اللجوء لتقسيم قسائم بمساحات كبيرة خاصة في المناطق التي تعاني من شح في الأراضي، كما انه يفترض الفصل بين الأراضي السكنية والزراعية والصناعية. وتعتبر مناطق مثل شعم والجير وغليطة، خور خوير، الرمس، قليله الأراضي السكنية وهو الأمر الذي دفع سكان تلك المناطق لردم شواطئ البحر ضمن مساعيهم بحثاً عن أراض يقيمون عليها مساكنهم.

وبحسب الأهالي فإن وجود البحر خلفهم والبحر أمامهم تركهم أمام خيارات محدودة عندما يتعلق الأمر بالأراضي السكنية وتلك الخيارات هي ردم البحر وقتل المزارع لبناء المساكن وهذا بالضبط ما حدث في السنوات الأخيرة. أما في مناطق مثل الظيت فقد وجد المواطنون في الكثبان الرملية ملاذاً لحل مشكلة ضيق الأراضي السكنية التي تحاصرهم من اتجاهات متعددة فبنوا عليها بيوتاً راقية.

ويرى خميس عبيد سعيد وهو من سكان العريبي أن الظروف المناخية السائدة حالياً لعبت دوراً كبيراً في تشجيع الأهالي على تحويل حقولهم الزراعية التي أنهكها العطش إلى أراض سكنية.

ويقول سعيد: بعكس ما كان عليه الحال قبل سنين عدة حيث جوف الأرض مملوء بالمياه العذبة والسماء تجود بالأمطار الغزيرة وبالتالي كانت الزراعة أكثر إغراء للمواطنين ولكن الأمر مختلف الآن حيث تعاني المنطقة من شح في الأمطار وجوف الأرض به ماء مالح وبسبب كل ذلك لم يعد النشاط مرغوباً فيه.

لكن عبدالله علي راشد النقبي يعترض على إزالة الحقول الزراعية لصالح المباني لافتاً إلى أن المباني يمكن أن تجد لها موقعاً في كل مكان بما في ذلك رؤوس الجبال بعكس الحقول الزراعية التي تحتاج لأراض ذات مواصفات محددة لا تتوفر إلا نادراً.

رأس الخيمة ـ سليمان الماحي: