شن عبد الحليم خدام النائب السابق للرئيس السوري هجوما حادا على النظام السوري منتقدا تفرد الرئيس بشار الاسد بالسلطة وانفعالية قراراته التي اوقعت سوريا في حقول الالغام. وقال في مقابلة مع تلفزيون «العربية» اجراها معه في باريس وبثها الليلة الماضية دون ان يشير الى تاريخ المقابلة، ان الرئيس الاسد وجه كلاما قاسيا لرئيس الوزراء اللبناني الاسبق رفيق الحريري قبل اغتياله بعدة اشهر قائلا له «سأسحق كل من يخرج عن قراراتنا».
وكشف ان الرئيس السابق لجهاز الامن والاستطلاع في لبنان العميد رستم غزالي وجه تهديدات للحريري وهو يلوح بمسدسه. وأضاف خدام وهو اول شخصية سورية كبيرة تهاجم النظام منذ سنوات ان غزالي كان يتصرف في لبنان كأنه الحاكم المطلق للبلاد، ووصفه بأنه مجرم. وأوضح انه حذر الاسد من تصرفات غزالي وانها تسيء الى سوريا مستغربا كيف تمت مكافأته بمنصب كبير في الحزب بعد عودته من لبنان.
ورفض خدام اتهام النظام السوري صراحة باغتيال الحريري قائلا «لننتظر التحقيق» الدولي، لكنه قال ان المناخ الذي كان سائدا بين الحريري ودمشق كان معقدا، كاشفا عن انه نصح الحريري بمغادرة لبنان بسبب ذلك.
ونفى في بداية الحوار أن يكون خروجه من سوريا وإقامته في باريس عائداً إلى تهديدات، مشدداً على أن إقامته في العاصمة الفرنسية عائدة إلى رغبته في «كتابة مرحلة مهمة من تاريخ سوريا والمنطقة» التي كان أحد القياديين الأساسيين فيها لمدة 35 عاماً.
وعلق على احتمالات تلقيه تهديدات بالقول: «لدي الكثير مما استطيع أن أقوله.. لكنني لا أقوله إلا لمصلحة سوريا، ومن يحاول أو يفكر في تهديدي يعرف جيداً ما لدي، لدي أمور كثيرة وخطيرة ولكن مصلحة سوريا تقتضي ألا أتحدث»، وشدد على أن عائلته الموجودة في باريس حالياً ستعود بعد انقضاء إجازة أعياد الميلاد إلى سوريا، كما أكد أنه سيعود إلى دمشق لكنه لم يقل متى.
وبعدما امتدح «الأدب الرفيع» الذي يتحلى به الرئيس الأسد في حديثه مع الناس اعترف بوجود اختلافات في الرأي بينهما وأن الأسد تجاهل «استراتيجية للسياسة السورية» قدمها له كدراسة لتطوير النظام السياسي في سوريا عبر تطوير الحريات والديمقراطية والوضع الاقتصادي وكيفية الخروج من الأزمة الاقتصادية التي تعيشها سوريا التي قال إن نصف شعبها يعيش تحت خط الفقر، ويقوم الكثيرون بالبحث عن الطعام في مكبات النفايات بينما زاد التسيب والفساد في البلاد ما أثرى موظفين عموميين.
وقال نائب الرئيس السابق إن سوريا ما كانت ستقع في حقول الألغام وتواجه الضغوط الداخلية والخارجية لو تبنى الأسد الاستراتيجية التي قدمها، وأخذ عليه التفرد والمركزية الكبيرة في السلطة وتغييب المؤسسات الدستورية التي غابت عنها القيادة الحزبية التي أصبح دورها تغطية القرار الذي يصدر عن الرئيس، وانتقد طويلاً تدخل أقرباء الرئيس و«الدائرة القريبة من الأقرباء ومن بعض الأصدقاء» في أمور الدولة.
وأعاد خدام أسباب التردي والتدهور في سوريا إلى الانفراد بالسلطة والقراءة الخاطئة للتطورات الدولية والإقليمية، ما وضع البلاد في بعض المطبات التي تعاني منها الآن، مشيراً إلى الانفعال في ردود الفعل الذي يعتري بعض قرارات الرئيس الأسد، مقارناً بينه وبين والده الرئيس الراحل حافظ الأسد الذي قال إنه كانت لديه القدرة على ضبط النفس في الأوقات الصعبة.واتهم أيضاً المحيطين بالرئيس بتصوير «الخطأ صواباً والظلم عدلاً» زارعين له الأوهام.
وقال إنه عندما لا تكون للدولة سياسة فإنها تكون سائرة في طريق ملبدة بالألغام وفي ظلام دامس. ودافع عن دوره في السلطة قائلاً: إن كل مقترحاته انتهت حبيسة أدراج مجلس الوزراء وتكونت لديه قناعة أن عملية التطوير والإصلاح سواء كان سياسياً أو اقتصادياً أو إدارياً لن تسير، لذلك قرر الاستقالة. وأضاف إن الاتهامات التي وجهت إلى الحرس القديم في عرقلة إصلاحات بشار الأسد: «نغمة أطلقتها أجهزة الأمن التي أرادت التقصير في الإصلاح وأرادت أن تنسبه إلى الحرس القديم، مشيراً إلى تغييب القيادة القطرية لحزب البعث الحاكم. وتابع القول: «لا نستطيع مواجهة الضغوط الخارجية، والشعب السوري مصادرة حقوقه وتتسلط عليه أجهزة الأمن».
