في الوقت الذي تعاني فيه المدارس من تدني الموارد المالية وقصور حاد في الميزانيات انعكس سلبا على العملية التعليمية، تستمر مدارس امارة الشارقة على اختلاف مراحلها التعليمية بهدر مكرمة حكومة الشارقة والمتمثلة في 85 فراناً للخزف بلغت قيمة الواحد منها 50 الف درهم.
ولم تخرج من «الكراتين» منذ ما يقارب العامين نتيجة لجهل غالبية معلمي ومعلمات التربية الفنية حتى هذه اللحظة بآليات التعامل مع الأفران نظرا لقلة أو انعدام الدورات المتخصصة في مجال صناعة الخزف. وخوفهم من انفجارها نتيجة للاستخدام الخاطيء حيث انها تعمل في ظل درجة حرارة مرتفعة جداً.
حظي موضوع الحفاظ على الفنون والحرف التقليدية وتطويرها بالأفضلية لدى حكومة الشارقة فكانت الأفران بمثابة مراكز التكوين للحرف اليدوية التي توجه العناية نحو قيمة وجمال المصنوعات اليدوية وتعزيز أهميتها لدى الطلبة عبر رفع مستواها وحمايتها من المنافسة غير العادلة في ظل المد التكنولوجي.
وعلى الرغم من توفير الأفران والمواد اللازمة لتشغيلها فان الميدان التربوي لم يحفل ولو بمعرض واحد للخزفيات يعكس الفائدة التي حققتها تلك المدارس من هذه المنحة.
وبسؤال المعنيين نفوا أي تلميح بقصور من قبلهم واعتبروا المعوقات الماثلة حالياً خارج إرادتهم ولا يستطيعون ان يفعلوا حيالها شيئا، في الوقت الذي رفضت منطقة الشارقة التعليمية توضيح أسباب إهمال هذه الأفران وعدم استخدامها منذ عامين.
مريم محمد مدرسة تربية فنية في مدرسة الغافية التأسيسية في الشارقة لم تنكر حقيقة عدم تفعيل فرن الخزف الذي يتخذ من مرسم المدرسة موقعا له إلا أنها تعلل ذلك بجملة من الأسباب على رأسها عدم الدراية الكاملة بآليات التعامل معه إذ يحتاج إلى دورات متخصصة لتمكن معلم التربية الفنية من استخدامه بشكل محترف، مشيرة إلى أن أي خطأ في التعاطي مع التعليمات الخاصة بالاستخدام قد تؤدي إلى حدوث انفجار هائل.
واعتبرت عدم توفر الكابلات الخاصة احد المعوقات الكثيرة التي تحول دون استثمار هذه الأفران التي قد لا تتوافر في كليات الفنون الجميلة وطول المناهج وكثرتها الأمر الذي يدفع إدارات المدارس إلى استثمار أي وقت لاستكماله حتى .
وان كان على حساب المناشط، معتبرة أن الأفران ثروة يجب أن تستثمر بالشكل الملائم خاصة أن البيوت العربية بالذات تولي الحرف اليدوية اهتماما عظيما ففي السنوات السابقة لم يكن هناك أي منزل يخلو من إبداعات الصانع اليدوي.
لكن الصورة تغيرت كثيراً مع دخول المنتجات المصنعة التي قضت على الحرف اليدوية وعلى نحو بات يهدد مستقبل الصناعات التقليدية التي تعاني أصلا من آثار التغيرات الطبيعية وسطوة الآلات والتكنولوجيا الرقمية.
* قنابل موقوتة
غير أن جوهر الأزمة في استخدام الأفران والحديث ما زال لمريم مرده تأرجح واضح بين رغبة المدارس والطلبة في التعلم من جهة مدفوعين بحنين عميق للماضي وحماس فياض نحو المستقبل وبين انعدام الوقت والخبرة الكافية لتدريب الطلبة.
إضافة إلى الخوف الشديد الذي يعتري معلم التربية الفنية من استخدام الفرن واصفة إياه في ظل عدم وجود دورات متخصصة «كالقنبلة الموقوتة». لانها ممكن ان تتفجر من الاستخدام الخاطيء.
ومن جانبها قالت عائشة سيف مديرة مدرسة المنار النموذجية ان المشكلة الرئيسية التي تواجهها معلمة التربية الفنية في المدرسة هي عدم وجود مكان ملائم للفرن يكون بعيدا عن الفصول الدراسية إضافة إلى الحاجة الماسة إلى الدورات المتخصصة في صناعة الخزف.
معتبرة أن تعليم الفتاة بالذات لبعض المهارات اليدوية أمر في غاية الأهمية خاصة وان اندثار هذه المهنة تعني أن نجد أنفسنا مجبرين على فقدان الهوية والجذور والانتماء الأصيل واعتقد أن غاية توفير الأفران الحفاظ على تراث عربي أصيل عبر إعادة الاعتبار للحرف اليدوية بتمكين جيل المستقبل من إتقان صنعها.
* ورقة رابحة
وتؤكد صنعة الخاجة معلمة التربية الفنية في مدرسة المنار النموذجية أن الطالبات في المدرسة لديهن القابلية لتعلم فن صناعة الخزف إلا أن عامل الوقت لا يسعف هذه الرغبة ولا يحقق ما يطمحون إليه فالخزف يحتاج الى حصص متلاحقة لتتقن الطالبة فن التعامل مع المواد .
والتعرف على خصائصها فضلا عن حاجة الفرن لمدة لا تقل عن 48 ساعة لتصل إلى درجة الحرارة المناسبة، لافتة إلى عدم خضوع مدرسي التربية الفنية منذ الحصول على الأفران منذ قرابة العامين إلا على دورة مبدئية لم تسعفهم في إتقان استخدام الأفران الأمر الذي انعكس سلبا وابقى غالبية أفران الخزف حبيسة العلب حتى هذه اللحظة.
وقالت الخاجة إن خطة توجيه التربية الفنية في منطقة الشارقة التعليمية تتضمن خضوع أصحاب التخصص إلى دورات متخصصة في مجال صناعة الخزف بتوظيف الأفران المتوفرة إلا أن الخطة بطيئة وغير مجدية إذ إننا لم ندخل إلا دورة واحدة منذ إحضار الأفران قبل عامين ونيف.
وهي دورة مبسطة لم نخض فيها بتفاصيل واستراتيجيات العمل الصحيحة. ودعت معلمة التربية الفنية إلى استثمار الأفران التي تعد ثروة حقيقية قد لا تتوفر في جامعات عالمية خاصة وان الشعوب العربية تنظر إلى الحرف اليدوية على اختلاف أنواعها نظرة خاصة فصناعة الخزف العربي بالذات تعبر عن إبداع أصيل ورؤية جمالية عميقة.
وتحدثت أمل جمعان معلمة التربية الفنية في مدرسة الرولة الإعدادية عن المعوقات التي حالت دون تفعيل فرن الخزف الذي وصلت تكلفته لأكثر من 50 ألف درهم إلى مجموعة من الأسباب الخارجة عن إرادة المدارس على حد قولها وعلى رأسها حاجة الأفران إلى مولدات كهربائية وتمديدات بقوة عالية لا تتوفر في المدارس وتحتاج لتوفيرها إلى ميزانية كبيرة تفوق مقدرة غالبية المدارس.
إضافة إلى حاجة تلك الأفران إلى قوة بدنية لا تتوفر خاصة عند الطالبات فالطين وهو المادة الاولية في فن صناعة الخزف نظرا لقدرته على تحمل النار يحتاج إلى عجنه يدويا ولمدة ساعات حيث تتم الزخرفة على العجينة بعد تشكيلها على الهيئة المطلوبة.
واقترحت جمعان تخصيص وقت أطول لحصص التربية الفنية فبدلا من حصة واحدة في الأسبوع يغذى الجدول لتكون المادة حاضرة مرتين على الأقل.
وأضافت انه يمكن العمل على الاستفادة من الأفران من خلال استغلال يوم الخميس ليكون يوما للحرف اليدوية إلا أن العقبة هي مدى استعداد الطالبات للدوام في يوم الإجازة.
الشارقة ـ «البيان»: