اعتبر التربويون محاولات تطوير المنظومة التعليمية دون تعديل رواتبهم وزيادتها بنسبة 100% مجرد ذرات في مهب الريح في ظل معاناتهم الشديدة، حيث لا فرق بين معلم أو مدير أو موجه أو اختصاصي مواطناً كان أم وافداً، لأنها متجمدة ولم تطرأ عليها أي زيادة منذ أكثر من 20 عاماً.
وعبروا عن إحساسهم بالظلم بعد أن وصل الفارق بين رواتبهم ومن قضوا سنوات الخبرة نفسها في الوزارات الأخرى إلى 70% لصالح الآخرين في الوقت الذي تواصل فيه الأسعار ارتفاعها الجنوني في كل جوانب الحياة الأمر الذي يشغلهم عن الأداء الجيد لمهام عملهم التربوي الصعب.
ويعاني بعض التربويين ضياع حقوقهم المالية نظراً لتأجيل وزارة التربية والتعليم أمر تعديل أوضاعهم، إذ نجد مدير منطقة »محبطاً« لأنه على درجة مدير مدرسة خصمت الوزارة منه بدل الكادر التعليمي (31 ألف درهم سنوياً) ولم تعطه الدرجة (الخالية) بسبب تقاعد المدير السابق،
ونسمع من رئيس قسم تقديراً مختلفاً للعلاوة الممنوحة مؤخراً لموظفي الدولة حيث وصفها بأنها أضاعت من رواتبهم (الضعيفة من الأساس) 50% حيث تزامن منح العلاوة والارتفاع في الأسعار، أما المعلمون فإن مشاعر المرارة تعكسها كلماتهم ويكفي أنه عند سؤال أحدهم كيف تتجمد الرواتب أكثر من 20 عاماً في ظل شح الإنفاق على التعليم الحكومي بالدولة وتراجعه إلى 60% بشكل يمثل أقل من المعايير العالمية الواجب اتباعها.
يقول مدير مدرسة راشد بن حميد للتعليم الأساسي في عجمان أحمد آل يحيى إن ضعف الرواتب لا يفرق بين مدير ومعلم سواء في المعاناة والشعور بالظلم من المستوى المتدني في الدخول المادية التي أصبحت عصب الحياة الحاضرة، مضيفاً أن بعض مديري المدارس لا تزيد دخولهم عن المعلمين إلا بقيمة الكادر الذي يتم خصمه أثناء الإجازات رغم ضعف قيمته.
وطالب بإنصاف المعلم مادياً ودعمه مادياً ومعنوياً لتعزيز مكانته كمربٍّ لأجيال يخرج من بينها من يحصلون على رواتب أضعاف رواتب المدرسين مؤكداً أهمية زيادة الرواتب بطريقة مجزية تضاهي رواتب معلمين في بلدان أخرى يصل راتب المعلم فيها إلى ما يعادل معاش وزير حتى لا يلجأ بعضهم إلى مصادر أخرى لرفع دخله في تلميح منه إلى الدروس الخصوصية التي تدر دخلاً وفيراً.
وشدد مدير مدرسة الراشدية محمد الشمري على عدم استقطاع الكادر في الصيف وفي الإجازات الأخرى، مشيراً إلى ان يعاني من تأخر الترقية لأنه لا يزال يقوم بأعمال مدير مدرسة بعد أكثر من عامين (على الثانية أولى)، فإلى متى سيستمر هذا الوضع؟ سؤال وجهه الشمري لوزارة التربية، في إشارة منه إلى تدني رواتب الوزارة بالقياس مع الوزارات الأخرى التي فاقت رواتبهم بنسبة عالية تصل حوالي 70%.
الوافد والمواطن
وأوضح محمد عبدالرحمن مسالمة مدرس لغة إنجليزية عدم وجود فروقات في الدخل بين معلم الابتدائي والثانوي إلا فيما يتعلق بالخبرة والشهادة وفيما يتعلق ببدل السكن والسقف النهائي له »2000 درهم للجميع«. وقال ان ارتفاع الأسعار لا يفرق بين أصحاب الدخل المرتفع والمتدني ولا بين مواطن ووافد لأن الاثنين سواء أمام تكاليف المعيشة اليومية أو السكن، وأشار إلى أن زيادة الرواتب 15% أدى لارتفاع الأسعار بما يستقطع 50% من الراتب.
وأشار إلى انه والكثيرون يؤدون أعمالاً إدارية إلى جانب العمل الفني (التدريس) منها التواصل مع أولياء الأمور لمتابعة التحصيل الدراسي دون أي مقابل، وأن مدة الخبرة خارج الدولة (وهي الطويلة) تحتسب للسنة 40 درهماً وداخل الدولة 80 درهماً، مطالباً بتوحيد هذا البند لصالح المعلم.
مكانة المعلم والراتب
من جانبه ركز الأمين العام لمجلس آباء ومعلمي الشارقة فيصل آل نصور على هيبة المعلم التي ضاع بعضها بسبب ضعف الراتب وسوء تقدير بعض الطلاب لهذه المكانة وكذلك الأوساط المجتمعية، قائلاً لا يكفي أن نطالب للمعلم براتب يعادل أضعاف ما يتقاضاه حالياً لتحقيق الاستقرار لينطلق باتجاه الإبداع في تربية أبنائنا، ولكن لابد أن تفكر التربية في الوسائل التي تعيد للمعلم مكانته السابقة في المجتمع، حيث كان من الموجهين وقادة الرأي، ولكنه تحول هذه الأيام إلى مهنة طاردة وغير مقبولة حتى من الخريجين المؤهلين لها بالأساس.
وتساءل لماذا لا تكون أوضاع المعلمين كما هي في اليابان أو أوروبا؟ ووافقه في هذا الطرح موجه اللغة الإنجليزية في الشارقة أحمد البوريني مؤكداً أن ممارسة مهنة التدريس تتطلب رواتب تحقق للمعلمين الارتقاء بمستوياتهم المهنية بالدورات التدريبية وشراء الأجهزة الحديثة ومواكبة الجديد والمتطور منها.
قروض وأسعار
واتفق إبراهيم الحوسني وعبدالرحيم هلال مديرا مدرستين مع رئيس قسم الأنشطة التربوية بتعليمية عجمان عيسى حامد على أن الأحوال المادية المتدنية للمعلمين هي التي تضطرهم إلى الاقتراض وإعطاء الدروس الخصوصية لتحسين دخولهم في حالة مواجهة الغلاء، موضحاً أن استمرار صرف الكادر التعليمي قد يحسِّن من الدخول لمختلف العناصر لكنه ليس كافياً إذ يجب أن تبحث الوزارة عن أسلوب تحفيز وتعزيز يساعد في رفع مستويات الدخول للتربويين.
وقالت موزة سعيد بن حرمل مديرة مدرسة فلج المعلا للتعليم الأساسي في منطقة أم القيوين، إن العاملين في التربية دفعهم تدني الدخل إلى الاقتراض من البنوك للوفاء بمتطلبات الحياة في الوقت الذي لا تستطيع زيادة في الرواتب مواجهة اشتعال الأسعار وتقل فيه دخول المعلمين بنسب كبيرة عن نظرائهم في الوزارات الأخرى، فكيف يُراد للمدرس أن يؤدي دوره على أحسن وجه وهو يشعر بالظلم؟
بدل طبيعة عمل
وطالبت معلمات مدرسة مزيرع للتعليم الثانوي بعجمان علياء خلفان، أميرة الكعبي، عائشة سالم وشيخة خليفة سيف الوزارة بإضافة الكادر إلى أساس الراتب حتى يتحسن الوضع المادي للمعلم المواطن فيقبل الآخرون على المهنة، ومنهن من طالبت ببدل طبيعة عمل وتأمين صحي وصرف تذاكر السفر مثل مريم خلفان ونادية الكعبي وشمسة الكعبي واللائي طالبن بالمساواة بالعاملات في الوزارات الأخرى ورفع الراتب الأساسي.
تدعو إلى الإشفاق
ويقول صالح سعيد شبير مشرف قسم اللغة العربية في المعهد العلمي الإسلامي في عجمان إن المعلم يعيش أوضاعاً مادية تدعو إلى الإشفاق، خاصة في ظل ما شهدته الدولة في العامين الأخيرين من قفزات اقتصادية هائلة دفعت بالكثيرين من أصحاب المؤسسات والشركات إلى زيادة رواتب العاملين لديهم (إلى الضعف تقريباً) مع أن المعلمين منذ عشرين عاماً تقريباً لم يحصلوا على زيادة إذا ما استثنينا زيادة الـــ 15، 25% التي قابلتها زيادات الإيجارات
ومصاريف المدارس الخاصة وتكاليف الحياة اليومية وكلها دفعت بالكثير من الوافدين إلى تسفير أبنائهم وزوجاتهم إلى بلدانهم الأصلية كي يكونوا قادرين على مواجهة الغلاء، كما ان المعلم المواطن تقع على عاتقه أعباء أشد وأثقل، خاصة أولئك الذين اقترضوا لبناء مساكن وبعضهم لم يستطع تكملة البناء بسبب الارتفاع الهائل في تكاليفه.
وقال إن الدراسات العلمية التي تضمنها مشروع تطوير التعليم، أوضحت أن حجم الإنفاق على التعليم الحكومي في الدولة يقل بنسبة 60% عن المعايير العالمية وهو رقم يوضح حال التربية عامة والعاملين فيها خاصة، ووافقه زميله مهدي محمد عوده قائلاً: إن الإرهاق الذهني للمعلم يؤثر سلباً وإيجاباً على استقراره النفسي والحياتي،
ومن ثم ينعكس بصورة كبيرة على أدائه المهني وعطائه العملي وليس أكثر من الراتب الكافي تأثيراً على الإرهاب الذهني للمعلم إذا كان لا يفي بـــ 25% من متطلبات الحياة اليومية، واتفق معه في ذلك سمير محمد معلم الجغرافيا مطالباً مع عودة بمساواة المعلمين بأعلى فئات المجتمع دخلاً أسوة بما هو متبع في الدول المتقدمة.
تحقيق ـــ فتحي عبدالكريم