الآبار الجوفية المهجورة منتشرة في كل مكان برأس الخيمة، ولذلك باتت خطراً يتهدد حياة الناس وممتلكاتهم. وقبل مدة بلغت خطورة تلك الآبار ذروتها بسقوط رجل طاعن في السن في واحدة منها، في حين تلقى الدفاع المدني بلاغاً بوجود امرأة داخل بئر مهجورة. ووصف أحد الأشخاص الآبار المهجورة بأنها ألغام مكشوفة تصطاد الجميع.

ومن المعلوم فإنه قبل تطور وسائل الري كانت الآبار الجوفية هي المصدر الوحيد لتوفير المياه الصالحة لشرب الأهالي، ويروي الحقول، حيث كان أهالي المنطقة يستخدمون آلة خشبية يطلقون عليها «اليازرة»، وعملية تحريكها تتم بواسطة الثور لسحب الماء من جوف البئر.خدمات جليلة ويقول عبدالله الصرومي وهو من أبناء منطقة شمل وأحد المواطنين المهتمين بالتراث: قبل اكتشاف النفط وتطور الحياة قدمت الآبار الجوفية خدمة جليلة لأهالي رأس الخيمة، حيث كانت تمدهم بالماء الذي يشربونه ويسقون حيواناتهم، ويروون به حقولهم.

ويضيف الصرومي: باختصار فإن الحياة يومذاك كانت تعتمد بصورة أساسية على ما يجود به جوف الآبار من ماء عذب صالح للشرب. ولكن تطور الحياة أبعدها جانباً، فلم تعد الآبار الجوفية ذات نفع بل صارت عبئاً يتهدد حياة الناس وأملاكهم.

ويلاحظ أن الزحف السكاني إلى جانب هروب المزارعين من المهنة ساهم في تعطيل نشاط الآبار الجوفية، كما أن شح الأمطار في السنوات الأخيرة أدى إلى جفاف بعض تلك الآبار وموت أشجار النخيل وغيرها.

تطورات بيئية

ويقول راشد ناصر: من سوء الحظ فإن السنوات الأخيرة شهدت تطورات بيئية لم تكن في صالح القطاع الزراعي، كما أنها عجلت بانتهاء دور الآبار الجوفية.

ويضيف: ليس معنى ذلك أن الجفاف كان السبب المباشر في ذلك وإنما ـ أيضا» ابتعاد المواطنين عن مهنة الزراعة وبالنسبة للأوساط الأمنية فإن الآبار الجوفية المهجورة تشكل مصدراً لخطر مزعج ولا شيء يمنع من أن يكون وكرا للجرائم وملاذا للمجرمين.

التسوير أو الردم

وقال العقيد خلفان بن نايع الخاطري مدير إدارة العمليات في شرطة رأس الخيمة إنه نتيجة لوجود آبار جوفية عميقة مهملة وغير مغطاة يمكن توقع حدوث كل أمر سيئ.

وأضاف الخاطري: طالما أن تلك الآبار منتشرة في أماكن خلوية وعرة ومكشوفة فإن من المحتمل ان يلجأ إليها المجرمون لإخفاء معالم جرائمهم.

وتتركز مطالب الخاطري في أن تقوم الجهات بردمها أو تسويرها لمنع الناس والحيوانات من الوصول إليها.

ويتفق مبارك علي الشامسي مدير عام بلدية رأس الخيمة مع ما يقوله العقيد الخاطري بشأن الإسراع في وضع حد لمخاطر الآبار المهجورة.

ويقول انه لمجرد مشاهدة تلك الآبار العميقة وهي مكشوفة يكفي دليلا لمعرفة الخطر الذي يتهدد حياة الناس وممتلكاتهم.

وبالنسبة لمدير البلدية فإن المعالجة ينبغي ان تتم من خلال مطالبة أصحاب الآبار الجوفية بالعمل على ردمها أو تسويرها.

ويضيف «من المؤكد فإن سقوط رجل طاعن في السن في إحدى الآبار المهجورة بخور خوير مؤخراً يمثل إنذاراً للعمل من أجل تفادي خطر الآبار الجوفية المكشوفة».

تراث وطني

ولكن من الناس من ينظر إلى تلك الآبار على أنها باتت جزءاً من تراث الوطن، ولذلك يتعيَّن المحافظة عليها. ويقول العقيد سعيد علي مطر امباسي مدير إدارة الدفاع المدني: إن تلك الآبار الجوفية جزء مهم من تاريخ هذه المنطقة حيث لعبت دوراً مهماً في الحياة التي كانت سائدة وقتذاك، فالأهالي كانوا يعتمدون عليها بصورة مباشرة في توفير مياه الشرب والزراعة لتوفير الغذاء وأعمال البناء.

ويستطرد قائلاً: كان تطور الحياة هو الذي أجبر الآبار الجوفية على التقاعد، فإن من الأهمية المحافظة عليها باعتبارها صارت جزءاً من التراث الذي هو ضروري لتعريف الأجيال القادمة بمسيرة الحياة التي قادها الأجداد بشهامة ورباطة جأش وحنكة وهو ما كان له الأثر في المحافظة على النسيج الاجتماعي ووحدة مجتمع الإمارات إلى يومنا هذا.

ومن وجهة نظر امباسي فإن أبناء الدولة صغار السن عندما يتم اصطحابهم لمشاهدة الآبار الجوفية القديمة فإن من المؤكد أن إحساساً بالمسؤولية سينتابهم تجاه الآباء والأجداد الذين حفروا تلك الآبار اعتماداً على قوة أبدانهم من أجل توفير الماء ليشربوا منها ويزرعوا المحاصيل للأكل وكذلك لتشرب حيواناتهم.

كما أن من شأن تلك الآبار المهجورة أن تقدم للأجيال درساً يتعلمون منه مسيرة التطوُّر التي شهدتها بلادهم في ظل قيادتها الرشيدة. وحول المخاطر الأمنية للآبار الجوفية المهجورة يعترف مدير إدارة الدفاع المدني بوجودها مشيراً إلى أهمية إيجاد حلول لها.

رأس الخيمة ـ سليمان الماحي: