في آخر كلمة وجهها قبل رحيله بشهر

مكتوم : الإمارات تنطلق إلى المستقبل واثقة بماضيها العظيم وحاضرها المشرق

في آخر كلمة وجهها المغفور له الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم قبل شهر من انتقاله إلى الرفيق الأعلى عبر «مجلة درع الوطن» بمناسبة الذكرى الرابعة والثلاثين للاتحاد. أكد رحمه الله أن الدولة تنطلق إلى آفاق المستقبل وهي واثقة الخطى، بما لديها من ماضٍ عظيم وحاضر مشرق.

كما أكد رحمه الله على أن بناء الإنسان كان وسيبقى الدعامة الأساسية والأولوية الكبرى في سياسات الدولة وخططها التنموية، مشدداً على أن دولة الإمارات أصبحت راسخة الجذور شامخة البنيان منذ انطلاق المسيرة الاتحادية، ما يدعو إلى الفخر والاعتزاز.

وفيما يلي نص الكلمة..

يطل علينا اليوم العيد الوطني الرابع والثلاثون لانطلاق مسيرتنا الاتحادية.. وقد أصبحت دولة الإمارات راسخة الجذور.. شامخة البنيان وهذا ما يدعونا للفخر والاعتزاز بما تم انجازه ويجدد لدينا العزيمة والإصرار لتحقيق المزيد على طريق مستقبل واعد ينعم فيه المواطنون برغد العيش وبمزيد من العزة والمنعة.

وفي هذا المقام فإننا نؤكد العزم ونجدد العهد لشعبنا وأمتنا بأن تبقى دولة الإمارات متمسكة بمبادئها وفية لنهجها وقيمها بقيادة صاحب السمو الأخ الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة لخدمة الوطن وإكمال مسيرتنا الاتحادية المباركة على طريق الخير والعطاء يعضده ويسانده إخوانه الحكام وشعبنا الوفي الذي أثبت قدرته على تجاوز المحن ومواجهة التحديات.

ولعل نعمة الأمن التي نعيشها في ربوع هذه الدولة هي واحدة من أبرز النعم التي من الله عز وجل بها علينا فهذا الأمن الذي نستظل بظله والخير الذي نرفل فيه والرفاهية التي نتمتع بها والطمأنينة التي تسود أرجاء وطننا والانجازات الشامخة التي نشهدها كل يوم وكل حين ما هي إلا بعض الثمار اليانعة لشجرة الاتحاد الوارفة.

فمنذ اليوم الأول لقيام دولة الإمارات العربية المتحدة في الثاني من ديسمبر عام 1971 كانت خياراتنا واضحة ومبادئنا ثابتة على النهج الذي التقت حوله إرادة القيادة والشعب وتأسست عليه مسيرتنا الاتحادية وتمسكت به دولتنا في جميع المراحل ورغم كل التحديات.

ولقد كان بناء الإنسان وسيبقى ـ بإذن الله ـ الدعامة الأساسية والأولوية الكبرى في سياسات الدولة وخططها التنموية باعتبار أن الإنسان هو الثروة الحقيقية للوطن والغاية العليا التي يجب أن تسخر لها كل الجهود والإمكانات من أجل بناء الإنسان المتسلح بالعلم والمعرفة القادر على امتلاك وتسيير كل وسائل التطور والتقدم وفق رؤية بعيدة المدى تقوم على أساس التخطيط الواعي لضرورات الحاضر ومتطلبات المستقبل.

وقد آتت هذه السياسة أكلها وأينعت ثمارها حيث تعاظمت الإنجازات على مر السنوات وامتد الخير ليعم أرجاء الوطن ويشمل كل رقعة فيه وأصبح أبناء وبنات الإمارات يتحملون المسؤوليات في أعلى المراكز والمواقع القيادية بكفاءة عالية واقتدار كبير شهد به الجميع وأكدته المواقف والمناسبات العديدة على مستوى الوطن وفي المنتديات والمنظمات الإقليمية والدولية، كما أصبحت مؤسساتنا متطورة مكتملة المقومات فانطلقت الدولة إلى آفاق المستقبل وهي واثقة الخطى بما لديها من ماض عظيم وحاضر مشرق.

وبفضل ذلك شهدت الدولة طفرة صناعية كبيرة عمت جميع أرجاء البلاد وأسهمت بفاعلية في إثراء الدخل القومي وتنويع مصادره وتحريك المدخرات المحلية مع استقطاب لرؤوس الأموال العربية والأجنبية ما خلق فرصاً جديدة للمواطنين والمقيمين من أبناء الدول الشقيقة والصديقة.. وكانت لهذه النهضة الصناعية آثارها الخيرة وها هي منتجاتنا تتكامل مع صادراتنا من النفط ومشتقاته وتصدر إلى أسواق العالم حاملة بكل فخر واعتزاز اسم دولة الإمارات حيث شهد قطاع الصناعة نمواً متسارعاً وتوفرت فيه عوامل النجاح والازدهار لمختلف الصناعات الوطنية وإلى جانب هذا المد الصناعي كانت هناك النهضة الزراعية التي استطاعت بفضل هذه المسيرة المباركة أن تحول الصحراء الجرداء إلى رقعة خضراء.

إن ملحمة العطاء والبناء التي شهدتها مسيرتنا الاتحادية خلال العقود الماضية جعلت دولة الإمارات نموذجاً يحتذى وحولتها إلى واحة للأمن والرخاء الذي ينعم به المواطنون والمقيمون بفضل الله ثم بفضل سلامة النهج الذي سارت عليه.

وحين نقف اليوم لنعيد استخلاص الدروس والعبر فإن الماثل أمامنا على ارض الواقع من انجازات تحققت ونهضة شاملة ومتعاظمة في شتى المجالات على المستوى الوطني وفي علاقاتنا الخارجية إقليمياً ودولياً يؤكد صحة المبادئ التي نؤمن بها وسلامة النهج الذي اخترناه لأنفسنا وسار عليه ركبنا نحو التطور والبناء الحضاري بعزيمة صادقة ورؤية ثاقبة وإيمان لا يتزعزع بالله عز وجل وبقدرة شعبنا على البذل والعطاء.

وقد أكدت دولة الإمارات على الدوام وتؤكد باستمرار تمسكها بنهجها الثابت القائم على أن التضامن والتكاتف والتآزر ومد يد العون للشقيق في السراء والضراء هي المرتكزات التي يجب أن يتسم بها التعامل بين الأشقاء لأن الأمة العربية جسد واحد ينبغي العمل من أجل صيانته والحفاظ عليه انطلاقاً من المبادئ والقيم العربية والإسلامية الأصيلة.

وانسجاما مع مبادئها ونهجها الراسخ حرصت دولة الإمارات وستظل حريصة على أن تكون علاقاتها الخارجية في محيطها العربي والإسلامي وفي مجالها الدولي مبنية على مبادئ حسن الجوار واحترام الشرعية الدولية ومساندة قضايا الحق والعدل في كل مكان ما اكسبها احترام المجتمع الدولي وبوأها مكانة رفيعة بين الدول تقديراً لمواقفها وسياساتها المعتدلة ودورها المشهود وحضورها الايجابي الفاعل في مختلف المحافل وعلى كل المستويات السياسية والاقتصادية والإنسانية.

وفي هذا الإطار ومنذ البداية بادرنا ومازلنا نؤكد دعمنا ومساندتنا لأشقائنا في العراق متمنين أن يعم الأمن والاستقرار في هذا البلد الشقيق مناشدين كل الأطراف الوطنية والسياسية وقف نزيف الدم ونبذ كل أعمال العنف والاحتكام لصوت العقل والحكمة

واعتماد الحوار السلمي سبيلاً لتجاوز المحنة والوصول إلى بر الأمان، وستستمر دولة الإمارات في دعم الجهود الرامية لتحقيق طموحات وتطلعات الشعب العراقي في عودة الأمن والاستقرار.

كما نؤكد دعمنا ووقوفنا إلى جانب الشعب الفلسطيني الشقيق من أجل نيل حقوقه المشروعة وإقامة دولته المستقلة ونطالب المجتمع الدولي بضرورة إلزام إسرائيل بالامتثال لبنود اتفاقية جنيف الرابعة وأحكام القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة والضغط بكل الوسائل الممكنة على الحكومة الإسرائيلية لحملها على وقف عدوانها المتواصل على الشعب الفلسطيني والإنهاء الفوري لسياسات العنف المفرط والإغلاق والحصار التي تنتهجها ضده وضد مدنه وقراه.

كما أن دولة الإمارات تقف موقفاً ثابتاً من ظاهرة الإرهاب الدولي حيث درجت على انتهاج سياسة نبذ وإدانة الإرهاب في المحافل الوطنية والإقليمية والدولية مستمدة سياستها من قناعتها بمبدئها الأخلاقي الثابت الذي يرفض كل أشكال العنف والإرهاب لتعارضه مع مفاهيم الشريعة الإسلامية السمحاء وإرث تقاليدنا العربية الأصيلة ومبادئ احترام سيادة الدول وسلامتها الإقليمية وأحكام القانون الدولي ذات الصلة بغض النظر عن مكان وقوع هذا الإرهاب وهوية ضحاياه أو مرتكبيه.

وفي هذه المناسبة الوطنية لا بد أن نتذكر بالتقدير والعرفان فقيدنا الغالي فقيد الوطن والأمة الوالد والقائد المؤسس المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه الذي كان له الدور الأكبر والجهد الأبرز في هذا الانجاز الوحدوي التاريخي

إلى جانب أخيه المغفور له بإذن الله الوالد الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله وبدعم ومساندة من إخوانهما حكام الإمارات ومن شعبنا الوفي الذي التف حول قيادته ومنحها ثقته ومحبته بلا حدود وسار معها متجاوزاً كل العقبات والتحديات.

والله نسأل أن يتغمد الفقيدين بواسع رحمته ورضوانه وأن يحفظ الإمارات وشعبها ويوفقنا جميعا قيادة وشعبا لما فيه مصلحة الوطن والمواطنين وما يخدم مصالح أمتنا العربية والإسلامية ويخدم الإنسانية جمعاء.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات