عندما نستعرض مسيرة الخير على أرضنا الطيبة، يسطع في سماء بلادنا اسم المغفور له بإذن الله الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم رحمه الله نجماً تضيء إنجازاته مساحةً واسعة من سماء الوطن. فالمغفور له الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم كان نوعا من القيادات النادرة تاريخياً، القريبة دائماً من مواطنيها وتطلعاتهم، والمدركة ـ بحسها القيادي المتوهج ـ للحظات التاريخ الحاسمة ولواجبات الاختيارات في حياة الأمم.

* نشأة مكتوم بن راشد

ولد المغفور له بإذن الله الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم في عام 1943 في بيت العائلة الكائن في منطقة الشندغة قرب مدخل الخور بدبي، حيث تلقى تعليمه في مختلف العلوم، كالرياضيات واللغة الإنجليزية واللغة العربية والدراسات الدينية، تحضيراً للدور الكبير الذي ينتظره.

في الرابع من أكتوبر من عام 1958 تولى المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم مقاليد الحكم في دبي، وكان ذلك أول تنصيب كامل لحاكم الإمارة. وأعطى الشيخ راشد الإشارة الكبرى للدور البارز الذي أسنده إلى المغفور له بإذن الله الشيخ مكتوم بإلقاء كلمته في الحفل، في إشارة واضحة إلى الدور المهم الذي ينتظر أن يقوم به الشيخ مكتوم في المرحلة المقبلة. ومنذ ذلك الحين أصبح الشيخ مكتوم بن راشد الساعد الأيمن لوالده.

وفي أواخر الخمسينات وأوائل الستينات، عمل المغفور له الشيخ راشد والمغفور له الشيخ مكتوم بجدٍ على مدار الساعة، لتحقيق حلمهما الكبير بتطوير الإمارة الناشئة، وأثمر ذلك عن تأسيس مطار دبي، وإقامة محطات لتوليد الكهرباء، وتطوير مصادر المياه العذبة، وبناء أول فندق، والعمل على إنشاء المزيد من المدارس والمناطق السكنية الحديثة، وغيرها من المشاريع المهمة آنذاك.

وفي أوائل الستينات أكمل المغفور له بإذن الله الشيخ مكتوم تعليمه الأكاديمي محلياً، ومن ثم بعث المغفور له الشيخ راشد معاونه الأول ـ في تلك المرحلة ـ لإتمام تعليمه في إحدى الجامعات البريطانية الرائدة.وفي بريطانيا اختلط المغفور له بإذن الله الشيخ مكتوم مع طلاب من مختلف الجنسيات، وكان الكثيرون منهم أبناء قادة عالميين وشخصيات لها وزنها السياسي، ومما لا شك فيه أن هذه التجربة عززت من عمق رؤيته السياسية. ويعد هذا الانفتاح على العالم تجربة ثرية، استفاد منها خلال الأحداث الساخنة التي شهدتها الامارات المتصالحة في النصف الثاني من عقد الستينات.

* مكتوم ودوره في قيام الدولة

تشير الوثائق إلى أن المغفور له بإذن الله الشيخ مكتوم بن راشد رحمه الله منذ أوائل الستينات كان ـ وعلى نحو منتظم ـ يرافق والده إلى اجتماعات مجلس الامارات المتصالحة؛ تلك الهيئة التي ضمت جميع حكام الامارات السبع.

وفي عام 1966 تولى المغفور له بإذن الله الشيخ زايد مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي، فاتخذ النقاش- آنذاك - مساراً جدياً حول إيجاد صيغة مستقبلية توحيدية للامارات المتصالحة.

وبعد ذلك بنحو عامين، وتحديداً في السادس عشر من يناير من عام 1968، أعلنت بريطانيا عن عزمها إغلاق قواعدها في الخليج العربي مع نهاية العام 1971، ونتيجة لذلك قررت الحكومتان في كل من أبوظبي ودبي البدء في الإجراءات العملية لدفع عجلة الاتحاد المقترح. وخلال الأسابيع الستة التي أعقبت إعلان بريطانيا، عملت الإمارتان على إيجاد تسوية للمسائل العالقة بينهما، من أجل التوصل إلى الأطر الأساسية لعملية الاتحاد.

بلغ المغفور له بإذن الله الشيخ مكتوم بن راشد في تلك المرحلة الخامسة والعشرين من عمره، واستطاع بتوجيهات الوالد، الذي اسند إليه الكثير من المهمات التشاورية مع المغفور له بإذن الله الشيخ زايد وكبار المسؤولين في حكومته، التوصل في غضون ستة أسابيع إلى الكثير من نقاط التفاهم والالتقاء مع حكومة أبوظبي، مما يعد شهادة عملية على قدراته الباكرة في مجال العمل السياسي.

حيث توجت تلك الجهود، في الثامن عشر من شهر فبراير من عام 1968، بسفره مع والده المغفور له الشيخ راشد إلى موقع صحراوي في إمارة أبوظبي بالقرب من الحدود مع إمارة دبي ليكون شاهداً على أهم الأحداث التي شهدها الساحل، لتجري الأحداث بعد ذلك متسارعةً خلال ثلاث سنوات كاملة، لعب فيها المغفور له بإذن الله الشيخ مكتوم بن راشد أحد الأدوار الرئيسة في إطار المحاولات الدؤوبة لرأب الصدع بين الامارات.

وفي العاشر من يوليو من عام 1971، استضاف المغفور له الشيخ راشد والمغفور له الشيخ مكتوم وفود الامارات المتصالحة الست الأخرى، لعقد اجتماع مجلسها. ومما لا شك فيه أن الوساطة التي قام بها المغفور له بإذن الله الشيخ مكتوم، خلال الأشهر التي تلت ذلك بحنكته المعهودة كرجل دولة، أسهمت في وضع أسس الاتحاد.

وفي الثاني من ديسمبر من عام 1971، وقع حكام الإمارات اتفاقية دولة الإمارات العربية المتحدة، خلال احتفال أقيم في دبي، وشهدت هذه المرحلة بزوغ شمس المغفور له بإذن الله الشيخ مكتوم شخصية قيادية مرموقة، لعبت أدواراً تأثيرية في جميع الأحداث اللاحقة.

* مكتوم أول رئيس للوزراء

وتم انتخاب المغفور له بإذن الله الشيخ زايد، حاكم أبوظبي رئيساً لدولة الإمارات، والمغفور له الشيخ راشد نائباً للرئيس، وفي الوقت الذي تم فيه تعيين المغفور له بإذن الله الشيخ مكتوم أول رئيس للوزراء أوكلت له مهمة تشكيل أول مجلس وزاري للدولة الوليدة، حيث ترأس أول اجتماع للمجلس في الثاني من أبريل العام 1972. وبقي من أبرز الرموز في حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة، رئيساً للوزراء حتى العام 1979، عندما تنحى لوالده المغفور له الشيخ راشد، ليعود بعد ذلك بأربع سنوات للمجلس ثانيةً نائباً لرئيس الوزراء.

وفي شهر مايو من العام 1981، داهم المرض المغفور له الشيخ راشد، وتولى أبناؤه الأربعة مسؤولية تسيير شؤون الإمارة. وعلى الرغم من تحسن حالته الصحية، إلا أنه فضل الخلود للراحة، ليتيح أمر الإدارة الفعلية لشؤون الإمارة للشيخ مكتوم، الذي تلقى العون والمؤازرة من شقيقيه، سمو الشيخ حمدان وسمو الشيخ محمد، إذ كانوا جميعاً يشكلون وحدة متكاملة للحفاظ على أمانة الحكم وحسن الإدارة.

* مكتوم والمهام الجسام في الثمانينات

لقد أعطى المغفور له بإذن الله الشيخ مكتوم جل اهتمامه للميادين التنموية كافة، بيد انه خص التعليم والقانون والنظام برعاية خاصة.

تولى المغفور له بإذن الله الشيخ مكتوم الكثير من المسؤوليات خلال فترة الثمانينات، واكتسب شهرة واسعة كرجل برٍ وإحسان، إذ بقي كرمه البالغ أسطورة تتداول في دبي والإمارات العربية المتحدة ككل، لقيامه بتمويل العديد من المشاريع الخيرية الخاصة بالمعاقين ودور الأيتام والمعوزين في دول العالم الثالث والدول النامية، إضافة إلى عطائه السخي لدعم الكثير من المدارس ودور العلم، داخل الدولة وخارجها.

* مكتوم بن راشد نائباً لرئيس الدولة

في نوفمبر من العام 1990، وبعد رحيل المغفور له الشيخ راشد، أصبح المغفور له بإذن الله الشيخ مكتوم نائباً لرئيس الدولة، رئيساً لمجلس الوزراء، حاكماً لدبي.

ورافق عودة المغفور له بإذن الله الشيخ مكتوم لرئاسة الوزراء أحد أهم المشاريع التنموية طيلة العقود الثلاثة من عمر دولة الإمارات العربية المتحدة، إذ تبنى سموه برنامجاً وطنياً، يهدف إلى إنشاء آلاف الوحدات السكنية الجديدة لخدمة المواطنين من ذوي الدخل المحدود، وذلك في إطار مشاريع يتم تنفيذها في الشارقة وعجمان وأم القيوين ورأس الخيمة والفجيرة وغيرها.

* مكتوم وتأسيس البنية التحتية

قاد المغفور له بإذن الله الشيخ مكتوم حكومة البلاد خلال عقد من الزمان إلى إقامة مشاريع تنموية وطنية شاملة، عملت على تحسين حياة المواطنين حتى في الأصقاع النائية التابعة لدولة الإمارات.

أما على مستوى إمارة دبي، فأثمرت قيادته عن نشاط حيوي داخل حكومة دبي. وفي الوقت الذي كانت تكتمل فيه مشاريع البنية التحتية والمرافق العامة الواحد تلو الآخر خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات، تم إنشاء مرافق رياضية، اكتسبت شهرة دولية، وإقامة البنية التحتية الاجتماعية والاقتصادية، والحدائق، والنوادي، والمكتبات العامة، ومرافئ القوارب، وغيرها من المشاريع. وإضافة إلى ذلك حققت الإمارة قفزة نوعية، بفضل جهود حكومتها، في مجال بناء شبكة طرق حديثة شاملة، وتوسعة مطار دبي الدولي، ليكون محطة إقليمية للطيران تتناسب مع المكانة الجديدة لإمارة دبي.

* مكتوم وصناعة الخيول

ينسب إلى المغفور له بإذن الله الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم، الفضل الأكبر في ولوج العرب سباقات الخيول العالمية، والتأثير في صناعتها، وتأكيد دورهم الريادي في هذه الرياضة التراثية، مما جعلهم محط اهتمام الإعلام العالمي. وكان هذا الدور الريادي للمغفور له بإذن الله الشيخ مكتوم من أبرز أحداث القرن العشرين.

حيث بسط الملاك العرب سيطرتهم على المضامير العالمية، وأسسوا أشهر الاسطبلات التي انتخبت أروع وأنقى السلالات، مما كان له الأثر الأكبر في الارتقاء بنوعية خيول السباقات وتطوير أنسابها. وما نيله للقب أفضل مالك يفوز بسباقات الفئات في خمس دول أوروبية عام 1997، إلا أبلغ دليل على ذلك، إذ إنه يعد أول مالك خيل بأوروبا ينال شرف الفوز بهذا اللقب منذ بدء منحه العام 1971.

وفي الواقع، فإن المغفور له بإذن الله الشيخ مكتوم لعب دوراً كبيراً في الارتقاء بمستوى السباقات الأوروبية واثرائها، وذلك بالمشاركة بأجود جياده في منافساتها العديدة.

ويرجع الفضل إلى المغفور له بإذن الله الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم في إنشاء فريق جودولفين، الذي حقق أروع الإنجازات العالمية، وبلغت شهرته أنحاء متعددة من العالم، إذ كان ظهوره بمثابة الثورة التي غيرت أفكار ومفاهيم خبراء الخيل، الذين ذهلوا لنتائجه الباهرة.

كما كان لآرائه النيرة، وأفكاره المبتكرة، وتوجيهاته السديدة، الأثر الأكبر في ابتكار بطولة كأس دبي العالمية، التي حققت نجاحاً باهراً، واستأثرت باهتمام عالمي كبير، نظراً لمشاركة نخبة خيول العالم للظفر بجائزتها، التي تعتبر الأثمن في العالم.

كما كانت لتوجيهاته الأثر الأكبر في دخول خيول جودولفين إلى معترك السباقات بأميركا، مما يعني مواجهتها تحدياً جديداً مع أقوى الخيول على المضامير الرملية.

ويرجع الفضل للمغفور له بإذن الله الشيخ مكتوم في إنتاج أنقى الجياد، التي بهرت العالم في السباقات الكلاسيكية، وأبرزها «هتوف» و«لم ترى» من خلال مزرعته جينز برو الخاصة بآل مكتوم.

لقد أسهم المغفور له بشكل فعّال، طوال عقود ثلاثة، في الارتقاء برياضة الفروسية التراثية لإعادة سالف الأمجاد العربية الغابرة.

كما لعب دوراً رئيساً في امتلاك المواطنين أجود السلالات، وتشجيع مشاركتهم في مختلف السباقات، مما يؤكد سخاءه وعطاءه بلا حدود من أجل الارتقاء وتطوير سباقات الخيل.

* مكتوم بن راشد .. «رحلة عطاء»

إنها رحلة عطاء بلا حدود في مختلف المناحي السياسي والاقتصادية والتعليمية والرياضية.. فمنذ أن تولى المغفور له بإذن الله الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم رئاسة أول وزارة اتحادية في تاريخ الإمارات العربية المتحدة، وحتى اليوم، وهو يعمل بكل صدق وتفانٍ، باذلاً جهوداً مضنية ومخلصة من أجل رفعة الوطن وتدعيم الكيان الاتحادي لدولة الإمارات.

فمنذ رحيل المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، نهض المغفور له بإذن الله الشيخ مكتوم بالأمانة الملقاة على عاتقه، وأداها خير أداء، متخذاً من توجيهات المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ومنهج الوالد الشيخ راشد رحمه الله، نبراساً وبرنامجاً يسير على هديه في خطواته الوثابة في سبيل إعلاء شأن الاتحاد، والحفاظ على مكتسباته ومنجزاته.