تسبب إعلان الموردين نيتهم رفع أسعار الأغذية بما يصل الى نحو 30% في حالة من الترقب والقلق في مختلف الأوساط التي بدا أن الأمر جاء بمثابة الصدمة بالنسبة لها، وعاد هذا الاتجاه بالمستهلك إلى الوراء شهوراً خلال الفترة التي ازدادت فيها أسعار مجموعة من السلع كان لابد معها من زيادة الرواتب، فكان قرار صاحب السمو رئيس الدولة بزيادة الرواتب بمثابة الدواء الذي خفف من حدة الموقف، والآن ولم يكد يمر سوى شهور معدودة على هذا القرار إلا ووجد المستهلك نفسه مرة ثانية أمام دوامة جديدة لزيادة الأسعار لا يعلم سوى الله أين تنتهي به.

في مواجهة المقبل من تطورات قد يكون لها تأثيرها السيء ليس على المستهلك فقط، وإنما على أوضاع عدة على مستوى الدولة، رفض الاتحاد التعاوني الاستهلاكي خلال اجتماع عقده أمس زيادة أسعار الموردين، مما يمثل خطورة تثلج الصدور، غير أنه قرر في الوقت ذاته عقد اجتماع آخر في 2 يناير المقبل يخشى البعض أن يكون الاجتماع الذي يتراجع فيه عن رفضه.

وسط كل ذلك يطرح السؤال نفسه: من المسؤول.. هل الأمر يعكس بالفعل زيادة في أسعار تكلفة الانتاج كما يقول الموردون، أم أنه يعكس جشعاً وطمعاً من قبل الكثير منهم، أم يعكس غياب دور الأجهزة المسؤولة وعلى رأسها وزارة الاقتصاد والتي يحملها الكثيرون قدر لا بأس به من المسؤولية؟

أم هو تساهل المستهلك وعدم وقوفه وقفة حازمة للجم أي زيادة في الأسعار فقد أكد الاتحاد التعاوني رفضه لزيادة الأسعار من قبل موردي المواد الغذائية والاستهلاكية وعدم السماح لأية جمعية بقبول الزيادة في الأسعار إلا بعد موافقة لجنة مديري الجمعيات للمشتريات التي ترصد أسعار المنتجات.

وتم خلال الاجتماع الذي عقد صباح أمس في مقر الاتحاد التعاوني الاستهلاكي الشارقة وبحضور مديري المشتريات في الجمعيات التعاونية بالدولة لمناقشة موضوع زيادة الأسعار المقدمة من الموردين والتي تترواح بين 10 إلى 30 في المئة مناقشة السبل لإيجاد صيغة اتفاق معينة يتم التوقيع عليها من قبل المورد والجمعيات التعاونية بعد موافقتهم على نسبة الزيادة على أن تكون هذه الزيادة من خلال توجيهات الاتحاد التعاوني.

كما ناقش الاجتماع قوائم زيادة الأسعار المقدمة من الموردين وأسبابها وحجم الزيادات الحاصلة في الفترة السابقة وتحديد الاجتماعات اللاحقة للجنة التي سيتم من خلالها التوصل إلى آلية للحد من زيادة الأسعار على مستوى الجمعيات التعاونية التي يجب عليها بالتعاون مع الجهات الحكومية إيجاد وسيلة للحد من الزيادة التي ستطال السلع الأخرى بمجرد حصول زيادة في سلع محددة. وتم في نهاية الاجتماع تحديد الثاني من يناير المقبل موعداً للاجتماع الثاني الذي سيعقد في مقر الاتحاد التعاوني بالشارقة لمتابعة مناقشة موضوع زيادة الأسعار.

وأكدت مصادر مطلعة لـ «البيان» أنه سيتم إرسال قائمة بأسماء المواد التي يرغب الموردون في زيادة أسعارها ونسبة هذه الزيادة ليتم اتخاذ قرار مناسب خلال الأيام المقبلة في هذا الخصوص وذلك في إطار الاتصالات التي تجري بين الاتحاد التعاوني كممثل للجمعيات التعاونية وبين وزارتي الاقتصاد والعمل لوضع حد لهذه الزيادات الكثيرة.

وحصلت البيان على نسخة من قائمة الزيادات التي طالبت بها هيئة منتجي الألبان والعصائر والتي تصل في بعض المنتجات إلى 64% وتنص على أن نسبة الزيادة المطلوبة في منتجات الألبان الطازجة تتراوح بين 7% إلى 29% أما بالنسبة للمنتجات المصنعة من حليب البودرة فتتراوح نسبتها من 16% إلى 64% وبالنسبة للعصائر الطازجة فإن نسبة الزيادة فيها تتراوح بين 20% إلى 28%.

* تعزيز حماية المستهلك

وحول الدور الذي من الممكن للاتحاد التعاوني والجمعيات التعاونية القيام به لمواجهة طلبات الموردين زيادة الأسعار يقول حسن الكثيري رئيس جمعية حماية المستهلك السابق إن لتحقيق هذا الدور لابد من إجراء تغيير في قانون الجمعيات التعاونية بحيث تكون قادرة على إنشاء فروع في جميع مناطق الدولة وأن تقوم الجمعيات بعمليات اندماج حقيقي وتعاون كبير حتى تشكل كتلة كبيرة وضخمة لمواجهة عمليات الاحتكار الحالية بتشكيلهم شركة واحدة، وبهذا الشكل تكون قادرة على خلق حالة من التوازن في السوق ومنع زيادة الأسعار.

وأشار إلى ضرورة إيجاد تشريعات وقوانين تتعلق بمنع الاحتكار بمقتضاها يمنع قيام جهات معينة بالاجتماع وإقرار زيادة الأسعار فيما بينها كما حدث حالياً مع هذا المقترح الذي تقدم به الموردون، ولهذا فلابد على الجهات المسؤولة عن هذا الموضوع الاجتماع وإيجاد قوانين وتشريعات تحمي المستهلك الخاسر الأول والأخير من قضايا زيادة الأسعار القديمة الجديدة التي لم تعد تحدها حدود، ولاسيما عندما تتم مقارنة الأسعار الحالية مع الأسعار في البلدان الخليجية الأخرى التي تتشابه بيئتها مع بيئة الإمارات الاقتصادية والاجتماعية فإننا نجد هناك ارتفاعاً في الأسعار عنها، وفي حال وجود ظروف تقود إلى زيادة في الأسعار فإنه لابد من وضع مبررات مقنعة وواضحة بشأن الزيادة المقترحة للمستهلك.

وحذر الكثيري من أن هذه الزيادة في بعض المواد سوف تؤدي إلى زيادة في بقية المواد تباعاً وأما فيما يتعلق بالمبررات التي يضعها الموردون للزيادة فقال: أن هذه المبررات تحتاج إلى دراسة واضحة والتعرف بشكل عميق على آثارها للخروج بقرارات مناسبة في هذا الخصوص دون المبالغة بحجم تأثيرها والخسارات التي تسببها.

* الجمعيات.. سلطات محدودة

من جهته يقول فيصل العرشي نائب مدير جمعية أبوظبي التعاونية ان الجمعية لا يمكن ان تفعل أي شيء في مواجهة قيام الموردين برفع الأسعار التي تورد بها السلع والمنتجات المختلفة للجمعية وهذا يحدث باستمرار ولا تملك الجمعية أية سلطات لكي تثنيها عن زيادة أسعار التوريد.

وأضاف ان الجمعيات عبارة عن منافذ بيع فقط للمستهلكين بالتجزئة وبالتالي فاننا نقوم بالشراء من عدة مصادر وموردين مختلفين وبالتالي اذا قام المصدر بزيادة السعر فماذا نفعل نحن واذا امتنعنا عن التعامل مع أي مورد فانه لن يضيره شيء حيث سيلجأ إلى منافذ وموزعين اخرين وتكون الجمعيات هي المتضررة وكذلك لعدم توفير السلع للمستهلكين الذين سيذهبون إلى تجار آخرين.

ويدعو العرشي إلى قيام الأجهزة المعنية في الدولة كوزارة الاقتصاد بدورها في الرقابة والسيطرة على الأسعار في الأسواق وان تضع آليات معينة لضبط الأسعار مضيفاً أنه لابد من إيجاد حلول جذرية لهذه المشكلة حيث لا يمكن ان تقوم أي جمعية بتخفيض السعر عن السائد في السوق أو تبيع بأسعار لا تتناسب مع الأسعار التي تم الشراء بها وتضع هامش ربح قليل.

ويشدد على ضرورة البحث عن مصادر بديلة للتوريد وان تقوم الجهات المعنية بتحديد أسعار بيع السلع الأساسية وان تراقبها كما تقوم بعض الدول الرأسمالية والمعروف عنها بإطلاق حرية الأسعار إلا أن هناك سلعاً معينة تخضع للرقابة والسيطرة، حيث تحدد أسعار البيع من قبل الموردين لتجار التجزئة وأسعار بيع للمستهلكين والجميع يلتزمون.

ويضيف ان الجمعيات تجبر على الالتزام بالأسعار التي يتم التوريد بها والأكثر من ذلك ان هناك بعض الجهات تقوم بتحديد أسعار البيع للمستهلك وتلزم الجمعيات بها مثل اتحاد منتجي الألبان الذي يحدد السعر ولا يمكن أن نخالفه، مقابل ذلك لم نر تدخلاً من أي جهة معينة، مما يجعلنا نضطر للبيع بأسعارهم.

* مطلوب وقفة حازمة

أما محمد حسن الشامسي رئيس مجلس إدارة جمعية رأس الخيمة التعاونية فقال إن الاتحاد التعاوني كان صلباً في وجه محاولات الموردين رفع أسعار المواد الغذائية الاستهلاكية في الفترة السابقة. وقال الشامسي إن الموردين سعوا في شهر رمضان الماضي حثيثاً لزيادة أسعار بعض السلع، لكن الاتحاد وقف في وجه تلك الزيادات بل هدد بعدم التعاون مع الشركات التي تمضي قدماً في تنفيذ تهديداتها برفع الأسعار.

وأوضح الشامسي ان الجمعيات التعاونية بالدولة تعمل تحت مظلة الاتحاد التعاوني ولذلك ليس بوسعها اتخاذ قرار منفرد بشأن التعامل مع الموردين سلباً او ايجاباً.

وأكد الشامسي أهمية دور الجمعيات التعاونية لكبح الغلاء المعيشي الذي اخذ يستشرى في الساحة التجارية بمختلف اشكالها وتعاملاتها. وقال من المعلوم ان الربح المادي ليس على رأس أولويات الجمعيات التي أنشئت بمساهمة المواطنين وانما الهدف هو توفير احتياجات الأسر بأقل تكلفة وتحقيقاً لهذا الهدف العظيم يقوم الاتحاد التعاوني نيابة عن الجمعيات بالتعاقد مع موردين يوفرون السلع وهي تحمل شعار الاتحاد وذلك بأسعار تقل 30% تقريبا أو أكثر من ذلك مقارنة بالسوق.

والشامسي كغيره من الناس على قناعة بالمتغيرات التي أحدثتها زيادة أسعار الوقود ولكنه لا يرى مبرراً لفرض أسعار مرهقة على المستهلكين الذين لا يملكون أصلاً القدرة المادية الكافية لتغطية مستلزمات الصرف على الأكل والشرب وبقية الاحتياجات. ويضيف: انه في ضوء الارتفاع المتسارع للحياة المعيشية باتت الأسر تواجه حياة معقدة يشعر فيها الإنسان بالضعف في مواجهة ارتفاع التكاليف المادية سواء بالصرف على المعيشة أو وقود السيارة.

متابعة سليمان الماحي ـ ممدوح عبدالحميد ـ عمر بدران: