مازالت تصريحات الدكتور أحمد الكبيسي رئيس لجنة إعداد قانون الأحوال الشخصية موضع جدل بين مؤيد ومعارض ومصر على إقامة دعوى جزائية ورافض لها، خاصة ما ذكره بأن 80% من المطلقات بالدولة غير مطلقات وان 99% من قضايا الطلاق تتم بذات اليوم وانه لم تطلق امرأة واحدة على السنة وان المحاكم «لملوم» تضم قضاة من دول مختلفة.

وجاء رد معالي محمد بن نخيرة الظاهري وزير العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف على ما نشرته الصحف (السبت الماضي) لتهدئة النفوس والتأكيد على نزاهة القضاء ورجاله بالدولة.

«البيان» تلقت رداً من المحامي طارق السركال يشيد فيه برد وزير العدل ويدعو زملاء المهنة إلى العدول عن رفع دعوى جزائية ضد الدكتور الكبيسي احتراماً للرجل ومنزلته العلمية، و«البيان» تنشر الرد كما ورد إليها احتراماً لكل الأطراف التي ساهمت بتأييد أو معارضة الكبيسي بما صرح وفيما يلي وجهة نظر السركال.

«آليت على نفسي إلا أشارك في الجدل الحاد الدائر حول قانون الأحوال الشخصية الجديد وتصريحات فضيلة الدكتور الكبيسي وبعض السادة المحامين ورجال القانون الذين أثاروه ابتداء وبين كل من أدلى بدلوه في هذا الصدد. وتمنيت ان أرى صدى لدعوتي للجميع بمناقشة الأمور بموضوعية وبعيدا عن الحدة والغضب أو التهديد أو التجاوز. ولشد ما كانت دهشتي عندما رأيت ان كثيرا من المقالات والآراء التي نشرت كانت أكثر عنفا «وديماجوتية» ووصل الأمر إلى حد التهديد برفع دعوى جزائية ضد الدكتور الكبيسي بدعوى انه اخطأ في حق القضاء».

وأضاف: لم تكن الصورة قاتمة إلى هذه الدرجة، اذ لم تخل الصحف من مقالات تميزت بالموضوعية والكياسة. ومحاولة وضع إطار كريم لهذا الخلاف أو الاختلاف الذي يحرص أصحابه على المصلحة العامة ولا يؤجج نيران فتنة لسنا بحاجة إليها أصلا.

وقال: هالني ما جاء بمقالات بعض الزملاء المحامين الدعوة المفزعة الصريحة (أحيانا كثيرة) والضمنية أحيانا أخرى لرفع دعوى جزائية ضد فضيلة الدكتور الكبيسي. وبغض النظر عن دوافع هذه الدعوات «عامة كانت أم شخصية» بيد انها التحفت جميعها برداء الدفاع عن القضاء ورجاله وكأن ثم محاولة للتصوير والإيحاء بأن هنالك هجمة شرسة على القضاء تحاول النيل من مكانته السامية.

والحقيقة التي لا يمكن ان ينكرها احد ان للقضاء في هذه الدولة مثلما في العديد ممن الدول العربية والإسلامية مكانة شامخة لا يمكن النيل منها بحديث عابر أو غفوة حالم أو حتى هفوة عالم.

وأضاف السركال اننا لو نظرنا إلى تصريحات الدكتور الكبيسي في مجملها نجد انها تميل للتأويل على أكثر من وجه فذهب الناس فيها ثلاثة مذاهب وتلقفها كل بما يحمله وبحسب ظنه واعتقاده وتقديره للرجل.

وهناك من أحسن الظن به ومقصده قول حديثه تأويلا طيبا مستشفعاً بمكانته وعلمه وحسن بلائه في الدعوة على امتداد عمره (أطال الله في عمره ونفعنا به) ولعل أفضل من عبر عن أصحاب هذا الجانب معالي محمد بن نخيرة الظاهري وزير العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف نفسه عندما رد على سؤالين وجها اليه. عن قول الدكتور الكبيسي ان 80% من المطلقات في الإمارات لسن مطلقات. فكان الرد: ربما أراد الدكتور الكبيسي (التكثير) أي المبالغة وهذا أقرب إلى المجاز.

