مكتوم اختزل خريطة الوطن في قلبه وحمل همومه على كتفيه

مكتوم اختزل خريطة الوطن في قلبه وحمل همومه على كتفيه

قد تعجز الكلمة أحيانا عن التقاط المعنى لاسيما إذا تعلق الأمر بموت رجل اقترن اسمه بالعديد من الانجازات الوطنية رجل اختزل خارطة الوطن في قلبه وحمل همومه على كتفه، رجل عرف عنه دماثة الخلق وحبه لوطنه وكل من حوله.

شيعت دولة الإمارات العربية المتحدة ظهر أمس فقيدها المغفور له الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم الذي وافته المنية أول من أمس. وقد ووري جثمان فقيد الوطن في مقبرة أم هرير بدبي بعد أن أدت جموع المصلين على جثمان فقيد الوطن بمسجد زعبيل حيث كان في مقدمتهم صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله وأصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى حكام الإمارات وأولياء العهود ونواب الحكام وعدد من الزعماء ورؤساء وفود مختلف الدول.

ولد الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم في عام 1943 وعند تأسيس اتحاد الإمارات العربية اتجهت الأنظار إليه رحمه الله فعين أول رئيس لمجلس وزراء دولة الإمارات العربية المتحدة. وكلف الشيخ مكتوم رحمه الله بتشكيل ثاني وزارة لدولة الإمارات العربية المتحدة في الثالث والعشرين من ديسمبر عام 1973.

وبكل الثقة والاقتدار قاد سفينة السلطة التنفيذية في البلاد وذلك حتى الثالث من يناير عام 1977 حينما تم تكليفه برئاسة ثالث تشكيل لمجلس وزراء دولة الإمارات العربية المتحدة.

واستمر الشيخ مكتوم في تسيير دفة الأمور بالتعاون والتنسيق مع أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد حكام الإمارات، قام بدراسة المشروعات واقتراح التشريعات الخاصة بالقوانين مع كافة الوزراء لإرساء قواعد البنية الأساسية ومقومات الدولة العصرية.

واستمر الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم في توليه لرئاسة الوزارة الاتحادية الثالثة حتى الأول من يوليو عام 1979، حينما تولى والده المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رئاسة الوزارة الاتحادية الرابعة وتولى الشيخ مكتوم بن راشد رئاسة مجلس الوزراء في الوزارة الخامسة في أكتوبر 1990.

ويعرف عنه حبه للتراث وتقدير الناس وبسياسته المعهودة دائما وتشجيعه للرياضات العربية الأصيلة كالصيد بالصقور وسباقات الهجن والقوارب والفروسية وتربية واقتناء الخيول العربية التي تحقق نتائج باهرة في السباقات المحلية والدولية ورعايته للمؤسسات الاجتماعية والخيرية في الداخل والخارج.

وانتخب الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم دبي نائبا لرئيس دولة الإمارات العربية المتحدة في الحادي والعشرين من أكتوبر 1991. على قدر أهل العزم والخبرة الموروثة والمكتسبة من تجربة زاخرة بالوعي والعطاء والعزيمة كانت المسؤولية تصادف دائما.

لقد واكب الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم نهضة دبي حيث تولى والده المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم الحكم عام 1958، خلفا لجده الشيخ سعيد آل مكتوم وعندما ظهر النفط بدبي بكميات تجارية عام 66 كان الشيخ مكتوم رحمه الله وإخوانه يقفون إلى جانب والدهم وهو ينشئ دائرة البلدية ودائرة الأراضي ودائرة شؤون النفط ودائرة الطيران ودائرة القضاء وغيرها...، بدأت التحولات الحقيقية تطال جميع جوانب الحياة بدبي، لقد تم تعميق خور دبي فأصبح واحدا من انسب الموانئ وأجملها واقدر الممرات المائية على العطاء.

وساهم الشيخ مكتوم في تنفيذ توجيهات والده بإنشاء ميناء راشد بدبي وفي عام 1983 كان الإنجاز الاقتصادي التاريخي في دبي باستكمال إنشاء ميناء جبل علي الذي يعتبر واحدا من أضخم واحدث الموانئ في العالم. لقد عاضد الشيخ مكتوم والده رحمهما الله وتضافرت جهودهما مع جهود إخوانه في تخطيط المدينة تخطيطا عصريا وفي النهوض السياحي والفندقي وفي توسيع رقعة المساحات الخضراء والشوارع الفسيحة وبناء الأندية والمستشفيات وعيادات رعاية الطفولة وملاجئ العجزة.

وأصبحت دبي مركزا حيويا مشهودا واستقطبت الفعاليات والمؤسسات والشركات العالمية من كل الجهات. وواكب الشيخ مكتوم بن راشد ذلك كله... وليا للعهد فاكتسب خبرة وحكمة ووعيا ونظرة ثاقبة وصائبة ثم حاكما فكان خير خلف لخير سلف. ولذلك بدت دبي في عهد مكتوم وكأنها تنتقل من زهو إلى زهو وكانت لؤلؤة الخليج.

ولعله من المناسب أن نتوقف قليلا ونحاول رصد فكر الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم رحمه الله والذي رافق المغفور له والده في رحلة كفاحه ونهله من أفكاره وفلسفته ونهجه التطوري.. ولعل هذا هو المدخل الواقعي لمحاولة رصد ما تحقق على أرض الإمارات بصفة عامة وإمارة دبي بصفة خاصة والتي أصبحت بحق اللؤلؤة التي تشع في عيون العالم فتبرق بالدهشة والإعجاب.

وفى أكثر من مناسبة قال الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم رحمه الله إن «قيام المؤسسات الاتحادية والخدماتية تسعى لترجمة تطلعات وطموحات الدولة الاتحادية حكومة وشعبا وعلى مختلف الأصعدة والمستويات شاملة المدينة والقرية..» إن تسلم الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم المسؤولية الأولى لأربع وزارات اتحادية شاهد على الدور الأساسي الكبير الذي لعبه سموه في تحقيق الإنجازات العظيمة لشعب دولة الإمارات العربية المتحدة عبر 20 عاما من عمر المسيرة الاتحادية. إن الموازنة الاتحادية كان لها ان تساهم في النهضة الحضارية والعمرانية التي شهدتها دولة الإمارات العربية المتحدة في مختلف المجالات.

وان عدد المدارس الكبير يعتبر منارات علم لخلق الأجيال المتعلمة على طريق العطاء للوطن. وان انتشار المستشفيات والمدارس والمعاهد وبروز دور جامعة الإمارات وتوحيد القوات المسلحة وتحديثها وتزويدها بأحدث الأسلحة وانتشار الأندية وبناء المنشآت الحديثة جزء رائع ومشهود من المسيرة الاتحادية العظيمة. لقد آمن الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم بان الإنسان هو الغاية والوسيلة وانه لكي يتمكن الإنسان على هذه الأرض الطيبة من بلوغ غايته وتحقيق أحلامه وطموحاته في السعادة والعزة والتقدم لابد من إعداده.

وعن ترسيخ فكر الاتحاد قال الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم رحمه الله «إن تلك المسؤوليات النابعة من الإيمان بترسيخ فكرة الاتحاد وكيان الدولة الاتحادية أطلقت المسيرة العلمية لتلك المؤسسات الاتحادية لتجعل من واقع الاتحاد خدمات متنامية نابعة من حاجة المجتمع لها وساعية لتلبيتها». وانطلاقا من العهد الذي قطعه على نفسه رحمه الله بالتواصل الدائم مع المواطنين وقضايا الوطن وشؤون المجتمع... وتقديرا من سموه لسياسة الباب المفتوح لتوثيق الصلة بين القيادة والمواطنين..

ومنذ توليه مهام منصبه كنائب لرئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء عمل سموه على إصدار التوجيهات السديدة لانطلاق الوزارات والمؤسسات الحكومية لكي تستكمل الشوط الذي حققته طوال سنوات مسيرة التنمية. وعن تطلعات المستقبل قال الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم «من أبرز الأهداف المصيرية هو إيجاد مصادر الدخل بديلة عن البترول تتمثل في البتروكيماويات وخلق قاعدة صناعية ومحاولة الاكتفاء الذاتي لبعض المنتجات ولا اعتقد أن هناك عقبات كبيرة تحول دون الوصول إلى تحقيق هذه الأهداف».

إن الحديث عن الدور الخلاق للمغفور له للشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم رحمه الله حديث يتصل بكافة الجوانب وبسياسات الدولة ومواقفها لقد كان لسموه دور أساسي في إنجاح السياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة وفي المكانة السياسية التي أصبحت تحظى بها المحافل الدولية.

ونستذكر آخر تصريحات فقيد الوطن المغفور له الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم حيث أكد رحمه الله أن الانجازات الباهرة والنهضة الشاملة التي تحققت في دبي خلال العقد الماضي هي جزء متكامل مع النهضة الشاملة التي تشهدها دولة الإمارات العربية المتحدة وتصب في تأكيد مكانة الدولة ودورها على الصعيدين الإقليمي والدولي.

وأكد رحمه الله قبل عام من وفاته في الرابع من يناير العام الماضي خلال استعراضه للمنجزات مع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة حاكم دبي على المضي قدماً في خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتعزيز انجازات الدولة وتقدمها والتأكيد على ان خدمة الوطن والمواطن هي دائما الهدف والغاية والعمل دوما دون كلل من اجل إسعاد المواطنين وتحقيق طموحاتهم في الحياة الكريمة والآمنة والارتقاء بهم إلى أعلى درجات التطور الحضاري والإنساني مع الحفاظ على القيم وصيانة التراث وتنميته.

كما أكد رحمه الله أن دولة الإمارات العربية المتحدة مصممة على تحقيق المزيد من الانجازات وعلى رفع معدلات التنمية ومواصلة التقدم إلى الأمام بقيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة. وجدد سموه في كلمة بمناسبة الذكرى الرابعة والثلاثين للاتحاد العزم والإصرار على تحقيق المزيد من الانجازات على طريق مستقبل واعد ينعم فيه المواطنون برغد العيش وبمزيد من العزة والمنعة بقيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة خدمة للوطن وإكمالا للمسيرة الاتحادية المباركة على طريق الخير والعطاء.

وقال رحمه الله إن بناء الإنسان كان وسيبقى الدعامة الأساسية والأولوية الكبرى في نهج سياسات الدولة وخططها التنموية مؤكدا حرص دولة الإمارات على أن تظل علاقاتها الخارجية كما كانت على الدوام مبنية على مبادئ حسن الجوار واحترام الشرعية الدولية ومساندة قضايا الحق والعدل في كل مكان.

وقال رحمه الله «فإننا نؤكد العزم ونجدد العهد لشعبنا وأمتنا بأن تبقى دولة الإمارات متمسكة بمبادئها وفية لنهجها وقيمها بقيادة صاحب السمو الأخ الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة لخدمة الوطن وإكمال مسيرتنا الاتحادية المباركة على طريق الخير والعطاء يعضده ويسانده إخوانه الحكام وشعبنا الوفي الذي أثبت قدرته على تجاوز المحن ومواجهة التحديات.

وبمناسبة انعقاد قمة مجلس التعاون في أبوظبي قال رحمه الله: «إن مسيرة مجلس التعاون لدول الخليج العربية حققت منذ انطلاقتها قبل خمسة وعشرين عاما انجازات عظيمة في مختلف مجالات التعاون والتنسيق بين الدول الأعضاء وفي مقدمة هذه الانجازات تعميق روح الوحدة الاجتماعية والإنسانية والاقتصادية والأمنية لدى شعوب ومجتمعات دولنا التي تتطلع في كل قمة تلتئم إلى مزيد من القرارات التي تصب في خدمة أهداف وتطلعات قادة وشعوب دول المجلس».

وأضاف سموه أن المسيرة انطلقت على قاعدة صلبة ومعبدة وان ظهرت بعض المطالبات الصغيرة التي لا يمكن لها أن تعيق تقدمها ووصولها إلى بر الأمان مكللة بالانجازات الاقتصادية والتجارية والأمنية التي آن لها أن تنضج وتكتمل حتى تطمئن شعوبنا لمستقبلها ومصيرها المشترك الذي تتوجه أواصر القربى ووشائج الأخوة والدين واللغة والتاريخ.

قال إن علاقات وروابط شعوب دول المجلس تاريخية ومتجذرة ولا تحدها أية حدود فهي قائمة ومبنية على التاريخ والمصير المشترك واللغة والدين ووحدة التراب والعادات والتقاليد قبل إنشاء مجلس التعاون الذي جاء لتأطير وتنظيم هذه العلاقات في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تعيشها المنطقة والعالم فالمواطنة الخليجية متأصلة في نفس وممارسات كل مواطن سواء كان في الإمارات أو المملكة العربية السعودية أو في قطر والبحرين والكويت وسلطنة عمان..

وأكد المغفور له الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم رحمه الله أن رسالة مجلس التعاون لدول الخليج العربية تحمل في طياتها كل معاني التفاهم والتعايش السلمي والتواصل الإنساني والحضاري بين الشعوب ودعم برامج المساعدات الإنسانية وخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية في الدول المحتاجة. (وام)

طباعة Email
تعليقات

تعليقات