إذا كان المستهلك العادي قد أصبح ذا خبرة في التعامل مع زيادات الأسعار من كثرة تواليها، ويحاول بكل السبل تفادي أو الحد، قدر الإمكان، من تأثيراتها السلبية، فإن أحد المظاهر السلبية الأخرى لهذه الزيادات هو تأثيرها على أنشطة الهيئات والجمعيات الخيرية. ومع احتمالات إقرار زيادات جديدة في الأسعار فإن الكثير من أنشطة هذه الهيئات يتأثر لجهة التقليص نظراً لثبات الموارد. ومن أبرز الجهات الخيرية التي ستتأثر بهذا القرار هيئة الهلال الأحمر، إلى جانب جمعيات خيرية أخرى مثل جمعية بيت الخير.
في مواجهة هذه التطورات على صعيد الأسعار أكد خليفة ناصر السويدي رئيس مجلس إدارة هيئة الهلال الأحمر أنه بتوجيهات من سمو الشيخ حمدان بن زايد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدولة للشؤون الخارجية رئيس هيئة الهلال الأحمر سيتم رفع ميزانية الهيئة المخصصة للمشاريع والمساعدات المحلية من 50 مليون إلى نحو 80 مليون درهم خلال 2006.
وقال السويدي في تصريح لـ (البيان) أن هذه الزيادة التي سيتم إقرارها ضمن الميزانية الكلية للهلال الأحمر لمواكبة ارتفاع الأسعار الذي تشهده الأسواق المحلية والذي أدى إلى رفع أسعار العديد من السلع الأساسية مما ألقى بظلاله على العديد من الأسر محدودة الدخل والمحتاجة في الدولة ومنها فئة الأرامل والمطلقات وزوجات المرضى والسجناء وغيرها من الحالات الإنسانية.
* توسعة مظلة التأمينات
وأشار السويدي إلى أن الهيئة ستركز خلال الفترة المقبلة في مشاريعها الخيرية والإنسانية على توسعة مظلة المساعدات المحلية لتشمل العديد من الأسر المحتاجة في جميع المناطق إضافة إلى رفع قيمة المساعدة النقدية والعينية لتلك الأسر بما يتواكب مع ارتفاع الأسعار من خلال تقديم المساعدات المادية والعينية والطبية التي تشمل توفير تكاليف العمليات الجراحية لغير القادرين وتوفير الأجهزة الطبية والتعويضية إضافة إلى كفالة طلاب العلم ورعاية أسر السجناء.
وحول اتجاه بعض الموردين إلى رفع أسعار بعض السلع، أكد السويدي أن الهلال الأحمر يعتمد بدرجة كبيرة على توفير الاحتياجات العينية للأسر المعوزة في الدولة ومشاريع الإغاثة الخارجية على السوق المحلي وأشار إلى انه بالرغم من أن الهيئة تحصل عادة على أسعار خاصة ومخفضة من قبل بعض التجار، إلا أن الزيادة في الأسعار ستؤثر بشكل مؤكد على مئات الأسر وبالأخص محدودة الدخل. وقال إن رفع ميزانية الهلال للمشاريع المحلية قد يواكبه زيادات متتالية في أسعار بعض السلع، وبالتالي ينبغي على الجهات المختصة التدخل لمنع هذا الارتفاع والسيطرة على الأسعار.
وناشد السويدي التجار والموردين ضرورة مراعاة ظروف العديد من الأسر محدودة الدخل في الدولة وخاصة فيما يتعلق بالسلع الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها منوها إلى أن زيادة الأسعار تؤدي إلى زيادة معاناة الأسر.
يذكر أن قيمة المساعدات والمشاريع الخيرية التي نفذتها الهيئة داخل الدولة خلال العام الجاري بلغت أكثر من 50 مليون درهم شملت المساعدات الإنسانية المادية والعينية التي استفادت منها العديد من الأسر المعوزة داخل الدولة بقيمة تجاوزت 10 ملايين درهم إضافة إلى حوالي ثلاثة ملايين درهم لتوفير الرعاية الصحية والأدوية وكفالة طلاب العلم وتوزيع الأضاحي وتسيير الحجاج وغيرها من المشاريع الإنسانية.
* زيادة الميزانية متعذرة
أما الجمعيات الخيرية فقد أكدت خطورة قرار رفع أسعار السلع الغذائية على أعمال البر والتقوى للمحتاجين وذوي الدخل المحدود والمتوسط وحالات الإعانات الاجتماعية بالدولة وأعمال الإغاثة والخدمات العاجلة والطارئة للدول التي تتعرض لكوارث طبيعية.
وقالت المصادر إن رفع أسعار مواد غذائية في حالة إقراره وتنفيذه سيؤدي بالضرورة إلى زيادة الميزانيات اللازمة للاستمرار في أعمالها اعتباراً من العام المقبل. ويقول محمد بكار بن حيدر مدير جمعية بيت الخير أن نصف تبرعات الهيئة على شكل كوبونات غذائية وبطاقات وعدد المستفيدين منها 1600 أسرة مواطنة مستفيدة.
وأضاف أن الزيادات تضر هذه الفئة الفقيرة العاجزة، حيث إن القيمة الشرائية للكوبون 500 درهم كانت تفي بمتطلبات في السابق لمدة شهر، ولكن بعد الزيادات أصبحت لا تكفي سوى 20 يوماً، وإذا حصلت هذه الزيادة الثانية فعلى هذه الأسر الفقيرة إما أن تأكل وجبة واحدة يومياً أو تتبع حمية غذائية حتى تستطيع أن تعيش. وأضاف أن الجمعية لا تستطيع أن تزيد من قيمة الكوبونات الغذائية أكثر من 500 درهم، لأن مصادر دخلها محدودة ومعتمدة على الزكاة وتبرعات الناس.
وأشار إلى أن الجمعيات أجرت دراسة مسحية للمقارنة بين الأسعار من بداية هذه السنة حتى الربع الأخير ووجدت أن الأسعار تجاوزت 30% ومع هذه الزيادة ستصبح هذه الفئة المعدمة في سباق على لقمة العيش. وأضاف أن جهود وزارة الاقتصاد أقل بكثير مما كنا نأمل كمؤسسات رعاية اجتماعية. ووجه بكار نداء إلى التجار والمستفيدين بأن يعينوا الأسر الفقيرة. مشيراً إلى أن الزيادة تخلف أثراً كبيراً ليس فقط على هذه الأسر وإنما على الأسر ذات الدخل المحدود أيضاً.
وأضاف محمد المهيري عضو مجلس إدارة جمعية دار البر ومدير الشؤون المحلية والزكاة أن جمعية البر قامت العام الحالي بصرف ما يقارب مليون درهم لشراء مواد غذائية وتوزيعها على مئات الأسر من أصحاب الدخل المحدود وفي حال رفع أسعار المواد الغذائية إلى نسبة 30% سيكون لهذا أثر سلبي على هذه الأسر التي تعتبر المعونات مصدراً مهماً جداً في حياتها وسيؤثر في نواحٍ أخرى لهذه الأسر الفقيرة وسيزيد من الأعباء على كاهلها.
* تأثر الكوبونات
وأكد صالح زاهر القائم بأعمال المدير في مؤسسة الشيخ محمد بن راشد للأعمال الخيرية أن الكوبونات الغذائية التي تُوزَّع على أكثر من 600 أسرة فقيرة في الدولة ستتأثر بهذه الزيادة كثيراً.
وأضاف أنه قبل سنة كانت هذه الكوبونات تكفي لسد احتياجات هذه الأسرة لمدة شهر، أما بعد هذه الزيادات فقد تلقينا الكثير من الشكاوى حول أن الكوبون الذي يُصرف بقيمة 500 درهم أصبح لا يفي بالمتطلبات الغذائية بسبب موجة الارتفاع المستمرة. وأكد أنه يجب على الجهات الاقتصادية الحد من هذه الزيادة وجعل الرؤية واضحة أمام المستهلك عن أسباب الزيادة وإلى متى ستستمر.
ومن جانب آخر، قال المهندس عبدالرحمن الشارد الأمين العام لمؤسسة الأوقاف وشؤون القُصَّر إن زيادة أسعار السلع والخدمات في الدولة في ارتفاع مستمر من دون ضابط لها، وهي في الغالب بسبب جشع بعض التجار من منتجي هذه السلع، ونحن في المؤسسة نتعامل مع شرائح مهمة في المجتمع ألا وهي فئة الأيتام والقُصَّر ونشعر بمعاناتهم نتيجة الارتفاع المستمر في الأسعار وخصوصاً على محدودي الدخل منهم.
وأشار إلى الأثر البالغ والمباشر على هذه الفئة، مضيفاً أن أية زيادة في أسعار السلع والخدمات تمثل عبئاً إضافياً على كاهل وميزانية المؤسسة، فنحن مطالبون دائماً بزيادة المساعدات والنفقة الشهرية كلما زادت الأسعار.
وقال زكريا الجزيري موظف: نرجو من وزيرة الاقتصاد التدخل الفوري. وأضاف ان الكثير من المواطنين كانوا يأملون من وزيرة الاقتصاد تحسين الحال، حتى جاء هذا القرار المفاجئ الذي سيثقل كاهل الكثير من الأسر وخاصة الأسر الفقيرة والشرائح الكبيرة من المواطنين المثقلين بالديون. وأشار إلى أن الارتفاعات التي شهدتها الدولة في الآونة الأخيرة غير معقولة وستزيد من الأعباء المادية في المجتمع.
* راتب الشؤون الاجتماعية يتبخر
وقالت أم جمعة في السبعين من عمرها: «ببساطة كيف نستطيع العيش في هذا الغلاء الفاحش، الكل يزيد الأسعار ولا رقابة عليهم، بمنطق غصبا عن الجميع». أنا إنسانة بسيطة أعيش على راتب الشؤون الاجتماعية كيف لي بتلبية الاحتياجات البسيطة وسط جشع التجار وموردي الحليب واللبن لم لا يأخذون ملابسنا بعد.
وأضافت أن معاش الشؤون ثابت لا يتغير والأسعار نار، وبالكاد نكفي أمورنا المعيشية، اليوم اللبن وغدا السمك والدجاج وغيره.
وأشارت «لقد عشنا في السابق حياة صعبة جدا وشحيحة من ناحية المأكولات الغذائية لكن الرضا والقناعة والتآزر المجتمعي كان يحمينا، وحمدنا الله على النعمة اللي جاءتنا، لكنها تحولت لنقمة من الدخلاء والطماعين الذين صعبوا الحياة علينا.. الغني لا يبالي لكن الفقير هو من يعاني ويدفع من جيبه ليملي جيب الطماع، «شو يبغون يمصون دمنا».
وأضافت: «أتمنى من الحكومة أن تتصدى لهم، وتعاقبهم أشد العقاب فبراتب الشؤون نقضي الحوائج، لكن الغلاء وصل لكل شيء، الآن ندخل السوق بألف درهم وبالكاد نشتري الكماليات».
متابعة ـ خولة محمد وماجدة ملاوي:
