أكد المستشار حسن الحفناوي أن المحاكم الشرعية والمدنية من المعالم البارزة في الدولة والتي يفخر بها أي إنسان حيث جمعت أساتذة من فقهاء الشريعة المتخصصين في القضاء الإسلامي، وتميزوا بمكارم الأخلاق وسعة الصدر واتساع الأفق.
وقال في تعقيبه على ما أثير حول قانون الأحوال الشخصية ان موضوع الطلاق من الموضوعات المهمة في حياة الرجل والمرأة ويتعلق بالحلال والحرام وصحة الأنساب، وغيرها من أمور خطيرة في حياة الأسر.
وفيما يلي تعقيب المستشار حسن الحفناوي:
طالعت المناقشات الدائرة حول الطلاق البدعي، والطلاق عند الغضب والطلاق الثلاث بكلمة واحدة أو في مجلس واحد، ولا ريب أنه موضوع مهم في حياة الرجل والمرأة جميعا ويتعلق بالحلال والحرام وصحة الأنساب إلى غير ذلك من أمور خطيرة في حياة الأسر بل في الدولة، فما الدولة إلا مجموعة من الأسر، وكنت أرجو في موضوع خطير كهذا ألا تلقى فيه الأقوال على عواهنها، بل تخضع للبحث والتمحيص.
والطلاق عموماً من أبغض الحلال لقول النبي عليه الصلاة والسلام «ما أحل الله شيئا أبغض إليه من الطلاق» أخرجه أبو داود من حديث محارب بن دثار مرسلا، وأخرجه أيضا من حديث ابن عمر موصولا، ورجع ابن حجر في التخليص إرساله، وقسم أهل العلم الطلاق إلي سني وبدعي.
فالسني هو ما وافق إيقاعه شروط السنة، والبدعي غير ذلك، واتفق جمهور أهل الفقه على وقوع الطلاق البدعي، مع وقوع الإثم فيه، واستدلوا على ذلك بطلاق ابن عمر لزوجته وهي حائض «وهو طلاق بدعي» فلما أخبر عمر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك قال « مرة فليراجعها ثم ليتركها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق» «حديث متفق عليه رواه الشيخان».
ولذلك قالوا ان كانت الطلقة البدعية بائنة بينونة كبرى تعذر الرجوع واستقر الطلاق وبذلك أفتى ابن عمر كما رواه مسلم وغيره. فلا ينبغي في مثل هذا ان يحتكم الرجل لنفسه، بل لابد من اللجوء للمحكمة الشرعية أو استفتاء من يوثق بعلمه من أهل العلم.
أما طلاق الغضبان، فكثير من قدامى الفقهاء قالوا بوقوعه، حتى قال الفقيه ابن السيد «لو كان طلاق الغضبان لا يقع لم يقع على أحد طلاق، فالرجل لا يطلق إلا وهو غضبان «نيل الأوطار ج6 ص 236» وقال الفارسي «في مجمع الغرائب» مثله واقترب من ذلك كثيراً الحافظ ابن حجر في فتح الباري وابن قدامه في المغنى، وغيره من المفسرين.
بيد أن فريقاً من الفقهاء تنبهوا للحديث الشريف الذي روته عائشة يقول: «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق» (رواه ابن ماجة في سننه)، وقد رواه أيضاً الحاكم وصححه على شرط مسلم، وتعقَّبه الذهبي.
وقال إن في سنده محمد بن عُبيد ولم يُخرج له مسلم شيئاً وأن أبا حاتم ضَعّف محمد بن عبيد، ولكن الشيخ البنا شارح الفتح الرباني في مسند أحمد بن حنبل قال إن محمد بن عبيد وثقه ابن حيان كما قال إن الحاكم أخرجه من طريق آخر صحيح ليس فيه محمد بن عبيد.
فالحديث إذا صحيح، واختلف العلماء في تفسير كلمة (إغلاق) فمن قائل إنها تعني الجنون، ومن قائل الإكراه، ومن قال: السُّكر. والحق ما قاله الكثيرون إن الإغلاق هو ما يغلق على الإنسان قصده سواء كان نتيجة إكراه أو غضب أو ما شابه ذلك. وفسر صاحب (الشافي) الإغلاق بأنه الغضب.
وقال الإمام أحمد بن تيمية: «الإغلاق أن يُغلق على الرجل قلبه فلا يقصد ما قاله، أو لم يعلم به، كأنه انغلق عليه قصده وإرادته). وقال الإمام البخاري ترجم في صحيحه فقال: «باب الطلاق في الإغلاق والمكره والسكران والمجنون) وعلّق على ذلك الحافظ ابن حجر، فقال: «وفي عطفه على الإغلاق نظر، إلا أن كان يذهب إلى أن الإغلاق هو الغضب).
وقسم الفقيه الحنبلي ابن قيم الجوزية (في كتابيه زاد المعاد وأعلام الموقعين) الغضب إلى ثلاثة أنواع، الأول: يذهب من الشدة بحيث يزيل العقل، فلا يشعر صاحبه بما فعل أو قال، ورتب على ذلك أن الطلاق لا يقع (بغير نزاع). والثاني أن يكون الغضب في مبادئه فلا يمنع صاحبه من تصور ما يقول ويفعل وقصده إياه.
ورتب عليه وقوع الطلاق (بغير نزاع). والثالث غضب يشتد ويستحكم ولكنه لا يزيل العقل بل يحول بين الغاضب ونيته، بحيث يندم على ما فرط منه إذا زال غضبه. وقال عنه: «®. وهذا النوع محل نظر بين العلماء.. وإن عدم وقوع الطلاق في هذه الحالة قوي مُتجه..).
وأما الفقيه الحنفي ابن عابدين فقد تحدث في (الحاشية) بقول مشابه كثيراً لما تقدم.وجاء في فقه الإمامية (المختصر النافع) عدم وقوع طلاق الصبي والمجنون والسكران والمكره والمغضب مع ارتفاع القصد.
وجملة القول إن الطلاق تصرف شرعي إرادي يقع بإرادة منفردة، ويجب أن يستكمل صاحبه التمييز والعقل والإرادة. وهناك نوع من الغضب قد يقضي ـ مؤقتاً ـ على العقل، وهو أشد أنواع الغضب حيث لا يدري صاحبه بما فعل وبما قال وقد يحطم ما أمامه من دون وعي. وهذا حكمه كحكم المجنون لا يقع له طلاق. ونوع آخر يغضب فيه الرجل ولكنه لا يخرج عن عقله بل هو يدري ما يفعل ويقول، فهنا العقل صحيح.
والإرادة واعية منعقدة، والطلاق واقع. وهناك نوع بين هذين النوعين، العقل فيه موجود، وصاحبه متنبه تماماً لما يفعل ويقول، ولكن الغضب أفسد إرادته فجعله يلقي بالطلاق متسرعاً من دون قصد، وهذا الذي رجح الكثيرون أن الطلاق لا يقع به (راجع بحثاً مطولاً لنا في ذلك في كتابنا «أحكام الإسلام» طبع دار الشروق المصرية وقد أشار البحث إلى الفتاوى الكثيرة التي أخذت بهذا الرأي من دور إفتاء كثيرة).
ويبدو من ذلك أن الأمر صعب ولا يستطيع التمييز بين أنواع هذا الغضب إلا فقيه في الشريعة متمكِّن، بعد أن يستمع لأقوال المطلِّق والشهود إن كان هناك من شهد وقد يستمع لأقوال المطلقة. ولا يستطيع المطلِّق أن يقرِّر ذلك بمفرده.
أما محاكمنا الشرعية، وكذلك المدنية والجنائية فمن حق دولتنا الفتية أن تفخر بها، فالمحكمة الشرعية جمعت فحولاً من فقهاء الشريعة المتخصصين في القضاء الإسلامي.
وكثير منهم له مؤلفات مثمرة فضلاً عمّا تميزوا به من مكارم الأخلاق وسعة الصدر واتساع الآفاق. والإحساس بمشكلات الناس. وأما قضاة المحاكم المدنية فهم من جهابذة رجال القضاء، ولهم من خبرتهم وعلمهم ما يغني عن القول عنهم. وعلى كل حال فإن الدولة لا تعين في القضاء ـ مواطناً أو وافداً ـ إلا بعد اجتهاد في الاختيار ونظر للخبرة والسمعة والمؤهلات.
وأعجبني كثيراً تعليق الأستاذ إبراهيم التميمي شيخ المحامين لما فيه من موضوعية وصدق وذلك ليس عليه بغريب. والله تعالى ولي التوفيق.
أبوظبي ـ «البيان»: