في ظل صمت الحكومة السورية تجاه تصريحات نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام التي بثتها قناة «العربية» الفضائية أول من أمس، صوت مجلس الشعب السوري (البرلمان) بالإجماع أمس على قرار يطالب الحكومة بتقديم خدام للمحاكمة بتهمة الخيانة العظمى في جلسة شهدت اتهامات له ولأبنائه بدفن نفايات نووية في سوريا.
وقال رئيس المجلس محمود الأبرش ان المجلس يطالب وزير العدل بمحاكمة خدام بتهمة الخيانة العظمى واتخاذ الاجراءات اللازمة. وأضاف أن «كثيرا من الاتصالات وصلت الى مجلس الشعب السوري تطالب باعتقال خدام وطلبه عن طريق الانتربول الدولي ومحاكمته بالخيانة والفساد».
وكان خدام الذي يقيم في باريس قال في مقابلة تلفزيونية اذيعت الجمعة وبثت كاملة أمس ان الاسد هدد رفيق الحريري رئيس وزراء لبنان الاسبق الذي اغتيل في فبراير الماضي.
وقال خدام في الحديث الذي بثته كاملاً مساء أمس انه اقترح على الرئيس السوري «اتباع سياسة الحوار وليس سياسة المواجهة» مع الولايات المتحدة. وأضاف انه دعا إلى اتباع سياسة الحوار هذه مع «التمسك القوي بالثوابت الوطنية القومية لأنني أدرك أن التفريط بهذه الثوابت أو ببعضها أو ببعض قليل منها سيؤدي إلى سلسلة من التنازلات».
وقال خدام انه قدم هذا الاقتراح في إطار «دراسة تحليلية عن الوضع الدولي» رفعها إلى الرئيس السوري في التاسع من أغسطس عام 2000 بعد أيام على أدائه قسم اليمين كرئيس لسوريا بعد وفاة والده حافظ الأسد.
وعقد البرلمان السوري اجتماعا عاجلا أمس إذ اتهم النواب خدام بالخيانة والعمل لمصلحة «الامبريالية والصهيونية» والمشاركة هو وأولاده بتهريب الأموال ودفن النفايات النووية في صحراء تدمر».
وقالت النائبة اميمة خضور «باسمي وباسم الشعب الذي امثله اطلب من القيادة السورية محاكمة خدام لأنه تجاوز كرامة حوالي 10 ملايين سوري عندما اتهمهم بأنهم يأكلون من القمامة».
كما وجهت لخدام اتهامات بسرقة المال العام هو وأسرته وطالب النواب بمحاكمته سياسيا وقضائيا. وقال برلمانيون سوريون إن خدام «أحد رموز الفساد في سوريا وانه وصل إلى نهايته الطبيعية وهو وقوفه مع أعداء الوطن».
واتهموا نجل خدام بأنه كان يهرب الدولارات الاميركية من سوريا إلى الخارج وان «خدام نفسه متورط في تهريب النفايات النووية التي دفنت في صحراء تدمر».
وقال عضو اللجنة المركزية لحزب البعث الحاكم في سوريا النائب فيصل كلثوم «إن خدام كان خلال مؤتمر البعث الأخير من أكثر الناس الذين توجهنا لمحاسبتهم» وأكد «من يرتكب الآثام لا يستحق أن يسمع على وسائل الإعلام»، متهماً قناة «العربية» بأن لديها «مخططا خاصا تجاه هذه المنطقة». وقال إن «عبد الحليم خدام كاذب وخائن لوطنه وهو جزء من مخطط اختير له أن يكون بطله في هذا اليوم».
وشكلت اتهامات خدام لدمشق في قضية اغتيال الحريري ضربة قاسية جديدة للنظام السوري الذي يتعرض اصلا لضغوط دولية كبيرة. وتأتي بعد نحو شهرين من انتحار وزير الداخلية السوري غازي كنعان. والرجلان كانا ركنين اساسيين في نظام الرئيس الراحل حافظ الاسد الذي توفي عام 2000، واضطلع كل منهما بدور مهم في لبنان قبل ان يستبعدهما الرئيس بشار الاسد تدريجياً من الملف اللبناني.
وبعد صمت إعلامي لساعات بعد حديث خدام اول من امس شن التلفزيون السوري الرسمي أمس هجوما عنيفا ضد النائب السابق للرئيس السوري. وذكر التلفزيون في تقرير بثه لمراسلته من باريس أن ما أدلى به خدام أمس من أن الحريري تلقى تهديدات من سوريا قبل مقتله بأشهر يشير إلى أن خدام انضم إلى «شهود الزور ضد سوريا ولكن من دون قناع».
وذلك في إشارة إلى الشاهد المقنع هسام هسام الذي تراجع عن شهادته ضد دمشق أمام لجنة التحقيق الدولية في قضية اغتيال الحريري ليزعم في وقت لاحق بأنه تعرض لضغوط مادية ومعنوية.
وانتقد تقرير التلفزيون السوري ما قاله خدام من أن تقرير لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الحريري «كان مهنيا وحرفيا وغير مسيس»، مشيرا إلى أن هذا القول «يخالف مئات التقارير والتحليلات التي قام بها قانونيون من دول عديدة أثبتوا فيها قصور الناحية المهنية في التقرير واعتماده على التقييمات السياسية».
وأضاف التقرير إن «خدام تحدث من قصره الفخم في باريس عن فقر الشعب السوري بتعبيرات تجرح مشاعر هذا الشعب كما تحدث عن الفساد في قصر لا شك أنه اشتراه من دخله المحدود باعتباره كان موظفا رفيعا في الدولة السورية».
بدوره، قال خلف الجراد مدير تحرير صحيفة «تشرين» السورية الرسمية لهيئة الاذاعة البريطانية إن خدام «لم يكن موفقا في الاسلوب والتوقيت ودوافعه ليست وطنية، فهو اراد ان يزج بسوريا» في قضية اغتيال الحريري.
وأشار التقرير إلى أنه تم إبعاد النائب السابق للرئيس السوري عن متابعة الاوضاع في لبنان منذ عام 1998 إبان عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد «بسبب الضرر المتراكم جراء أخطائه..
في التعامل مع الاشقاء اللبنانيين وأسلوبه الفج في التعامل مع الاطراف السياسية اللبنانية وهو ما أسهم في أن تصل الاوضاع في لبنان إلى ما وصلت إليه إضافة إلى عوامل كثيرة أخرى وأهمها التدخل الدولي والصهيوني في لبنان».