وفي ما يخص قضية اغتيال رفيق الحريري، أصر عبدالحليم خدام على ضرورة انتظار نتائج لجنة التحقيق الدولية، لكنه كشف عن حملة تحريض من جانب الإدارة اللبنانية ضد الحريري، مبيناً أن تهديدات كثيرة وجهت إلى الحريري بعضها من الرئيس الأسد الذي أسمعه كلاماً قاسياً جداً جداً قبل أن يدرك خطأه ويرسله (خدام) لإزالة الوسمة التي شعر بها الحريري، موضحاً أن الأسد قال للحريري في صيف 2004 خلال أزمة التمديد للرئيس اللبناني أميل لحود: سأسحق من يحاول الخروج على قرار التمديد.
لكن خدام أشار إلى حديث غزالي خلال ترؤسه جهاز الأمن في لبنان أمام زواره وهو يلعب بمسدسه عن تهديدات ضد الحريري. وأوضح خدام أنه طلب من الوزير اللبناني محسن دلول إبلاغ الحريري بضرورة مغادرة لبنان لأن وضعه معقد في سوريا، لكنه شدد على انه لم يخطر على باله في لحظة من اللحظات أن تقوم سوريا باغتياله، مشيراً إلى أن هذا المناخ من الجفاء خلق انطباعات معينة لدى الناس هي رهينة بنتائج التحقيق الدولي الذي أبدى ثقته في اللجنة التي تقوم عليه.
وشدد خدام على أن أي جهاز أمني سوري لا يستطيع أن يتخذ قراراً باغتيال الحريري بمفرده. ووجه أصابع الاتهام إلى دوائر لبنانية ذكر منها الرئيس لحود وضباطاً كباراً مثل مدير الأمن العام جميل السيد في التحريض ضد الحريري.
وحمل خدام وزير الداخلية السوري السابق اللواء غازي كنعان الذي انتحر في الآونة الأخيرة بعض الأخطاء التي ارتكبت خلال توليه قيادة جهاز الأمن والاستطلاع في لبنان، لكنه حاول أن ينأى به عن اغتيال الحريري، قائلاً: إنه كان يخطئ بأدب ويعتذر بأدب، وشدد على الأخطاء التي ارتكبها غزالي كاشفاً أنه طالب الرئيس الأسد بمعاقبته لأنه حرامي ويسيء إلى البلد، وانتقد الرئاسة لعدم اتخاذها موقفاً حازماً إزاء تجاوزاته في لبنان، موضحاً أنه طالب الأسد باستدعائه من لبنان لأنه يستحق قطع الرقبة، محملاً إياه مسؤولية خلق هذا الوضع الخطير في لبنان، وأبدى استغرابه لمكافأة الرئيس له في المؤتمر الأخير للقيادة القطرية لحزب البعث.
وعندما سئل عن آصف شوكت (صهر الرئيس السوري) وشقيقه ماهر الأسد قال إنه لا يعرفهما وإنه ليست بينه وبينهما أي علاقات، ورفض ما يقال عن حدوث ملاسنة حادة بينه وبين وزير الخارجية فاروق الشرع بقوله: لا أظلم نفسي بالقول إن ملاسنة جرت بيني وبينه معتبراً انه ليس نداً له، ورفض وصف «العربية» له بأنه الرجل الثاني في الدولة فقال بانفعال: ليس هو الرجل الثاني ولا العاشر في سوريا.
وفي دمشق، رفضت المصادر الرسمية السورية التعليق على تصريحات خدام في حين اعتبرت مصادر إعلامية مواكبة في دمشق أن هذا الإعلان ليس مفاجئاً، فالخطوات التمهيدية لما أعلنه اتخذت منذ اغتيال الحريري وقبل المؤتمر القطري لحزب البعث في يونيو الماضي.
وقالت المصادر إن خدام الذي انفرد من بين المسؤولين السوريين بزيارة بيت عزاء الحريري مهد لموقفه المعارض للتقرير السياسي الذي اشرف عليه وزير الخارجية فاروق الشرع وشن هجوماً عنيفاً على السياسة الخارجية السورية حينها.
وذكرت المصادر أن خدام لم يبد أي اعتراض على الأخبار التي تناقلتها بعض وسائل الإعلام حول تحوله إلى صف المعارضة هو ورئيس الأركان الأسبق حكمت الشهابي لنظام الرئيس بشار واجتماعه بعد أن أقام في منزله الباريسي مع النائبين اللبنانيين سعد الحريري ووليد جنبلاط أكثر من مرة.
وكان الصحافي اللبناني المقرب من سوريا شارل أيوب شن قبل أيام هجوماً في صحيفته «الديار» على خدام متهماً إياه بالاستعداد للدخول إلى سوريا على دبابة أميركية وواصفاً إياه بأنه هو والشهابي ورفعت الأسد هم الذين خربوا سوريا ولبنان.
