مازالت قضية استقالة الكادر التمريضي في مستشفيات الدولة تلقي بظلالها على كاهل إدارة المستشفيات والمواطنين، إضافة للمسؤولين الذين يقفون شبه عاجزين عن وضع الحلول المناسبة والجذرية لهذه المشكلة التي تشهد تفاقماً دون بصيص أمل في الحل، بما قد يعكسه ذلك من تراجع في تقديم الرعاية الطبية اللازمة للمرضى الذين تغص بهم أروقة المستشفيات.
ورغم تباين حدة المشكلة في منطقة طبية لأخرى، أو من مستشفى لآخر، إلا انها واقعياً تفرض نفسها كإشكالية يتوجب حلها خاصة وأن بعض المستشفيات تواجه حالات أكثر حدة لهذه المشكلة من خلال النقص الكبير لملائكة الرحمة - الطاقم التمريضي - الذي قد يصل إلى أقسام حساسة لا تحتمل مثل هذا النقص، مثل قسم العناية المركزة والحوادث.
طرح هذه المشكلة عبر الصحف يبدو أنه لم يكن كافياً لإيصال حقيقة المشكلة وأهميتها للمسؤولين الذين يعي بعضهم حقيقتها وبدقة، الأمر الذي دفعنا مجدداً في «البيان» لطرق هذا الموضوع بصورة أكثر توسعاً في محاولة منا «للطرق على جدران الخزان».
* مغريات كبيرة
البدايات كانت في قيامنا بجولات ميدانية شملت منطقة دبي الطبية ومستشفى البراحة التابع لها ولوزارة الصحة، ومستشفى راشد الذي يتبع دائرة الصحة والخدمات الطبية في دبي.
إحدى الموظفات في منطقة دبي الطبية (رفضت ذكر اسمها) أشارت إلى ان خلفية هذه المشكلة تعود بالدرجة الأولى إلى وجود مغريات كبيرة لهؤلاء الممرضين والممرضات، متمثلة في الإغراءات المادية المرتبطة بزيادة الراتب الشهري بشكل يتجاوز الراتب المعطى لهم في الدولة بأكثر من ثلاثة أضعاف.
إضافة إلى ان هذه الإغراءات تشمل جملة من المميزات التي لا تتمتع بها خلال عملها في سلك التمريض في دولة الإمارات، مثل المسكن والسيارة وكذلك الترقية والعلاوات الدورية، على العكس من وضعها المالي والوظيفي في الدولة، مشيرة إلى ان الممرضة يجري تعيينها هنا براتب متواضع جداً لا يتجاوز الـ 2000 درهم يشمل السكن والمواصلات، الأمر الذي يجعلها تتلقف العروض القادمة من وراء البحار.
وحول الحلول المقترحة للمشكلة، أشارت إلى أنها ترتبط برفع وتائر الحوافز للكادر التمريضي متمثلاً بزيادة الراتب والمميزات، كي تغدو المنافسة متوازنة بين المحلي والقادم من أعالي البحار.
* مشكلة عامة
وفي مستشفى البراحة التقينا بالدكتور عبدالرؤوف صالح مدير المستشفى الذي أكد حقيقة المشكلة، مشيراً إلى ان المستشفيات كلها تعاني من هذه المشكلة بسبب عدم التوازن بين ما يعرض عليهم من مستشفيات أوروبية وأميركية وما يقدم لهم هنا، والذي يعتبر قليلاً جداً، مضيفاً أن أحد أسباب هجرة أو تسرب الكادر التمريضي في مستشفيات الدولة يعود إلى السعي للحصول على الجنسية الأوروبية والأميركية من قبلهن.
وأشار إلى أن الحلول واضحة جداً لمواجهة المشكلة، والتي تكون بداية في رفع رواتبهن وزيادة الحوافز بالنسبة لهن، مع العمل على الجبهة الأخرى والمتمثلة في تدعيم مدارس التمريض التي أخذت تنتشر في الدولة، عبر زيادة الحوافز للدارسين فيها والتي ستشكل على المدى البعيد الحل النهائي لهذه المشكلة.
* لماذا التسرب
وبدورها قالت زينب رمضان رئيسة هيئة التمريض في مستشفى البراحة، إن المطلوب فعلياً النظر في تعديل الرواتب لتناسب الوضع المعيشي الحالي لإحداث المنافسة بين ما يعرض عليهم من الخارج وبين ماهو قائم حالياً. مشيرة إلى أن الزيادة التي طرأت على الرواتب مؤخراً بنسبة 15 في المئة ساهمت بتعديل الأوضاع قليلاً، إلا أنها لم تمنع الاستقالات والتي بلغت خلال العام الحالي حوالي 12 حالة.
وأوضحت رمضان بأن الدول الجاذبة تقدم حوافز كبيرة للطاقم التمريضي في الإمارات حيث تتراوح الرواتب المقدمة لهم بين 13 إلى 14 ألف درهم تقريباً فيما يتقاضون في مستشفيات الإمارات رواتب لا تتجاوز الـ 2000 درهم دون مميزات تذكر.
وأشارت إلى أن التسرب للطاقم التمريضي نحو الخارج ينذر بالخطر حيث انه يتم في إطار التخصصات النادرة والحساسة مثل العناية المركزة، والعمليات بالإضافة لأقسام الحوادث وغرف الولادة، الأمر الذي سيؤثر بالتأكيد على أدائنا للخدمات المقدمة للجمهور، خاصة وأنه يتم لممرضات قدمت لهن دورات وخبرات تدريبية، حيث تحتاج عملية إيجاد البدائل لهن لفترة ليست بالقصيرة بغض النظر عن إجراءات التعيين ذاتها.
* تكاليف المعيشة
جولتنا تضمنت أيضاً لقاءات مع عدد من الممرضات اللاتي تحاشين ذكر أسمائهن، فقالت إحداهن: بأنها حديثة عهد في الدولة، ولا تحبذ فكرة السفر إلى أوروبا أو الولايات المتحدة الأميركية، مؤكدة بأن أمنيتها ألا تجد من يدفعها إلى ذلك، مشيرة إلى أن زميلاتها دائمات الشكوى من تدني رواتبهن وقلة الحوافز.
فيما أشارت أخرى إلى أنها لن تتردد كثيراً في قبول عرض من الخارج، خاصة وأن راتبها لا ينسجم مطلقاً مع مستوى الأسعار وحجم الجهد المبذول. فيما أشارت ثالثة إلى أنها ستغادر لسبب رئيسي يتمثل في كون جميع صديقاتها غادرن إلى الولايات المتحدة وأصبحت وحيدة، منوهة بأن أوضاعهن المالية هناك ممتازة.
الدكتور حسين آل رحمة رئيس قسم العناية الباطنية المشددة في مستشفى راشد، قال: إن هذه المشكلة مزمنة وتحتاج فعلاً إلى حل أكيد، مؤكداً بأنه لن يكون إلا بزيادة الرواتب ووضع حوافز منافسة لما يعرض عليهن من الخارج، وأشار إلى أن دائرة الصحة والخدمات الطبية وضعت سلماً للرواتب والحوافز لتلافي هذه المشكلة، ويبدو أن الأمور وفق هذا الأمر تسير بصورة جيدة، مضيفاً أن الوزارة تسعى وبشكل جاد لوضع الحلول اللازمة لهذه المشكلة عن طريق زيادة عدد خريجي مدارس التمريض.
د. حسن العلكيم وكيل وزارة الصحة، قال: إن أحد أهم وسائل المواجهة لهذه المشكلة التي تنفذها الوزارة ترتكز على تدعيم مدارس التمريض وخلق الحوافز للالتحاق بها، مشيراً إلى منح طالبات التمريض مكافأة مالية خلال فترة الدراسة ومنحها راتباً لا يقل عن 7 آلاف درهم لدى تعيينها في أحد مستشفيات الوزارة، وأكد العلكيم بأن الأعوام العشرة المقبلة ستشهد نجاحاً كبيراً في ملء الفراغ على هذا الصعيد.
* توطين المهنة
الدكتور عبدالغفار عبدالغفور وكيل وزارة الصحة المساعد لشؤون الطب العلاجي أكد بأن الحل الذي تعمل الوزارة على تطبيقه لمواجهة المشكلة بصورة جذرية يتمثل في دعم مدارس التمريض المنتشرة في الدولة، وإزالة العقبات التي تعترض استمرار الطالبات في الدراسة، مشيراً إلى أن زيادة الحوافز ورفع رواتب الممرضات الوافدات قد يكون حلاً مؤقتاً ولكن الحل الدائم والجذري يكون بتوطين المهنة من خلال زيادة عدد المدارس والخريجين في مدارس التمريض في الدولة.
وأوضح أن التمريض يعتبر هو المشكلة الأساسية في وزارة الصحة، إذ يعاني هذا التخصص من ضعف في الإقبال على الالتحاق بمدارس التمريض لأسباب تتعلق بصعوبة المقررات وضعف التشجيع المادي والمصاعب الخاصة بالمهنة ذاتها، والمتمثلة بالمفاهيم الاجتماعية وساعات العمل.
وأشار الدكتور عبدالغفور إلى أنه تم الطلب من الإدارات المختلفة المعنية داخل الوزارة لوضع خطة توعية في المدارس للطالبات بأهمية الانخراط في مهنة التمريض، وكذلك مخاطبة الجهات المالية لإمكانية زيادة الحافز المادي، وفتح مراكز مسائية لتدريس التمريض، كما قدمنا اقتراحاً بإدخال الذكور في دراسة هذه المهنة والذي يتوقع أن يبدأ العمل به في سبتمبر المقبل.
تحقيق: خالد اللوباني