ومنهم من اختلف معه بموضوعية ودون حدة مدركا ان الرجل لم يقصد بحديثه طعنا ولا تثريبا على القضاء مرتئيا ان فضيلته اجتهد رأيا فأخطأ ومبنيا ان تصريحاته ليست بالدقة المتوجبة وغير قائمة على سند أو إحصائيات واقعية. والجانب الثالث والذي كان الأعلى صوتا وإثارة للمشاعر المتضاربة قام بتأويل حديث الرجل على نحو حاد يخرجه عن سياقه العام كمجرد رأي أو رؤية.

وعند سؤال آخر للوزير هل ترون في اتهام الدكتور الكبيسي للمحاكم بالتقصير في قضايا الطلاق والأحوال الشخصية إهانة موجهة للقضاء والقضاة في الدولة؟

أجاب معاليه: نحن نعيش في عصر المكاشفة والشفافية، وأنا شخصيا أجل الدكتور الكبيسي وأحترمه وأقدر عمله، وأنزهه عن القصد الخاطئ «الرجل»، وهو العالم الفاضل لم يرد توجيه إهانة إلى القضاة، وأراد لفت الأنظار إلى بعض القضاة كانوا في السابق يتشددون وفق مذاهب معينة من دون الأخذ بما فيه التيسير على الناس. ومعالجة القضايا بالتي هي أحسن.

وقال السركال مثل هذا الحديث الطيب الرزين لا يقوم في الحقيقة على مجرد حسن الظن بالكبيسي وإنما يقوم على شواهد موضوعية متعددة فضلا عن ان فيه من الكياسة والفطنة ما يرد على الجانب الثالث من المتأولين. ولقد كان من آثار هذا الحديث المتزن ان رأينا تراجعا من البعض عن دعوته في رفع دعوى الحسبة أو الدعوى الجزائية ضد الرجل. غير ان البعض لا يزال عند موقفه من الرجل ان لم يكن قد ازداد حدة وعنفا.

وأضاف ورغم احترامي لدوافع أصحاب دعوة الحسبة بيد أنني أعطي لنفسي الحق في الاختلاف معهم لأسباب، ان الكبيسي لم يقصد مطلقا إهانة القضاء ولا يجوز تأويل رؤيته حتى مع اختلافنا معه إلى هذا الاتجاه، سيما وان الرجل هو داعية إسلامي كبير ويتسم بآداب الداعية الوقور، وانه إذا كان للرجل رؤية ناتجة عن بعض الأحكام في بعض القضايا التي طرحت عليه فانه لا نعي على السادة القضاة وانما ينعي على بعض الأحكام التي لم ترقه من منطلق كونه حاملا لأمانة ثقيلة تتمثل في اضطلاعه بمهمة إعداد قانون الأحوال الشخصية الجديد.

وانه ليس من المنطق ولا حسن التعامل ان نؤلب «من اجل اختلافنا أو حتى خلافنا» أو نوغر الصدور التي تؤدي أجل المهام في المجتمع تحت مبادئ سامية أولها المبدأ العظيم الوارد في كتاب الله «ولا يجرمنك شنآن قوم على ألا تعدلوا»، وان القضاء ورجاله هم موضع ثقة هذه الأمة وموضع ثقة الدكتور الكبيسي نفسه وإلا فعلام قبل تلك المهمة الثقيلة التي جهد فيها هو ولجنته.

واختتم حديثه بالقول نعم اختلفنا مع الرجل ولكن حسبنا ان يظل خلافنا معه في إطار الاحترام المتبادل وحسن الظن والتفهم لطبيعة رؤية كل منا لقناعة الآخر دون تأليب، لذلك فإنني أهمس في آذان زملائي رجال القانون أصحاب دعوة الحسبة ان تهدأ ثورتهم على الرجل، وأقول لقد أباح الدستور والقانون لكل ذي مصلحة ان يطعن في أي مادة في القانون أمام القضاء (المحكمة العليا) إذا رأى عدم دستوريتها.

أبوظبي ـ إبراهيم السطري: