في هذه الحلقة من قانون الأحوال الشخصية ومذكراته التفسيرية تتضمن العديد من المسائل الشرعية في الزواج وتبدأ بالخطبة والتمهيد للزواج وكيفية العدول عنها والمحرمات تحريما مؤقتا أو تحريما مؤبدا، وعدم جواز خطبة الرجل على خطبة أخيه، وفي هذه المسألة فقد أنصف القانون وعمل على إرساء مبادئ الإخوة وإبعاد الناس عن المشاحنات والخصام الذي نهى عنه الإسلام.
ففي المادّة (17) يتحدث القانون عن الخطبة فيعرفها بأنها طلب التزوّج والوعد به، ولا يعدّ ذلك نكاحًا، تمنع خطبة المرأة المحرّمة ولو كان التحريم مؤقّتًا، ويجوز التعريض بخطبة معتدّة الوفاة.
وفي المذكّرة الإيضاحيّة بدأ القانون بتعريف للخِطْبة - بكسر الخاء - بأنها طلب التزوج والوعد به فهي إذًا تمهيدٌ لعقد الزواج، ذلك العقد الخطير الأثر، الطويل الأمد.
والخطبة وقراءة الفاتحة، وتبادل الهدايا، ليست إلا تمهيدًا للزواج، ولا تلزم به، حتّى ولو اقترنت بدفع المهر أو جزء منه، الأمر الّذي يجعل من حقّ كُلٍّ من الخاطبين، العدول عن الخطبة، وسيأتي في المادّة (18) بيان ما يترتب على العدول عنها إن حصل ذلك.
ولما كانت الخطبة وسيلة لغاية هي الزواج، فقد أبيحت خطبة المرأة الصالحة لأن تكون زوجة في الحال، أمّا إذا كانت الغاية - أي الزواج - ممنوعةً لسببٍ ما، فإنّ الوسيلة - أي الخطبة - تكون ممنوعة أيضًا أي محرّمة وغير جائزة، فالمراد بالمنع إذًا ما يشمل الحظر الشرعي الذي يعمّ الحرمة وكراهة التحريم، وكلاهما يوجب الإثم والمسؤولية أمام الله، ولذا نصت المادة هذه على:
- منع خطبة المرأة المحرّمة حرمة مؤبّدة بسببٍ من أسبابِ التحريم على التأبيد الواردة في المواد 42-46 من هذا القانون.
- منع خطبة المرأة المحرّمة حرمة مؤقّتة بسببٍ من أسبابِ التحريم الواردة في المادة 47 من هذا القانون، مادام سبب التحريم قائماً، وتزول حرمة الخطبة بزوال سبب تحريم الزواج من تلك المرأة.
ويشمل ذلك منع خطبة المرأة المخطوبة للغير ما دامت الخطبة قائمة بينهما، وذلك لورود النهي عنه بصريح الأحاديث الصحيحة، ومنها ما أخرجه الشيخان من حديث الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب)) رواه البخاري.
والحكمة ظاهرة في ذلك؛ لما ينشأ عن الخطبة في هذه الحالة من العداوة والبغضاء بين الخاطبين.
وقد اتّفق الفقهاء على التأثيم الديني، في الزواج من مخطوبة الغير، ولكن هل يعتبر عقد الزواج على مخطوبة الغير صحيحا إذا استوفى أركانه وشروطه أم لا ؟
قال بالأول: جمهور الفقهاء، والإثم الدينيّ لا أثر له في صحة العقد.
وفي فقه المالكية ثلاثة أقوال في هذه المسألة:
1. فسخ العقد مطلقاً سواء تمّ الدخول أم لم يتمّ.
2. عدم الفسخ مطلقًا، بنى بها أم لا.
3. الفسخ إن لم يبن بها، لا إن بنى بها، وهو القول المشهور عندهم.
والفسخ هنا، هل هو على سبيل الوجوب؟، بمعنى أنه إذا رفعت الحادثة لحاكم وثبت عنده العقد بعد الركون ببينة أو إقرار وجب عليه فسخه، أم على سبيل الاستحباب؟؛ أكثر فقهاء المالكية على أنّ الفسخ على سبيل الاستحباب.
وهذا كلّه ما لم يحكم الحاكم بصحة العقد، وعند عدم مسامحة الخاطب الأول، فإن سامحه، أو حكم حاكمٌ بصحة العقد فلا فسخ مطلقًا.
والتقيّد بكون الخطبة قائمة بينهما، يعني أنّها قد وافقت على خطبتها من الرجل السابق، أما إذا رفضت خطبة الخاطب الأول، فيجوز بالإجماع خطبتها من قبل خاطب آخر.
وإذا تردّدت بين القبول والرفض ؛ بأن لم تردّ على الخاطب الأوّل بإجابة أو ردّ، أو بعبارةٍ أخرى: لم تركن إلى الخاطب الأوّل، فالأكثرون من الفقهاء على جواز الخطبة الثانية؛ قال الطحاوي: «ومن خطب امرأة فلم تركن إلى خطبته إياها لم يكن على غيره بأسٌ في خطبتها، وإنّما يُكره له خطبتها بعد خطبة غيره إياها إذا كانت ركنت إلى الخاطب الأول»، ومعلومٌ أنّ الكراهة متى أطلقت انصرفت إلى كراهة التحريم وهي إلى الحرمة أقرب.
واستدلّوا لذلك بفعل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عند ما خطب فاطمة بنت قيس رضي الله عنها لأسامة بن زيد رضي الله عنهما مع إخبارها إيّاه بخطبة معاوية وأبي جهم رضي الله عنهما لها (رواه مسلم). وذهب بعض الفقهاء إلى عدم تجويز خطبتها للثاني في هذه الحالة، وهو قول عند الشافعية.
وكما تحرم خطبة الرجل على خطبة أخيه، تحرم أيضًا خطبة المرأة على خطبة المرأة ؛ لاتّحاد العلة بالمضارّة والإيذاء، فإذا تقدمت امرأة إلى خطبة رجل فخطبته لا يجوز لامرأة أخرى أن تتقدّم إليه أيضًا فتخطبه، هذا إذا أبدى الرجل رغبته في الأولى، وفي أنّه لا يرغب إلا في زوجةٍ واحدة. بقي ما إذا أذن الخاطب الأول للخاطب الثاني في خطبة تلك المرأة المخطوبة له، فهل يجوز لغير المأذون له أن يتقدّم لخطبتها؟
قال الفقهاء: يجوز للغير أن يتقدم لخطبتها أيضًا؛ إذ أنّ الأوّل قد أسقط حقّه.
وقد اتفق الفقهاء على جواز خطبة معتدّة الوفاة تعريضًا لا تصريحًا؛ لقوله تعالى: «ولا جناح عليكم فيما عرّضتم به من خطبة النساء» (سورة البقرة: من الآية 235) وظاهرٌ من الآية، أنّها للمتوفّى عنها زوجها، إذ أنّها جاءت عقب قوله تعالى: «والّذين يُتوفّون منكم ويذرون أزواجًا». (سورة البقرة: من الآية: 234).
وفي المادّة (18) ذكر القانون أن لكلٍّ من الطرفين العدول عن الخطبة، وإذا ترتّب ضررٌ من عدول أحد الطرفين عن الخطبة بغير مقتضٍ كان للطرف الآخر المطالبة بالتعويض عمّا أصابه من ضرر، ويأخذ المسبِّب للعدول حكم العادل.
1. إذا عدل أحد الطرفين عن الخطبة أو مات يستردّ المهر الّذي أدّاه عينًا أو قيمته يوم القبض إن تعذّر ردّه عينًا.
2. إذا اشترت المخطوبة بمقدار مهرها أو ببعضه جهازًا ثمّ عدل الخاطب فلها الخيار بين إعادة المهر أو تسليم ما يساويه من الجهاز وقت الشراء.
3. يُعتبر من المهر الهدايا الّتي جرى العرف باعتبارها منه.
4. إذا عدل أحد الطرفين عن الخطبة وليس ثمّة شرط أو عرف، فإن كان بغير مقتض فلا حقّ له في استرداد شيء ممّا أهداه للآخر، وللآخر استرداد ما أهداه.
5. إن كان العدول بمقتض فله أن يستردّ ما أهداه إن كان قائمًا أو قيمته يوم القبض إن كان هالكًا أو مستهلكًا، وليس للآخر أن يستردّ.
6. إذا انتهت الخطبة بعدولٍ من الطرفين استردّ كلٌّ منهما ما أهداه للآخر إن كان قائمًا.
7. إذا انتهت الخطبة بالوفاة، أو بسبب لا يد لأحد الطرفين فيه، أو بعارضٍ حال دون الزواج، فلا يستردّ شيء من الهدايا.
وقرّرت هذه المادة بفقرتها الأولى، أنّه يحق لكلٍّ من الخاطبين، العدولُ عن الخطبة، وهذا يفيد أنّ الخطبة ليست عقدًا، حتّى لو تمّ التفاهم بين الرجل والمرأة على الزواج، وألبسها الخاتم، أو قرئت الفاتحة، وما إلى ذلك، فإنّه لا يعتبر شيء من ذلك كلّه عقدًا للزواج يبيح لهما أن يختلطا اختلاط الأزواج، ولكلٍّ منهما العدول عن الخطبة، وعن الزواج من أصله، لأنّ الأمر لا يعدو أن يكون وعدًا بالزواج.
وإذا لم يكن في الخطبة قوّة الإلزام لأحد الطرفين ولا لكليهما، فلكلٍّ منهما أن يرجع عنها، وإن رجع فهو مستعملٌ لخالص حقّه، ومن المصلحة أن يكون لكلٍّ من الطرفين قبل إبرام العقد بصورته الشرعية، الحريّة التامة ؛ لأنّه عقد الحياة، فمن المصلحة التروّي والنظر فيه من جميع الوجوه، حتّى إذا أُنجز بالإيجاب والقبول الشرعيين، كان برضاءٍ خالصٍ صحيحٍ كاملٍ، لم تَشُبْهُ شائبة.
كما نصّت هذه الفقرة على أنّه إذا ترتّب على العدول عن الخطبة ضررٌ - وهذا يشمل الضرر المادي والمعنوي - تحمَّلَ المتسبّبُ فيه تعسفاً التعويض عنه، والأصل في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» رواه مالك في الموطأ.
وقد تتعرض المخطوبة لبعض الشائعات بسبب العدول، وقد تنفق المخطوبة وأهلها نفقاتٍ تقتضيها الأعراف والعادات، ممّا يتوجّب معه في حالة العدول عن الخطبة إزالة هذا الضرر ممّن تسبّب به، وكذا الحال فيما إذا عدلت المخطوبة عن الخطبة وأصاب الخاطب ضررٌ معنويٌّ أو ماديٌّ.
وممن ذهب إلى القول بالتعويض من متأخّري الفقهاء الشيخ محمود شلتوت رحمه الله. ومن المبادئ المسلّم بها اليوم مبدأ ( إساءة استعمال الحق )، وقد سبق فقهاء الإسلام في تقرير هذه النظرية سبْقًا كبيرًا، وقرّرها فقهاءُ الحنفيّة في كثيرٍ من فروع الفقه، وخاصّةً في مسائل الولاية على القاصر والوكالة وإحياء الموات، وحقوق العلوّ، والجوار، وقال بها الإمام مالك في مسائل كثيرة منشورة في فقهه، مبنيّةٌ كلّها على مبدأ التسبب في الضرر.
فللقاضي، تقرير التعويض عن العدول، بشرط التحقّق من حصول الضرر المادّي، أو المعنويّ، والتحقّق أيضًا عمّن كان السبب في حصوله.
وقرّرت الفقرة الثانية من هذه المادة أنّ ما يقدّمه الخاطب على سبيل المهر، له الحق في استرداده حال العدول عن الخطبة، عينه - إن كان قائماً - وبدله مثلاً أو قيمته يوم القبض - إن كان هالكًا أو مستهلكًا - لأنّ المرأة لا حق لها في المهر، إلا إذا تمّ عقد الزواج بإيجابٍ وقبولٍ شرعيّين، باتّفاق الفقهاء، وفقاً لما سيأتي في هذا القانون.
وقرّرت الفقرة الثالثة من هذه المادة أنّه إذا اشترت المرأة بالمهر جهازًا أو ببعض المهر ثمّ عدل الخاطب، كان لها الخيار بين ردّ المهر نقدًا، أو تسليم ما يساويه من الجهاز وقت الشراء، وهذا ما تقتضيه مبادئ عدالة الإسلام، وعليه جرى عُرف الناس. ولأنّ شراء المخطوبة الجهاز بالمهر أو بقسمٍ منه، إنّما وقع بتسليطٍ من الخاطب، فإذا عدل عن الخِطبة كان عليه احتمالُ الضرر الذي قد ينشأ عن عدوله.
والضررُ هنا، هو الفرق بين قيمة تلك الأشياء المشتراة بحالتها الحاضرة لو أريد بيعها، وبين السعر الذي اشتريت به فعلاً، أمّا إذا كان العدولُ من جانبها فعليها ردُّ المهر عينه أو بدله.
وقرّرت الفقرة الرابعة من هذه المادّة أنّ ما جرى العرف باعتباره من المهر يجري عليه حكم المهر في جميع الأحوال ؛ حالة العدول عن الخطبة، وحالة ما بعد العقد وبعد الدخول أو الخلوة، ومَثَلُه البارز: الهديّة المعروفة باسم «الذهبة» في عرف الإمارات، أو «الشبكة» في عرفِ مصر، أو «البيان» في عرف ليبيا ؛ فالذهبة أو الشبكة أو البيان في عصرنا الحاضر من أهمّ وأدلّ ما تتناوله مفاوضات الزواج، وقد تكون بالنسبة لقيمتها هي المهر الحقيقي أو تمثّل جانباً كبيراً منه. وذهب الحنابلة - وهو اختيار ابن تيميّة إلى أنّ الهدية لو كانت قبل العقد، وقد وعدوه بالزواج، ولم يَفُوا فزوّجوا غيره رجع بالهدية.
على أنّ هذه الفقرة أثبتت حقّ الطرف الآخر في استرداد ما أهداه؛ إذ العدول لم يكن بسببٍ منه، وكان من الطرف الآخر بغير مقتضٍ لذلك.
وقرّرت الفقرة السادسة من هذه المادة أنّ العدول عن الخطبة من أحد الطرفين لو كان بمقتضى ففي هذه الحالة يستردّ ما أهداه عينًا أو بدلا، وذلك كله ما لم يوجد عرفٌ يقضي بغير ذلك، إذ المعروف عُرفًا كالمشروطِ شرطا - كما ذكرنا آنفًا- وليس للطرف الآخر المتسبّب في العدول أن يستردّ ما أهداه؛ لأنّ الخطبة عُدل عنها بسببٍ منه.
وقرّرت الفقرة السابعة من هذه المادة أنّ العدول عن الخطبة إن كان من الطرفين فلكل منهما حق استرداد الهدايا. وقرّرت الفقرة الثامنة من هذه المادة أنّه إذا انتهت الخطبة بالوفاة أو بسببٍ لا يد لأحد الطرفين فيه، أو بعارضٍ حال دون الزواج، فلا يُستردُّ شيءٌ من الهدايا ؛ لأنّ عدم إتمام الزواج بسبب الوفاة مثلاً، أو الجنون، أو الوقوع في الأسر، وما إلى ذلك ؛ ممّا ليس لأحد الطرفين يدٌ فيه. ومصدر هذا الحكم فقه الإمام أحمد. قال ابن تيميّة: إن اتّفقوا - أي الخاطب والمرأة ووليّها - على النكاح، من غير أن يتمّ العقد، فأعطى - أي الخاطب - إياها لأجل ذلك شيئا من غير الصداق فماتت قبل العقد، ليس له استرجاع ما أعطاهم.
وقد علّل البهوتي هذا الحكم بأنّ عدم التمام ليس من جهتهم، وعلى قياس ذلك لو مات الخاطب فلا رجوع لورثته على المخطوبة أو أوليائها بشيء.
* الأحكام العامة للزواج
وفي المادّة (19 الزواج) عقدٌ يفيد حلّ استمتاع أحد الزوجين بالآخر شرعا، غايته الإحصان وإنشاء أسرة مستقرّة برعاية الزوج، على أسسٍ تكفل لهما تحمّل أعبائها بمودّة ورحمة.
ولتوضيح ذلك فإن القانون استلهم القانون في تعريف الزواج ما جاء في القرآن الكريم من قوله تعالى: «ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة») سورة الروم: من الآية 52)، وقوله تعالى: «والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة»(سورة النحل: من الآية 72 ).
وراعى ما أشارت إليه الآية الكريمة «وللرجال عليهنّ درجة»(سورة البقرة: من الآية 228) أي درجة القوامة والرعاية بعد قوله تعالى «ولهنّ مثل الذي عليهنّ بالمعروف» (سورة البقرة: من الآية 228).
كما استهدف الإشارة إلى ما ورد في السنة النبويّة من أن الزواج سبيل الإعفاف والإحصان وتكاثر الأمة، ولأنّ الغاية من الزواج ليست مقصورة على استحلال المتعة الجنسية، الملحوظة أيضًا من قبل الشارع الحكيم في تشريع الزواج، إذ أناط الله به مهمّة أساسيّة في هذه الحياة، لاستدامة النوع على أساس الأسرة المستقرة، الّتي هي الخليّة الاجتماعية الأولى، وتأسيس الحياة فيها على السكينة والمودّة والتراحم.
وقد نصّت المادّة على قيد «يحلّ شرعا» لدفع ما يُتوهّم من إضفاء وصف الزواج على غير ذلك.
وعقد الزواج عقدٌ لابُدّ فيه من الرضا التامّ الّذي يدلّ عليه الإيجاب والقبول، والعلنيّة تفريقاً بينه وبين الاتفاق على الخطيئة الّتي تتمّ في الخفاء، مقصودٌ به الاستمرار، ولذا لم يصحّ فيه التوقيت، والقيام به عملٌ يتقرّب به المسلمُ من ربّه، ويُحتفى به عادة احتفاءً خاصا لا يوجد في العقود الأخرى.
ويُبدأ عقده بخطبة - بضم الخاء - مسنونة، تتضمّن شكرا لله على ما أنعم به على الزوجين من التوفيق لحياةٍ زوجيّةٍ فاضلة، وتُذَكِّرُ الزوجين بمسؤوليّتهما المباشرة أمام الله تعالى، وأنّ على كلٍّ منهما أن يراقبَ اللهَ سبحانه في تصرّفاته مع الآخر، وأنّه عماد الأسرة الثابتة التي تلتقي فيها الحقوق والواجبات بتقديسٍ دينيٍّ، يُشعرُ الشخصَ معه بأنّ الزواج رابطة مقدسة تعلوا بها إنسانيّته، فهو علاقةٌ روحيّةٌ نفسية تليق بِرُقيّ الإنسان، وتسمو به عن درجة الحيوانية الّتي تكون فيها العلاقة بين الأنثى والذكر هي الغريزة البهيمية فقط.
والزواج في الحالة العادية للإنسان القادر على أعبائه المادّية والمعنوية، ولا يخشى على نفسه الوقوع في الحرام إذا لم يتزوج، مسنونٌ يحسُنُ فعله ولا يأثم بتركه، وقد يكون الزواج في حق البعض واجبا، وقد يكون في حقّ البعض الآخر مكروها أو حراما.
وقال الظاهرية: إنّه فرضٌ في الأحوال العادية للمكلّف القادر على أعبائه.
وقال الشافعية: إنّه مباحٌ في الأحوال العادية.
ولقد روعي في نصّ هذه المادة الإشارة إلى دور الزوجة في مشاركة زوجها، حمل أعباء الأسرة بمودّة ورحمة؛ إذ أنّ الحديث النبوي الشريف قد جعلها راعيةً في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها.
فللمرأة دورها في بناء الأسرة وهي متكاملة مع زوجها في حمل أعبائها، وفي هذا تكريمٌ لها وتنويهٌ بمكانتها، في ذلك المحضن للإنسانية الغضة.
وراعت المادّة (20) كثيرا من الاعتبارات ومنها أن الأزواج عند شروطهم إلا شرطا أحلّ حراما أو حرّم حلالا، إذا اشترط في عقد الزواج شرطٌ ينافي أصله بطل العقد، إذا اشترط فيه شرطٌ لا ينافي أصله ولكن ينافي مقتضاه، أو كان محرما شرعا بطل الشرط وصحّ العقد، إذا اشترط فيه شرط لا ينافي أصله ولا مقتضاه وليس محرما شرعا صحّ الشرط ووجب الوفاء به، وإذا أخلّ به من شُرِط عليه كان لمن شُرِط له طلب فسخ الزواج سواء أكان من جانب الزوجة أم من جانب الزوج ويُعفى الزوج من نفقة العدّة، إن كان الإخلال من جانب الزوجة، إذا اشترط أحد الزوجين في الآخر وصفًا معيّنًا فتبيّن خلافه كان للمشترط طلب فسخ الزواج، لا يُعتدّ عند الإنكار بأيّ شرطٍ إلا إذا نُصَّ عليه كتابة في عقد الزواج، يسقط حقّ الفسخ بإسقاط صاحبه أو رضائه بالمخالفة صراحةً أو ضمنًا، ويعتبر في حكم الرضا الضمنيّ مرور سنة على وقوع المخالفة مع العلم بها، وكذا بالطلاق البائن.
ويتضح من هذه المادة أن الأصل في العقود، أن يباشرها المتعاقدان لتحقيق مصلحة لهما ؛ إمّا نوعيّة وهي: ما يترتّب عادة على العقود من نوعٍ واحد، كملك المبيع في عقد البيع، وملك المنفعة في عقد الإجارة، وإمّا شخصيّة وهي: ما تتطلّبها المصلحة الشخصيّة للعاقد، وتيسير المنافع العائدة له.
وقد اختلفت الاجتهادات الفقهية في مدى حرية المتعاقدين في اشتراط تلك الشروط الخاصة أو الشخصية، فوقف الحنفية والشافعية وجمهور المالكية موقف التضييق ؛ عملاً بالحديث الشريف: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) رواه البخاري. وفتح الحنابلة ومعهم بعض فقهاء المذاهب الأخرى، المجال واسعا أمام المتعاقدين، لاشتراط ما يشاؤون ضمن النظام العام للشريعة ؛ عملاً بالحديث الشريف أيضًا: (المسلمون عند شروطهم، إلا شرطا أحلَّ حراما أو حرّم حلالاً) رواه الترمذي.
وكل مذهب من المذاهب الفقهية يسير في المشارطات في عقود الزواج، وفق مبادئه العامة في الاشتراط في العقود، مع شيء من التفصيل.
وقد ازدادت في هذا العصر حاجة الناس إلى المشارطة في عقد الزواج ؛ نتيجة لاتّساع مجال الحريّة الفرديّة، ورغبة كلّ إنسان في حماية نفسه ومصالحه، وتأمين حياته وفقًا لظروفه الخاصّة، وكثيرا ما يقترن الزواج بعهود ووعودٍ من الزوجين أو من يمثّلهما ؛ لولاها ما أقدم أحدهما على الزواج، ثمّ لا توفى العهود ولا تنجز الوعود فينشأ الشقاق وتسوء العشرة، وقد كثرت الحوادث التي يسيء فيها أحد الزوجين معاملة الآخر.
وقد لوحظ في صياغة هذه المادة ما في مذهب الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه، من رحابة صدر بقبول المشارطات في عقد الزواج، ضمن قواعد توائم بين المصلحة العامة وبين المصلحة الخاصة، ولا تنافي نظام العقد ولا مقتضاه، ولم يجمع على تحرّمها، ولا على فسادها في المذاهب الفقهيّة الأخرى، فأخذ عنها القانون أحكام الشروط، تيسيرا للحياة الزوجية الهادئة.
وقد جاءت الفقرة الأولى من هذه المادة بمبدأ عام: هو أنّ الأزواج - ممّا يشمل الرجل والمرأة - عند شروطهم، أي ملزمين بالوفاء بها، إلا شرطا حرّم حلالاً أو أحلّ حراما؛ كما لو اشترط أحدهما على الآخر أن يقوم بارتكاب جريمة أو عملٍ محرّمٍ شرعا، أو مخالفٍ لمبدأٍ دينيّ ؛ فهذا الشرط لغو وباطلٌ ولا يبطل به العقد، كما لو شرطت عليه أن يقتل إنسانًا، أو يشرب الخمر، أو يكون أولادهما تبعا في الدين لأمّهم الكتابية، أو أن تتكسّب هي من عملٍ غير مشروع.
ونصّت الفقرة الثانية من المادة نفسها على أنّ الشرط الّذي ينافي أصل العقد يبطل به العقد وذلك مثل: أن يتزوّجها إلى مدّة معلومة أو مجهولة، أو على أن يطلّقها في وقتٍ معلوم أو مجهول، أو على شرط أن لا يقربها، أو إذا جاء رأس السنة، أو إذا رضيت أمّها، أو إذا رضي فلان.
ونصّت الفقرة الثالثة من المادة نفسها على أن الشرط الذي لا ينافي أصل العقد ولكن ينافي غاية الزواج أو مقاصده أو يكون مجمعا على تحريمه يكون باطلاً، مع بقاء العقد صحيحا، مثل: أن يشترط أحدهما الخيار في الزواج، أبدا أو مدّة ولو مجهولة، أو يشترط الزوج عدم المهر أو النفقة، أو تشترط الزوجة ألا يسافر معها إذا أرادت الانتقال، أو يسكن بها حيث يشاء أبوها، أو يشاء غيره من قريبٍ أو أجنبي، أو يشترط أحدهما عدم ميراث الآخر منه، أو شرط اتّخاذ التدابير المانعة للحمل ؛ فهذه شروطٌ باطلة؛ لأنّها تنافي مقتضى العقد وتتضمّن إسقاط حقوقٍ تجبُ بالعقد فلم تصحّ، أمّا العقد فيصحّ ؛ لأنّ هذه الشروط تعود إلى معنى زائدٍ في العقد لا ينافي أصله.
ونصّت الفقرة الرابعة من المادة نفسها على أنّ الشروط الأخرى الّتي لا ينافي أصل العقد ولا مقتضاه ولا غايته ولا مقاصده، وليس فيها ما يُحِلُّ حراما أو يُحَرِّمُ حلالاً يكون صحيحا ويجب الوفاء به، ولصاحبه حقّ الفسخ إذا أخلّ به المشروط عليه، وذلك مثل: أن يشترط الزوج على الزوجة أن تسافر معه إلى بلده، أو تشترط الزوجة على الزوج أن لا يخرجها من دارها، أو من بلدها، أو عدم إسكانها في محلّةٍ معيّنة، ونحو ذلك من الشروط التي فيها منفعةٌ مقصودةٌ لأحدهما ولا تنافي غاية الزواج ومقاصده.
ونصّت الفقرة الخامسة من المادة نفسها على التسوية بين الزوج والزوجة في حقّ الفسخ عند فوات الصفة الّتي اشترطت بالعقد، أيّ صفة كانت، مثل: أن تكون الزوجة شابّة أو الزوج طبيبا، أخذًا بما يقتضيه مذهب أحمد وقواعده وما قرره القاضي أبو يعلى، واختاره ابن تيميّة وتلميذه ابن القيّم.
وقطعا للمنازعات أو الكذب في ادعاء شيء من هذه الشروط أو إثباتها، جاءت الفقرة السادسة من هذه المادّة صريحة في أنّه لا يُعتدّ عند الإنكار بأيّ شرط إلا إذا نُصّ عليه كتابةً في عقد الزواج؛ فلا عبرة إذًا لما يجري الحديث حوله أثناء الخطبة ممّا لم يرد عليه نصٌّ في العقد، ولا لما يبذله أحد الزوجين للآخر من وعودٍ بعد انبرام عقد الزواج، وإن كان الوفاء بالوعد أمرا تَحُضُّ عليه الأخلاق الفاضلة، وتأمر به الشريعة.
ومستند ذلك ما في مذهب الإمام أحمد بن حنبل الذي اقتبست منه أحكام هذه المادة من أنّه لا اعتبار لشيءٍ من ذلك ولو رضي به الآخر.
وقد روعي في هذه المادّة ما يقضي به التطوّر الاجتماعي والزمني، وتتحقّق به المصلحة، ضمن نطاق الشريعة الغرّاء التي أمرت بالوفاء بالعقود والعهود، وما ورد في السنة الصحيحة من أنّ أحقّ الشروط بالوفاء ما تعلّق بالنكاح وذلك فيما ورد في الصحيحين من قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (إنّ أحقّ الشروط أن توفوا به ما استحللتم به النساء).
وما ورد من قضاء الخليفة الراشد سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيمن شرط لها زوجها دارها ؛ بمنعه من إخراجها وفقًا لما شرطه على نفسه، قائلاً له عندما ناقشه ذلك الرجل: (مقاطعُ الحقوق عند الشروط، ولك ما اشترطت).
ونصّت الفقرة السابعة من المادة نفسها على سقوط حقّ الفسخ بإسقاط صاحبه أو رضائه بالمخالفة صراحة أو ضمنًا ؛ لأنّ حقّ الفسخ إنّما أثبت حفظًا لحقوقه وحماية له من الإخلال بما تعاقد عليه؛ فإذا أسقطه أو رضي بالمخالفة فقد تنازل عن المطالبة به، واعتبرت الفقرة مرور سنة على المخالفة مع العلم بها رضًا ضمنيًّا بالمخالفة، وأمّا سقوط حقّ الفسخ بالطلاق البائن فظاهر؛ إذ لا فائدة في بقاء هذا الحقّ مع زوال ما تعلّق به.
* الكفاءة بين الزوجين
واشترطت المادّة (21) في لزوم الزواج أن يكون كفؤًا للمرأة وقت العقد فقط، ولكلٍّ من المرأة ووليّها الحقّ في طلب الفسخ عند فوات الكفاءة، ولا يؤثر في العقد زوال الكفاءة بعده.
إذا كان الخاطبان غير متناسبين سنًّا ؛ بأن كانت سنّ الخاطب ضعف سنّ المخطوبة أو أكثر، فلا يعقد الزواج إلا بموافقة الخاطبين وعلمهما وبعد إذن القاضي، وللقاضي أن لا يأذن به ما لم تكن مصلحة في هذا الزواج.
وتعني الكفاءة في اللغة المساواة، والكفء النظير، ومنه قوله تعالى: «ولم يكن له كفؤًا أحد» ) سورة الإخلاص: الآية: 4 )، وفي الحديث: ((المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمّتهم أدناهم وهم يدٌ على من سواهم)) أخرجه البيهقي.
وفي اصطلاح الفقهاء: هي المساواة بين الزوجين في أمور مادية واجتماعية بحيث تتحقق السعادة الزوجية بينهما. ويُراد بالكفاءة في الزواج، أن لا يكون الزوج دون الزوجة بحيث تتعيَّر به هي أو أولياؤها.
وتحديد عناصر الكفاءة ممّا يختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة، ولكل عصرٍ مقاييس للتكافؤ بين الزوجين، أو بين الزوج وعائلة الزوجة، قد تختلف قليلاً أو كثيرًا من عصرٍ إلى عصر.ومن المقرّر أنّ كفاءة الرجل بالنسبة للمرأة إنما يُنظر إليها وقت العقد، فلا يؤثّر زوالها بعده، لما في اعتبارها على سبيل البقاء من الحرج، ولا سيّما بعد الدخول والولادة.
والكفاءة حقٌّ لكل من المرأة والولي كما سيأتي في الفقرة الأولى من المادّة (23) من هذا القانون، وبناءً عليه فلكلٍّ منهما أن يطلب فسخ العقد إذا تبين انتفاؤها حين إبرامه ؛ لأنّ المقصود بحقّ طلب الفسخ لعدم الكفاءة هو حماية سمعة الأسرة، وإذا أسقط أحدهما حقّه لم يؤثّر ذلك في حق الآخر. ونظرًا إلى أنّ التفاوت الفاحش في السنّ بين الزوجين كان موضع استهجانٍ قديمًا وحديثًا، بحيث لا تقوم به حياة زوجيّة سويّة - في الأغلب الأعمّ -، ويقصد به غالبًا تحقّق رغبة أحد الطرفين في الاستفادة بمال الطرف الآخر أو جاهه، وحدا ذلك بالإمام الروياني من فقهاء الشافعيّة إلى الذهاب إلى القول بأنّ المسن ليس كفؤًا للشابّة.
وحذّر فقهاء الحنابلة من هذا الزواج؛ لأنّه ربّما حمل الفتاة على فعل ما لا ينبغي. وينصح الحنفيّة الآباء بعدم تزويج بناتهم الشابّات للكبار في السنّ.
واعتبار الضِّعف في العمر جديرٌ بالأخذ به؛ إذ ينشأ عنه غالبًا بونًا شاسعًا في التفكير والرغبة والقدرة على الحياة الزوجيّة، وتحقيق رغبات الآخر.
وبناء على ما سبق فقد قرّر القانون عدم إجراء عقود مثل هذه الزيجات بين من تتفاوت أعمارهم بنسبة الضعف أو أكثر إلا بعد علم كلا الطرفين بواقع الآخر وموافقته على ذلك، وبعد أخذ إذنٍ من القاضي حيث يقدّر المصلحة في ذلك الزواج من عدمه، وجعل له القانون حقّ عدم الإذن إن لم يرَ مصلحة ظاهرة في ذلك.
* صلاح الزوج
المادّة(22) ترى أن العبرة في الكفاءة بصلاح الزوج دينًا، ويعتبر العرف في تحديد الكفاءة في غير الدين.
نصّت المادّة على اعتبار الدين في الكفاءة وعرف البلد في غير الدين، وفي تصريح المادّة بعنصر الدين - مع أنّ للدين اعتبارًا في الكفاءة في عرف الناس - إبرازٌ لهذا العنصر في الكفاءة بصورة واضحة ؛ فإنّ أوّل ما تعتبر فيه الكفاءة هو صلاح الرجل في دينه، ويكفي فيه ظاهر العدالة، فلا تتزوّج عفيفة بفاجرٍ مستهتر.
وفيما عدا الدين يُرجع إلى العرف الّذي يُحدّد ما تتعيّر به الزوجة وأولياؤها، وهذا يختلف باختلاف أنظار الناس زمانًا ومكانًا. واعتبار الدين وحده هو رأي جمعٍ كبيرٍ من الصحابة والتابعين والمجتهدين، منهم عمر، وابن مسعود، وعمر بن عبدالعزيز، وأيّدهم البخاري رحمه الله في صحيحه.
وتحكيم العرف في مناط الكفاءة واضحٌ في اتّجاهات الفقهاء.
قال الكمال بن الهمام: (إنّ تفصيل ما تعتبر فيه الكفاءة ينظر فيه إلى عرف الناس فيما يحقّرونه، ويتعيّرون به).وجاء في المغني لابن قدامة: إذا أطلقت الكفاءة وجب حملها على المتعارف. وقد أخذ القانون بمذهب الجمهور في عناصر الكفاءة.
* الاعتراض على الكفاءة
وفي المادّة (23) فإن الكفاءة حقٌّ لكلٍّ من المرأة ووليّها الكامل الأهليّة.
1. ليس للأبعد من الأولياء حقّ الاعتراض على الكفاءة إلا عند عدم الأقرب أو نقص أهليّته.
وتفسر المذكرة الإيضاحية ذلك: ما دامت الكفاءة حقًّا لكلٍّ من المرأة ووليّها الكامل الأهليّة ؛ فإذا أسقط أحدهما حقّه لم يؤثّر ذلك في حقّ الآخر. وعدم الأقرب كما ورد في الفقرة (2) من هذه المادّة يُراد به ما يشمل عدم وجوده أصلا، أو غيابه بحيث لا تمكن مشاورته.
وحقّ الاعتراض على عدم الكفاءة يثبت للوليّ ولو جاوزت المرأة سنّ الرشد؛ لأنّ المقصود به حماية سمعة الأسرة، لا حماية الحقوق الماليّة للمرأة. وقد أخذ القانون بمذهب المالكية والشافعية في أن حق الكفاءة للولي الأقرب.
* طلب فسخ الخطبة
وفي المادّة (24): إذا ادّعى الرجل الكفاءة أو اصطنع ما يوهم بها، أو اشترطت الكفاءة في العقد، ثمّ ظهر بعد ذلك أنّه غير كفءٍ كان لكلٍّ من الزوجة ووليّها حقُّ طلب الفسخ.
ويعني ذلك أخذ القانون بما اتفق عليه الفقهاء من أنه لو أخبر الزوج الزوجة أو وليّها بكفاءته، أو نسب نفسه إلى غير نسبه الحقيقيّ، أو قال إنّه يشغل وظيفة كذا، ثمّ تبيّن كذبه كان لكلٍّ من الزوجة ووليّها حقّ الفسخ ورفع الأمر إلى القضاء.
فلو رضيت الزوجة به ؛ لم يسقط حقّ الوليّ في ذلك، وكان له حقّ طلب الفسخ والتفريق، ولو رضي به ولم ترض الزوجة ؛ لم يسقط حقّها وكان لها حقّ الفسخ ؛ لأنّ حقّ الكفاءة - كما قدّمنا - يثبت لكلٍّ من المرأة والوليّ على حدة، فإذا أسقط أحدهما حقّه لم يسقط حقّ الآخر بإسقاطه.
والمشهور عند المالكيّة أنّه إذا تمّ العقد ولم يكن الزوج كفؤًا للزوجة ؛ كان العقد صحيحا، وثبت للمرأة أو لوليّها حقّ الاعتراض عليه وطلب فسخه.
وتذكر المادّة ( 25 ) أنه يسقط الحقّ في طلب الفسخ لعدم الكفاءة إذا حملت الزوجة أو انقضت سنة بعد العلم بالزواج، أو بسبق الرضا ممّن له طلب الفسخ.
وقد أخذ القانون برأي الحنفية بسقوط طلب الفسخ بالرضا وبحمل الزوجة وأضاف إلى ذلك انقضاء سنة بعد العلم بالزواج بما يدل على الرضا.
وبما أنّ الزوجة إذا حملت أصبح في فسخ النكاح لنقص الكفاءة ضررٌ سيلحق بالوليد أثره، ممّا يجعل الإبقاء على الزواج خيرًا من فسخه.
وألحق بهما حالة سبق الرضا ممن له طلب الفسخ ؛ لأنّ من رضي فقد أسقط حقّه، والساقط لا يعود. وهو مما لا خلاف فيه عند أهل العلم.
وليس للوليّ طلب الفسخ لنقصان المهر عن مهر المثل.
وذلك من أجل الارتفاع بمكانة الزواج عن المساومات الماليّة ؛ لم تُعطِ هذه المادّة الوليّ حقّ الاعتراض على نقص المهر إذا كان الزوج كفؤًا للمرأة، وهذا هو قول صاحبي أبي حنيفة ومالك والشافعيّ والحنابلة.
إثبات الزواج
ويتم توثيّق الزواج رسميًّا، ويجوز اعتبارًا لواقع معيّن إثبات الزواج بالبيّنة الشرعيّة. يشترط لإجراء عقد الزواج تقديم تقرير من لجنة طبّية مختصّة يشكّلها وزير الصحّة، يفيد الخلوّ من الأمراض الّتي نصّ هذا القانون على طلب التفريق بسببها. يتمّ توثيق عقد الزواج من المأذونين ويصدر وزير العدل والشؤون الإسلاميّة والأوقاف اللائحة الخاصّة بهم.
لمّا كان عقد الزواج عقدًا عظيم الخطر، بالغ الأثر، تتعلق به حُرُمات، وتنشأ عنه تبعات، وتترتب عليه آثار هامّة مادّية ومعنوية ؛ فإنه يجب الاحتياط في إثباته، أو في تثبيته وتسجيله، ولابُدّ من قواعد ونصوص تَحْمِلُ الناس على الدقّة والنظام في هذا الأمر الخطير.
لذلك بدأت هذه المادة في فقرتها الأولى ببيان القاعدة الّتي هي الأصل، وأخذت بعين الاعتبار ما هو قائمٌ بحكم الواقع.
فقرّرت أنّه يجوز إثبات وقائع الزواج الّتي تمّت لم توثق بالتصادق على قيام الزوجية مع توافر الشروط المطلوبة لصحة الزواج وانتفاء الموانع.
وإذا ورد التوجيه في القرآن الكريم على توثيق المداينات بين الناس بالكتابة، وأن يكتب بينهم كاتبٌ بالعدل في قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدينٍ إلى أجلٍ مسمّيً فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل» (سورة البقرة: من الآية 282)؛ فإنّ توثيق عقد الزواج بحجّة رسميّة وأسناد كتابية يكون من باب أولى.
وتفاديًا لما قد ينشأ من خلافات أو ينتج من أمراض بسبب الجينات الوراثيّة أو يُكتشف من أنواع الأمراض المُعدية أو الخطيرة أو المانعة من استقرار الحياة الزوجيّة، أو العوامل المسبّبة لأمراض وعلل في الأجيال القادمة، والّتي يجوز لأحد الطرفين طلب التفريق بسببها أو يجب ؛ فقد اشترطت الفقرة الثانية من المادّة ضرورة إجراء فحصٍ سابق لإجراء عقد الزواج، وعلّق إجراء عقد الزواج بضرورة توافر شهادة تبيّن خلوّ الطرفين من تلك العيوب والأمراض، ومنعًا للتلاعب في الشهادات فقد أسندت هذه الفقرة أمر إصدار شهادات الخلوّ من تلك الأمراض إلى لجنة طبيّة مختصّة يشكّلها وزير الصحّة.
وإنّ ما اتّجه إليه القانون من عدم إجراء العقد دون الحصول على تلك الشهادة مناطها مصلحة الأمّة وأجيالها، ولا يمكن القول بجواز الإجراء دون التوثيق ؛ إذ لا يتحقّق حينئذٍ الحكمة الّتي من أجلها طُلب هذه الشهادة.
وفي الفقرة الثالثة من هذه المادّة أنيطت توثيق عقود الزواج إلى المأذونين الشرعيّين المعتمدين لدى المحاكم ؛ توزيعًا للأعمال وتنظيمًا لها، وتخفيفًا لما ينشأ من إحالة تلك المعاملات إلى المحاكم، وأوكلت إلى وزير العدل والشؤون الإسلاميّة والأوقاف أمر إصدار لائحةٍ خاصّة بالمأذونين تنظّم أعمالهم وتحدّد صلاحياتهم وتوضّح مسؤوليّاتهم.
وتنص المادّة (28) أنه لا يعقد الوليّ زواج المجنون أو المعتوه أو من في حكمهما إلا بإذن القاضي وبعد توافر الشروط الآتية: قبول الطرف الآخر التزوّج منه بعد اطّلاعه على حالته. كون مرضه لا ينتقل منه إلى نسله. كون زواجه فيه مصلحة له. ويتمّ التثبّت من الشرطين (ب) و (ج) بتقرير لجنة من ذوي الاختصاص، يشكّلها وزير العدل والشؤون الإسلاميّة والأوقاف بالتنسيق مع وزير الصحّة. ونصّ الشافعيّة على أنّه: لا يزوّج مجنونٌ، ولا مختلٌّ صغير مطلقًا، وكذلك لا يزوّج مختلٌ كبير، إلا لحاجةٍ مثل توقّع شفائه.
وفي فقه الإمام أحمد: يرى أبوبكر الخلال أنّه ليس للأب تزويج البالغ المعتوه بحال، ويرى القاضي أبو يعلى: جواز تزويج المعتوه الكبير عند الحاجة كالشافعي، أمّا المجنونة فيرى أنّه لا يزوّجها إلا الحاكم. أما ابن حزم فيرى أنّ المجنون والمجنونة الكبيرين لا يزوّجهما أحد لا أب ولا غيره.
والمراد بالولي الوارد ذكره في هذه المادة هو وليّ الزواج المنصوص على تعريفه في المادّة (32) من هذا القانون، وهذه الولاية غير ولاية المال.
وقد صيغت المادّة بحيث جمعت بين أقوال الجمهور من فقهاء الشافعية والمالكية والحنفية مع ملاحظة المصلحة الاجتماعية ، ومصلحة طرفي العقد، فجاءت فقراتها الثلاث مبيّنة الشروط الّتي لابد من توافرها كي يأذن القاضي بزواج المجنون أو المعتوه، كما بيّنت كيفيّة التثبت من تحقّق الشرطين الأخيرين، وهما كون مرضه لا ينتقل منه إلى نسله وكون زواجه فيه مصلحة له.
ونظرًا للحاجة إلى التثبّت من تحقيق الشرطين الواردين في (ب) و (ج) من الفقرة الأولى، فقد نصّت الفقرة الثانية من هذه المادة على ضرورة تشكيل لجنة مختصّة يضمّ عددًا من ذوي الاختصاص في الموضوع، وأسند أمر التشكيل إلى وزير العدل والشؤون الإسلاميّة والأوقاف وذلك بالتنسيق مع وزير الصحّة لكون الأمر يشمل جانبين: الأوّل اجتماعيّ، والآخر طبّي.
وتنص المادّة (20): لمن بلغ من الذكور سنّ الرشد سفيهًا أو طرأ عليه السفه أن يزوّج نفسه، ولوليّ المال الاعتراض على ما زاد على مهر المثل.
ويعني ذلك انه يُعدّ من بلغ سنّ الرشد سفيهًا أو طرأ عليه السّفه كامل الأهليّة بالنسبة للزواج، فيصحّ زواجه وينفذ عقده ؛ إذ لا حجر عليه في الزواج وإنّما في التصرّفات الماليّة، ولذلك جعل لوليّ المال الحقّ في الاعتراض على ما زاد من مهر المثل ؛ لأنّ الزيادة في المهر يشترط فيه الرشد وعدم الحجر لسفهٍ أو غفلة.
وقد أخذ القانون برأي الحنفية والحنابلة.
وتنص المادّة (30) على أنه تكتمل أهلية الزواج بالعقل والبلوغ، وسنّ البلوغ تمام الثامنة عشرة من العمر لمن لم يبلغ شرعا قبل ذلك. لا يتزوّج من بلغ ولم يُكمل الثامنة عشرة من عمره إلا بإذن القاضي وبعد التحقّق من المصلحة. إذا طلب من أكمل الثامنة عشرة من عمره الزواج وامتنع وليّه عن تزويجه جاز له رفع الأمر إلى القاضي.يحدّد القاضي مدّة لحضور الوليّ بعد إعلانه يبيّن خلالها أقواله، فإن لم يحضر أصلا أو كان اعتراضه غير سائغ زوّجه القاضي.
وقد نص القانون على أن أهلية الزواج تكون العقل والبلوغ، وإكمال الثامنة عشرة من العمر، هو بلوغ للفتى أو الفتاة - ما لم يبلغ قبل ذلك وقد أخذ القانون برأي الحنفية والمالكية.
وتجنّبًا لما قد يُقْدم عليه من بلغ في سنّ مبكّر بإحدى علامات البلوغ مثل الاحتلام أو غير ذلك دون تمام الثامنة عشرة من الزواج دون العلم بمسؤوليّات الزواج وما تترتّب عليه من آثارٍ جسيمة وخطيرة ؛ فإنّ القانون لم يُجِز لمن حاله كذلك الإقدام على الزواج دون الحصول على موافقة القاضي، وقرّر أنّه ليس للقاضي أن يأذن بالزواج في مثل هذه الحالات إلا بعد التثبّت والتحقّق من وجود مصلحة تقتضي الزواج.
ونظرًا للحاجة الّتي قد تطرأ لمن أكمل الثامنة عشرة من عمره في الزواج ؛ فإنّ القانون قرّر في الفقرة الثالثة من هذه المادّة أنّه إذا طلب من أكمل هذه السن الزواج، فإنّ من حقّ القاضي الذي يقدّر الظروف، ويرعى المصالح، أن يأذن به، طالما تبيّن له النضج الجسمي لدى الفتى أو الفتاة، بعد موافقة الوليّ، مراعاة لما اعتاده كثيرٌ من الناس في الأرياف من المسارعة في تزويج أبنائهم وبناتهم، بعد البلوغ والنضج الجسمي.
ولكن الواقع يشهد أنّ هنالك حالات يقف فيها الولي موقفًا سلبيًّا، من تزويج من تحت ولايته دون أن يقدّر الظروف حق قدرها، فيمتنع عن الإدلاء برأيه مطلقًا أو يتذرّع بما لا طائل تحته، وقد نهت الشريعة الإسلامية عن العضل، وهنا أجاز القانون في الفقرة الثالثة من هذه المادّة لمن هذا حاله أن يرفع أمره إلى القاضي لينظر في أمره.
وقرّر القانون في الفقرة الرابعة من هذه المادّة أنّ على القاضي أن يطلب من الوليّ الحضور إلى مجلس القضاء ليبيّن وجهة نظره وسبب امتناعه من تزويج من هو تحت ولايته ويمهله مدّة معيّنة، فإذا لم يحضر خلال تلك المدّة بعد التأكّد من إعلانه، أو حضر ولم يكن المبرّرات الّتي يستند إليها في المنع سائغًا ومقبولا؛ فإنّ إذن القاضي وحده بالزواج يكون كافيًا في هذه الحالة.
أهلية التقاضي
نصت المادّة (31) أنه يكتسب من تزوّج وفق أحكام المادّة (3.) من هذا القانون أهليّة التقاضي في كلّ ما له علاقة بالزواج وآثاره، ويستثنى من ذلك إسقاط الحقوق الماليّة المترتّبة على الزواج.
تقرر هذه المادة أهلية التقاضي لكل من تزوج وفقًا للمادّة (3.) في كلّ ما له علاقةٌ بالزوجيّة أو عقد الزواج أو أثرٍ من آثاره كالأولاد والخصومات في قضايا الأحوال الشخصية.
وحيث إنّ سنّ الرشد المعتبر في التصرّفات الماليّة واحد وعشرون سنة ؛ وبما أنّ إسقاط الحقوق الماليّة المترتّبة على الزواج من التصرّفات الماليّة، لذلك لا يملك من أذن له القاضي بالزواج - ولم يبلغ سنّ الرشد - التصرّفات الماليّة الّتي يشترط فيها بلوغ سنّ الرشد.
وأما المادّة ( 32 ) الوليّ في الزواج هو الأب ثمّ العاصب بنفسه على ترتيب الإرث ابناً ثم أخاً ثم عماً، فإذا استوى وليّان في القرب فأيّهما تولّى الزواج بشروطه جاز، ويتعيّن من أذنت له المخطوبة.
الولاية يُراد بها: القدرة على إنشاء العقد نافذًا، وحينئذ تكون على قسمين:
أ. قاصرة، فتكون قريبة من معنى الأهليّة.
ب. متعدّية، وهي المقصود في هذه المادّة.
ويعرّفها الفقهاء بأنّها: «تنفيذ القول على الغير والإشراف على شؤونه» ) ينظر: البحر الرائق: 3/117)، والمراد بالغير هنا: القاصرُ ومن في حكمه، كالمجنون، والمعتوه، والسفيه، كما يشمل لفظ الغير في موضوع الزواج: البالغة العاقلة، بكرًا كانت أو ثيّبًا.
ويسمّى من أعطته الشريعة هذا الحق وليًّا.
والشريعة الإسلامية تعتبرُ المجتمع وحدةً متماسكة، والزواجَ أمرٌ له أثره وخطره في المجتمع، ولذا أقامت الشريعة من يتولاه على سبيل الوجوب في بعض الحالات، وعلى سبيل الندب في بعضها الآخر، تحقيقًا للنفع، ودفعًا للضرر الّذي كثيرًا ما ينشأ عن فورة عاطفيّة عارمة.
والولي في الزواج هو الأب ثمّ العاصب بنفسه على الترتيب في الإرث ابناً، ثم أخاً، ثم عماً، وإنّما قدّم الأب على الابن أخذًا بمذهب الشافعيّة والحنابلة ؛ لما يتوافر في الأب من وفرة الشفقة وكثرة الخبرة ؛ ولأنّ الابن ينفر بطبعه من تزويجها فلا ينظر في مصلحتها.
وإذا استوى وليان في القرب فأيّهما تولى الزواج بشروطه جاز، إلا أنّه لو عيّنت المخطوبة أحدهما فإنّه يتعيّن دون الآخر.وهو رأي المالكية.
وفي المادّة (33) يشترط في الوليّ أن يكون ذكرًا، عاقلا، بالغًا، غير مُحرِمٍ بحجٍّ أو عمرة، مسلمًا إن كانت الولاية على مسلم.
بينت هذه المادّة شروط الولاية في الزواج، وهي أربعة مطّردة مهما كانت المخطوبة، وهي: الذكورة، والبلوغ، والعقل، وعدم الإحرام بحجٍّ أو عمرة، والشرط الخامس: أن يكون مسلمًا بالنسبة للمخطوبة المسلمة.
ومناط الولاية هو التعصيب لوفرة الشفقة، وهذه لا يختلف أمرها بين العدل وغيره ؛ ولأنّ اشتراط العدالة يؤدّي إلى الحرج، والعملُ في العصور الإسلامية المختلفة على عدم منع الوليّ غير العدل من تزويج أولاده وبناته، فدلّ ذلك على عدم اشتراط العدالة.
* انتقال الولاية
أوضحت المادّة (34) كيفية انتقال الولاية وتنص على أنه إذا غاب الوليّ الأقرب غيبة منقطعة، أو جهل مكانه، أو لم يتمكّن من الاتّصال به، انتقلت الولاية لمن يليه بإذنٍ من القاضي، وفي حالة العضل تنتقل إلى القاضي.
فإذا غاب الوليّ الأقرب وحضر الخاطب الكفء الذي لا ينتظر حضوره، فإنّ هذه المادّة تعطي القاضي أمر الفصل في قبول ولاية الأبعد حين غيبة الوليّ الأقرب وهو قول الحنفية والمالكية والشافعية ؛ إذ أنّ القاعدة العامّة تجعل القاضي صاحب الشأن في تحقيق مصالح النّاس، وفي السعي لرفع الظلم عنهم. وقد وكّل الأمر في حالة العضل إلى القاضي بولايته العامّة ليأذن بالزواج أو لا يأذن به على ضوء ما يظهر له من المصلحة، أخذًا بما نصّ عليه الجمهور من الحنفية والمالكيّة والشافعيّة، ورواية عن أحمد، من انتقال الولاية حينئذٍ إلى القاضي لا إلى الوليّ الأبعد.
* القاضي وليُّ من لا وليّ له
نصت المادّة (35) أن الأصل في ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم « السلطان ولي من لا ولي له » وعلى هذا جاء نصُّ هذه المادّة: القاضي وليّ من لا وليّ له، أي أنّ له ولاية عامّة، وجديرٌ أن نشير هنا إلى أنّ الولاية الخاصّة مقدّمةٌ على الولاية العامّة، وهي أقوى منها كما يقرّر الفقهاء.
وفي المادّة (36) ليس للقاضي أن يزوّج من له الولاية عليه من نفسه ولا من أصله ولا من فرعه.
وردت هذه المادّة تقييدًا لما قد يتوهّم من الإطلاق في المادّة السابقة، فنصّت على أنّه لا يزوّج من له الولاية عليه من نفسه ولا من أصله ولا من فرعه، إبعادًا له عن الشبهات ؛ ولأنّ ذلك محلّ تُهمة، والأليقُ به الترفُّع عنها.
وذكرت المادّة (37) أنه يجوز التوكيل في عقد الزواج، ليس للوكيل أن يزوّج موكّلته من نفسه إلا إذا نُصّ على ذلك في الوكالة. وإذا جاوز الوكيل في الزواج حدود وكالته كان العقد موقوفًا.
نصت هذه المادّة على أنّ للوليّ توكيل غيره في النكاح ولو كان حاضراً، وقد وكل الرسول صلى الله عليه وسلم أبا رافع رضي الله عنه في تزويجه ميمونة رضي الله عنها ؛ ولأنّ الوكيل كالأصيل، ومن ملك تصرفاً، كان له أن يتولاه بنفسه، وله أن يوكل فيه غيره.
ولكن يمنع الوكيل من أن يزوج موكلته من نفسه، ما لم ينصّ على ذلك في الوكالة نفياً للتهمة؛ ولأنّ الظاهر من التوكيل أنها تريد غيره، وهو رأي الحنفية والشافعية والحنابلة.
وكذلك ينبغي النص صراحة في الوكالة - أي الوكالة التي ينظمها ولي المخطوبة لغيره في إجراء عقدها - إذا كان المزوّج بموجبها أصلاً للوكيل أو فرعاً له.
وإذا جاوز الوكيل حدود وكالته كان فضولياً، فيتوقف نفاذ عقده على إجازة الأصيل.
* المهر ملكٌ للمرأة
وفي المادّة (50) المهر ملكٌ للمرأة، تتصرّف فيه كيف شاءت، ولا يُعتدّ بأيّ شرطٍ مخالف وهذه المادّة أكّدت أنّ المهر حقٌّ خالصٌ للزوجة، تتصرّف فيه كيف شاءت، بشروط التصرف المقررة قانوناً، فلا تلزم أن تشتري به جهازاً. وهي الّتي تقبضه بنفسها، أو توكّل بقبضه من تشاء، أو يقبضه لها من تأذن له بالقبض ولو ضمنًا، كالأب، والجدّ العصبي حين فقد الأب.
وقد أخذ القانون برأي الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة في هذه المادّة. وللمرأة أن تهب مهرها لزوجها، بعد قبضه، كما أنّ من حقها أن تبرئ ذمته منه، كُلاً أو بعضًا قبل قبضه مادامت كاملة الأهلية ومن أهل التبرع، واستوفى الإبراء والهبة شروطهما المقررة شرعا. ولو شرط عليها الزوج أن تشتري به متاعًا أو أثاثًا لداره، لا يُعتدّ بهذا الشرط.
والواجب على الزوج هو المهر المتفق عليه فقط أو مهر المثل على ما سيأتي بيانه، أما أن يأخذ الولي - أبًا كان أو غيره - شيئًا من الخاطب لنفسه مقابل تزويجه ممّا يسمى في بعض الأماكن رضوة، أو خلعة، أو نحو ذلك فهو أمرٌ ممنوعٌ ومحظور.
وترى المادّة (51) أنه إذا سمّي في العقد مهرٌ تسميةً صحيحة وجب للمرأة ذلك المسمّى وإذا لم يُسمّ لها في العقد مهرٌ أو سمّي تسمية غير صحيحة أو نفي أصلا وجب لها مهر المثل.
المهر نوعان: مهرٌ م