أبطلت المحكمة العليا الليبية أمس الحكم بإعدام الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني المتهمين بنقل فيروس «الايدز» إلى أطفال ليبيين، وقررت إعادة محاكمتهم، الأمر الذي اعتبرته صوفيا «فرصة جديدة» لإطلاق المدانين، كما رجح دبلوماسي مطلع ان يتم ذلك أوائل العام المقبل.

وأدين الطبيب الفلسطيني والممرضات البلغاريات الخمس بتعمد إصابة 426 طفلا ليبيا بفيروس «اتش.اي.في» المسبب ل«الايدز». ودفع الستة ببراءتهم وقالوا ان اعترافاتهم انتزعت تحت التعذيب. وكان الستة المحبوسون منذ عام 1999 قد صدر عليهم حكم بالإعدام رميا بالرصاص في القضية التي صارت تشكل عقبة أمام مساعي ليبيا لتحسين صلاتها مع الغرب.

وأمرت المحكمة الليبية العليا بعد جلسة استمرت ساعة ولم يحضرها المتهمون وجرت خلالها مداولات بين القضاة والمستشارين بإعادة القضية إلى «محكمة الجنايات في بنغازي للنظر فيها من قبل دائرة أخرى».

وقال رئيس المحكمة العليا علي العلوص، لدى النطق بالحكم في طلب الاستئناف المقدم من المتهمين الستة ان المحكمة قبلت الطلب وأنها ستعيد قضاياهم للمحكمة الأقل درجة لإعادة محاكمتهم. وأضاف انه «وفق التشريع الليبي فان قبول المحكمة بحكم الطعن وإعادة القضية إلى التداول من جديد (يعني ان) المتهمين يتحولون إلى موقوفين على ذمة القضية».

وقال محمود مغربي أحد المحامين عن الممرضات، ان المحكمة العليا أيدت طلبات الاستئناف من حيث الشكل والمضمون وهو ما يعني إلغاء أحكام الإعدام وأن محكمة أقل درجة ستعيد المحاكمة وستصدر حكما جديدا.

وأبدت وزارة الخارجية البلغارية رد فعل ايجابيا تجاه الحكم، وقال الناطق باسمها ديميتار تسانتشيف، ان صوفيا تأمل في ان تكون إعادة المحاكمة وإلغاء حكم الإعدام «إقراراً بحدوث مخالفات اجرائية خطيرة في المحاكمة». وأضاف ان «هذا القرار يعطي فرصة جديدة للحصول على ما يتمناه جميع البلغاريين»، أي إطلاق الممرضات المحكوم عليهن.

وقال أحد محامي البلغاريات هاري هارالامبييف «انه نبأ سار لكننا نستعد لجلسات قضائية طويلة... وعلى الدبلوماسية ان تتحرك».كما أعرب الرئيس البلغاري جورجي بارفانوف عن ارتياحه للقرار.

وقال «تم إلغاء أحكام الإعدام الظالمة ونأمل ان تؤدي السرعة والفعالية التي أبداها القضاء الليبي خلال الأيام القليلة الماضية إلى إنهاء المحاكمة في اقرب وقت ممكن».

وأضاف «ان هذه المحاكمة الجديدة ستفتح المجال أمام انجاز المبادرات الدولية لمساعدة ضحايا هذه المأساة في بنغازي وعودة العلاقات التقليدية الجيدة بين بلدينا».

وصرح منسق الدفاع البلغاري تراين ماركوفسكي «انه أفضل نبأ تلقيناه بمناسبة عيد الميلاد. انه يدعو إلى التفاؤل لأنه ستتاح لنا فرصة تقديم المزيد من الأدلة التي تبرهن على براءة المتهمين».

لكن أهالي الأطفال المرضى تجمعوا في شارع قريب من المحكمة تعبيرا عن الغضب والمرارة. وقال محمد صلاح الذي أصيبت ابنته بفيروس الايدز «الحكم الصادر اليوم يؤخر مرة أخرى صدور حكم نهائي في القضايا ويطيل معاناة الأسر. ذلك الحكم سيؤذي مشاعرهم وهم يرون أبناءهم يموتون ببطء».

وقال أمين رابطة تضم أسر الأطفال المصابين بالايدز رمضان فيتوري ان المحكمة الأقل درجة يمكن أن تعيد تأكيد الحكم بالإعدام عند إعادة المحاكمة. وأضاف «ما من شك أن هذا يطيل من معاناتنا ولكن حكم اليوم لا يعني بالضرورة أن المحكمة الأقل درجة لن تؤكد أحكام الإعدام. لتلك المحكمة سلطة إصدار أحكام الإعدام مرة أخرى».

وكانت طرابلس لمحت إلى ان الإحكام يمكن الغاؤها اذا دفعت صوفيا أموالاً لتعويض أسر الضحايا وتغطية علاج الأطفال المصابين. وذكر مسؤول في مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية التي يترأسها سيف الإسلام القذافي ان الجانبين الليبي والبلغاري سيجتمعان الأربعاء للاتفاق على التفاصيل المالية التي تخص أهالي الأطفال.

وذكر دبلوماسي غربي رفيع في طرابلس يرى انه على دراية بأسلوب تفكير كبار المسؤولين الليبيين الذين يتعاملون مع القضية أنه يتوقع أن تتفق بلغاريا وليبيا على تفاصيل الاتفاق الخاص بالرعاية المالية والصحية للأطفال.

وقال «ستقنع الحكومة الليبية الأسر بأن الصفقة جيدة وستدفع بممثليها ومحاميها للذهاب للمحكمة وستعلن العفو عن الممرضات والطبيب». وأضاف أن المحكمة ستصدر بعد ذلك حكما بسجن الممرضات مدى الحياة. وتابع «بعد ذلك ستعلن الحكومة الليبية أنها اتفقت مع بلغاريا على تسليم السجينات لتمضية حكم السجن في وطنهن وستسافر الممرضات لوطنهن في أوائل العام المقبل».

طرابلس ـ سعيد فرحات والوكالات: