مشكلة الرقابة على الأدوية ومستحضرات التجميل التي تباع في محلات «السوبر ماركت» والبقالات على أنها مواد عشبية وهي بالحقيقة ضائعة بين البلديات ووزارة الصحة والكل يرمي بالمسؤولية على الطرف الآخر.
فالصحة عندما يتعلق الأمر بمنتج دوائي يباع في (السوبر ماركت ) تخلي مسؤوليتها على الفور وتقول بأن ما يباع في محلات « السوبر ماركت » أو البقالات يقع ضمن اختصاصات البلدية.
والبلدية ترد بان جميع المنتجات الدوائية التي تدخل في صناعتها المواد الكيميائية هي منتجات مصرحة ومرخصة من قبل وزارة الصحة وبالتالي فالمسؤولية في هذا الجانب تقع على الوزارة لأنها الجهة المخولة بإصدار قرار سحب المنتج من عدمه.
قضية (البنادول) المقلد والمستحضرات والكريمات التي تباع في الأسواق كشفت المستور فالخلل قائم وتضارب الصلاحيات يحتدم كلما ظهر هناك مستحضر أو دواء مغشوش ومقلد في السوق. أطباء الأمراض الجلدية والصيادلة أكدوا من جانبهم أن نسبة كبيرة من مستحضرات التجميل و(الشامبوهات) .
والصابون التي تباع على اعتبارها عشبية ولا تحتوي على كيماويات هو كذب بكذب بدليل أن احد مستحضرات العشبية ( الجينسنغ ) والتي كانت تباع على أنها مستخلصة من الأعشاب تبين أنها تحتوي على الفياجرا المطحونة.
عيسى بن جكة المنصوري مسؤول الرقابة الدوائية في وزارة الصحة أكد أن مسؤولية الوزارة تتمثل في تسجيل وترخيص الدواء والسماح بتداوله مؤكدا بأن الأدوية التي تباع في محلات «السوبر ماركت » هي مسؤولية ثلاثية تقع على المستهلك وصاحب «السوبر ماركت » والبلدية.
حافظ غلوم اختصاصي الصحة العامة في بلدية دبي كشف لـ «البيان» أن البلدية تقوم الآن بوضع اللمسات الأخيرة للمختبر المخصص لفحص مستحضرات التجميل مؤكدا بأن المختبر الذي يعد الأول من نوعه في المنطقة سيكون مجهزا بأحدث الأجهزة العالمية وفقا للمواصفات والمقاييس العالمية. تفاصيل هذا الموضوع وأكثر في سياق التحقيق التالي.
* ضحية الكريمات
ريهام سنوسي وقعت كما تقول ضحية لأحد تلك الكريمات المرطبة التي يفترض ان جميع مكوناتها من المواد العشبية المعروف عنها بأنها إن لم تنفع لا تضر ولكنها فؤجئت بعد استعمالها للمرطب بحساسية شديدة صاحبها ظهور بقع حمراء.
لم يساورها الشك لحظة واحدة كما تقول بأن ما حدث نتيجة لاستخدامها المرطب بل راحت تتذكر كل ما تناولته من أطعمة إلى أن استقر بها الأمر في نهاية المطاف عند أحد أطباء الأمراض الجلدية.
والذي اخبرها على الفور بأنه ناجم عن استخدام المستحضر الذي يحتوي في تركيبته على مادة تسبب الحساسية لدى البعض وليس الكل وتؤكد أنها تعلمت من الغلطة تصديقاً للمثل القائل « كل إنسان يتعلم من كيسه».
أم محمد مواطنة تقيم في إحدى المناطق الشعبية في دبي تقول بأنها اضطرت في إحدى الليالي لشراء مرطبان فواكه مشكلة لطفلها البالغ من العمر تسعة أشهر ولكنها فؤجئت بعد فتحها للمرطبان بأنه تالف.
ولا يصلح للاستخدام فحاولت إرجاعه لصاحب البقالة فرفض تحت مبرر انه مفتوح لتكتشف وأثناء تواجدها في البقالة ان جميع المكيفات متوقفة عن العمل. وتتساءل كيف يسمح لمثل هذه البقالات ببيع هذه الأطعمة، وهل الجهات الاختصاصية تقوم بالتأكد من ظروف التخزين لدى البقالات ان كان ـ أصلا ـ مصرح لها ببيع هذه المنتجات ؟
*كذب في كذب
الدكتور إبراهيم كلداري أستاذ الأمراض الجلدية في كلية الطب في جامعة الإمارات يرى بأن معظم المستحضرات العشبية التي يدعي المروجون لها عدم احتوائها على مواد كيميائية هو كذب في كذب بل على العكس فإن نسبة المواد الكيميائية في هذه المستحضرات تكون أكثر من غيرها لإعطاء نتائج جيدة تجذب المستهلكين .
وخصوصا الجنس الناعم الذي غالبا ما يلهث وراء مثل هذه الخزعبلات ولكن في كثير من الأحيان تكون النتائج عكسية تماما كما حدث في موضوع المقوي الجنسي والذي بيع لسنوات دون ان يكتشف انه يحتوى على فياجرا مطحونة.
ويقول بأن هناك الكثير من المواد الكيميائية المحظورة تدخل في تركيبة بعض المستحضرات وتباع في الصيدليات والبقالات لا بل والأدهى والأمر ان هناك بعض الفضائيات تروج من خلال استضافة بعض عمالقة الطب الشعبي.
أوهاما ما انزل الله بها من سلطان وقد شاهدت بعض الحلقات بالصدفة وصعقت عندما سمعت ضيف البرنامج يتكلم عن خلطات للتخلص من الصلع وخلطات تعالج السرطان وخلطات أخرى تعالج السكري وفجأة تنهال المكالمات على البرنامج من سيدات من أرجاء الوطن العربي كافة يطلبن فيها رقم هاتف هذا « الطبيب » ومكان عيادته.
ويضيف الدكتور كلداري مشكلة الرقابة مشكلة مستعصية لأنها قائمة منذ زمن طويل ودعني أقولها بصراحة بأن الأسواق تشهد حالة من الفلتان الكبير وكل شخص يدخل أي منتج ويبيعه بلا حسيب أو رقيب ودون معرفة تركيبة المواد التي تتضمنها هذه المستحضرات وفي ظل هذه الأوضاع علينا ان نتوقع كل شيء.
ويقول مضاعفات الأدوية التي تباع على أنها مواد عشبية ولا تحتوي على مواد كيميائية نشاهدها بصورة يومية تقريبا وهناك بعض الخلطات الشعبية تباع من قبل العطارين والصيدليات ومحلات «السوبر ماركت ».
والبقالات دون وجود لأي ملصق عليها يوضح المواد التي دخلت في تركيبتها وهناك مستحضرات التجميل ومستحضرات البشرة تباع في المحلات والصيدليات ولا تخضع لأي رقابة ولا تحاليل مخبريه لمعرفة ما تحتويه في تركيبتها من مواد كيمائية وإنما تسجل على أنها مستحضرات مستخلصة من الأعشاب.
* الأدوية للصيدليات
الصيدلي كريم ذياب صاحب إحدى الصيدليات في دبي لديه بعض التحفظات على السماح لمحلات «السوبر ماركت » والبقالة ببيع المنتجات المصنفة أصلا بالمنتجات العلاجية ومنها الأدوية المسكنة للألم بانواعها والكريمات الخاصة بالإصابات والحروق وأطعمة الأطفال.
ويقول جميع الأدوية المسموح ببيعها في الصيدليات تكون مسعرة من قبل وزارة الصحة والوزارة تخالف أي صيدلي لا يلتزم بالسعر المحدد على العلبة بينما تباع هذه الأدوية في محلات «السوبر ماركت ».
والبقالات بأسعار أقل وبالتالي تلاحظ أن مبيعات الصيدليات من الأدوية التي تباع في «السوبر ماركت » تكاد تكون معدومة فلو كان هناك مثلا وصفة طبية تحتوى على (بنادول) أو (أسبرين) أو غيرها من السلع المصرح ببيعها خارج الصيدليات فان الزبون سيشتريها من المحل الأرخص وبالتالي وجودها في الصيدليات لا جدوى منه.
ويقول في الدول المتقدمة وبعض الدول العربية ومنها سوريا على سبيل المثال لا يسمح لمحلات «السوبر ماركت » ببيع أي منتجات دوائية و لا أطعمة وحليب الأطفال لأنها منتجات تحتاج إلى ظروف تخزين ملائمة وفي حال انتهاء صلاحيتها أو تخزينها في ظروف غير ملائمة .
وهو ما يحدث في الكثير من البقالات الصغيرة التي يقوم أصحابها وبمجرد تحسن الطقس بإيقاف المكيفات عن العمل لساعات والاكتفاء بتشغيلها لمدة ساعة أو ساعتين لتوفير بضعة دراهم في فاتورة الكهرباء فقد يلحق مضاعفات خطيرة للأطفال ومنها التحسس أو الإسهال والتقيؤ والذي يؤدي إلى إصابة الطفل بالجفاف.
ويستطرد قائلا جاءني قبل فترة احد الزبائن وطلب مرهماً مسكناً للألم فأخبرته أن وزارة الصحة قامت بسحبه من الأسواق فذهب واشتراه من بقالة من البقالات المنتشرة في الأحياء الشعبية وهذا ينطبق على العديد من الأصناف.
ويؤيد الصيدلي محمود عبيد زميله كريم، بل طالب الرقابة الدوائية بوزارة الصحة بضرورة إعادة النظر ببيع جميع المنتجات العلاجية في محلات «السوبر ماركت » حيث يرى أن هذه المنتجات حتى ولو كانت «بنادول» أو «أسبرين» فهي منتجات تحتوي على مواد كيميائية .
وممكن أن يؤدي سوء استخدامها لمضاعفات ففي حالة تناول أكثر من الجرعة المسموح بها والتي يجهلها صاحب البقالة أو «السوبر ماركت » بطبيعة الحال فقد يصاب من يتناولها بأضرار خطيرة يتم استخدامها في محاولات الانتحار بتناول عدد من الأقراص.
ويقول علينا أن لا ننتظر حتى تحدث الكارثة لنتخذ الإجراءات الاحترازية وإنما يجب اتخاذها قبل أن تحدث فالأدوية أيا كان نوعها يجب أن لا تباع إلا في الصيدليات.
عرضنا كل هذه الإشكاليات على سالم مسمار مدير إدارة الصحة العامة في بلدية دبي فقال التعاون بين البلدية والوزارة قائم وموجود ولدينا تنسيق كامل في هذا الموضوع فالبلدية دورها يتمثل في الرقابة على السلع والمنتجات التي تباع في محلات «السوبر ماركت » والبقالات ووزارة الصحة كونها الجهة المخولة بتسجيل وترخيص الأدوية هي المسؤولة عن المنتجات الدوائية.
وحول الرقابة على الأغذية الخاصة بالأطفال في محلات «السوبر ماركت » أفاد بان التفتيش على هذه المنتجات هو من اختصاص البلدية وقد يلجأ بعض أصحاب محلات البقالات والدكاكين الصغيرة إلى إغلاق المكيفات خاصة مع تحسن الطقس.
ولكن على أصحاب هذه المحلات أن يدركوا بأنهم يعرضون بضاعتهم للتلف مقابل توفير مبلغ زهيد من المال من الكهرباء مؤكدا بان قسم التفتيش في البلدية يقوم بزيارات مفاجئة دائما لمثل هذه المحلات للتأكد من ظروف التخزين وصلاحية المنتجات المعروضة.
*مسؤولية «الصحة»
الدكتور عيسى بن جكة المنصوري مدير إدارة الرقابة الدوائية في وزارة الصحة أكد أن دور الوزارة يتمثل في ترخيص وتسجيل الأدوية بعد التأكد من تركيبتها ومن ثم السماح بتداولها في الأسواق مشيرا إلى أن هناك عشر مجموعات من الأدوية يسمح ببيعها في محلات «السوبر ماركت » بموجب قرار وزاري سابق.
وأضاف موردو الأدوية في الدولة تقع عليهم مسؤولية بيع تلك الأدوية للبقالات والدكاكين الصغيرة لان بعضها لا تتوفر فيه شروط التخزين وبعضها الآخر يفتقر إلى عامل النظافة وبالتالي يجب أن لا تباع فيها مثل هذه المحلات.
وأشار إلى استحالة الرقابة على الأسواق بصورة كاملة خاصة في ظل وجود أعداد كبيرة من المحلات في الدولة مشيرا إلى أن عملية الرقابة على الأدوية في الصيدليات يفترض أن تكون من قبل الصيدلي ذاته .
وفي محلات «السوبر ماركت » من قبل صاحب المحل وبالنسبة للمستهلك أو المريض يجب أن يكون على درجة عالية من الوعي ويبتعد قدر الإمكان عن شراء المنتجات الدوائية من البقالات والدكاكين الصغيرة.
* مختبر نموذجي
ومن جانبه قال حافظ غلوم اختصاصي الصحة العامة في بلدية دبي إن البلدية انتهت من إنشاء أول مختبر لفحص مستحضرات ومواد التجميل وغيرها من المستحضرات مشيرا إلى أن المختبر الآن دخل في طور التجهيزات وتركيب الأجهزة ووضع المقاييس المعتمدة عالميا مشيرا إلى أن مستحضرات التجميل تتبع إما المواصفات الأوروبية أو الأميركية.
وأشار إلى أن المنتجات العشبية الطبية التي تباع في الصيدليات و«السوبر ماركت لا تتبع لأي جهة رقابية في الدولة بالمعنى المطلق حالها في ذلك حال باقي دول العالم ولكن في حال ورود شكوى عن منتج معين يتم اخذ بعض العينات العشوائية ويتم فحصها في المختبر لمعرفة تركيبة المستحضر والأضرار الجانبية التي قد يتسبب بها.
ومن ثم يتم اتخاذ الإجراءات المناسبة. وقال ان المستحضرات المصنعة من قبل الشركات العالمية المعروفة سواء في أوروبا أو أميركا لا خوف منها لان مثل هذه الشركات تقوم بإجراء الأبحاث والدراسات على منتجاتها قبل طرحها في الأسواق وتدفع مقابل ذلك الملايين.
وبالتالي لا يمكن أن تضحي مثل هذه الشركات بسمعتها العالمية ، ولكن الخوف هو من المستحضرات المقلدة أو المغشوشة والتي غالبا ما تكون مجهولة المصدر والتي ننصح المستهلكين دائما بالابتعاد عنها أو فحصها قبل الاستخدام.
وحول الرقابة على الأدوية التي تباع في محلات «السوبر ماركت » قال حافظ غلوم إن موظف البلدية يقوم بالتفتيش على المنتجات والسلع الواقعة ضمن صلاحياتها واختصاصاتها أما فيما يتعلق بموضوع الأدوية التي تباع في «السوبر ماركت » فهي من اختصاص الصحة كون الدواء مسجلا ومرخصا من قبل الوزارة.
ويرى اختصاصي الصحة العامة أن هناك بعض المنتجات ومنها على سبيل المثال معاجين الأسنان الخاصة بالأسنان الحساسة تصرف من قبل أطباء الأسنان ولكنها تباع في «السوبر ماركت » والبقالات حالها في ذلك حال مبيضات الأسنان ومواد تبييض البشرة والتجميل إلى جانب الأدوية ومثل هذه المنتجات يجب أن لا تباع في محلات «السوبر ماركت » وإنما يجب أن يقتصر بيعها على الصيدليات فقط.
تحقيق: عماد عبد الحميد