كشفت إحصائية لوزارة التربية والتعليم المستور في اضطرابات انفعالية لمئة وسبعة من طلبة المدارس، منها 45 حالة قلق و 27 حالة اكتئاب و35 حالة خوف، فيما حظيت منطقة أبوظبي التعليمية بالنصيب الأوفر منها تلتها تعليمية الشارقة ثم بقية المناطق عدا الغربية والفجيرة ومكتب الشارقة التعليمي.
ومن المثير أنه ليس هناك سبب بعينه للاكتئاب الذي يشمل نطاقا واسعا من الاضطرابات النفسية تختلف من شخص لآخر من الذين يعانون منه ومن القلق الذي يصاحبه شعور بالخوف ويورث إرهاقاً وضعفاً عاماً، ويبدو «العلاج» وكأنه عبء إضافي للاختيار بين أنواع العلاج المختلفة.
اختصاصيو وموجهو رعاية نفسية أرجعوا هذه الاضطرابات إلى التقويمات الامتحانية وما يصاحبها وتعرض الطلبة لاكتئاب خارج عن الحد يظهر في الغالب في سلوكهم وانعكاسه على إهمالهم الشديد لذواتهم وقلة القدرة على التحصيل الدراسي الذي يتحول إلى تدهور بعدما كانوا طلبة عاديين، علاوة على الظروف الأسرية وعلاقاتهم بأقرانهم.
وانطوائهم الكترونيا بمعنى جلوسهم فترات طويلة أمام الحاسوب دون قدرة على التصرف، مؤكدين أن تلك الاضطرابات تصاحب فترة المراهقة في الغالب .
وليس بالإمكان تجاهلها ومن الضرورة أن يكون علاجها نفسياً تدعيمياً لتفريغ الضغوط المصاحبة لسلوكياتها، معتبرين أن فكرة التلويح بالانتحار أو الرغبة في الموت من العلامات المنذرة بالخطر والتي يجب أن ننتبه إليها أهلون ومعلمون ومجتمع!
وقال أحمد عيد موجه الرعاية النفسية في وزارة التربية والتعليم: إن تصنيفات الاكتئاب متعددة ومن أهمها الاكتئاب النفسي أو العصابي التفاعلي والذهاني، مشيرا إلى أننا وعندما نتحدث في المجال التربوي فمن الضرورة النظر للاكتئاب نظرة تربوية شاملة وهذا لا يعني إغفالنا للجانب الآخر لأنه متعلق بالأدوية والعقاقير وحجز أماكن في المستشفيات للعلاج.
وأضاف: مثل هذه الحالات بوجه عام دون الخوض في تفصيلات دقيقة شخصية تحول للطبيب النفسي المختص بذلك وتتابع بعد الاطلاع على تشخيصها من الجانب الوقائي، مؤكدا ان هناك حالات طلابية تم فحصها وتبدأ بمجموعة أعراض خليطة بين القلق والاكتئاب لاسيما ما يتعلق بقلق الامتحان وتقويماته.
وغالبا ما تمر الحالات بسلام على حد قوله، فيما تكون حالات البعض خارجة عن الحد وسرعان ما يتعرضون لاكتئاب يظهر في سلوكهم وما ينجم عن إهمالهم الشديد لدواتهم وتقل قدرتهم دراسيا فيهبط المستوى ليعكس تدهورا دراسيا ما يعني تعرضهم لنوبة اكتئاب.
المراهقة أولاً
ولفت عيد إلى أنه لا يمكننا إرجاع تشخيص الاكتئاب لظروف شخصية، فأحيانا تكون أسرية أو في محيط الأصدقاء، ومن بينه الانطواء الالكتروني بمعنى جلوس الطلبة أمام الحاسوب وعدم قدرتهم على التصرف ما يعكس سوء التوافق الشخصي لديهم وعدم التفاعل مع غيرهم، مرجعا القلق والاكتئاب بوجه عام إلى فترة المراهقة، وتبدأ تحديدا من الصف الثامن وتقل لدى الذكور عن الإناث.
واستطرد قائلا: كل هذه الأمور تصب في بوتقة واحدة، فنجد بعضا من الطلاب لديهم قدرة على التكيف والتوافق في المجتمع ومنهم يتعرض لسوء توافق.
مشيرا إلى أن التوافق وسوءه يعنيان أن في إمكان الطالب الرجوع لحالته الطبيعية والتوافق مع مجتمعه، مرجعا المشكلة إلى عدم التوافق الشخصي وأسبابه الخاصة والفروق الفردية التي تختلف من إنسان لآخر، متسائلا: كيف نواجه الضغوط النفسية التي تسبق الاكتئاب؟
مجيباً أن إدارة برامج الرعاية الاجتماعية والنفسية أعدت برامج وقائية بهدف تقليص الضغوط التي يتعرض لها الطالب وكيف يواجهها ويتخذ قرارا حكيما.
وفي تحليله لإحصائية اضطرابات الطلبة الانفعالية الصادرة عن الإدارة قال عيد: إن نسبتها لعدد الطلبة لا تذكر لأن الأسر تلعب دورا بارزا في علاج تلك المشكلات عبر عيادات الصحة المدرسية والعيادات الخارجية .
وبالتالي لا تمثل المئة والسبع حالات ظاهرة مقارنة بالمشكلات الأخرى مثل التأخر الدراسي والرسوب الدراسي والغياب، مشددا على ضرورة البرامج التوعوية في هذا الجانب للطلبة والمعلمين وأولياء الأمور.
اكتئاب الأطفال
وترى سناء عبد العظيم موجهة رعاية نفسية أن الاكتئاب واحد من الأمراض النفسية التي لا تقتصر الإصابة به على فئة عمرية دون أخرى، فقد يندهش البعض عندما يعلم أن هناك اكتئاب الأطفال والذي يصيبهم في عمر مبكر.
مشيرة إلى أن الاكتئاب يصيب الإناث أكثر من الذكور في ظل ثقافات تدعم الدور الذكوري وتتيح له مجالات إشباع وإنماء للحاجات النفسية بدرجة أكبر مما يتاح للإناث غالبا.
وأشارت سناء إلى أننا إذا بحثنا في الأسباب المحتملة للإصابة بالاكتئاب في الطفولة والمراهقة وبغض النظر عن الأسباب البيولوجية والوراثية وراء المرض، فقد نرجح أسبابا نفسية كالقلق الموصول الذي لم يعالج بصورة مناسبة.
وكذلك الوقوع تحت مسببات الضغوط النفسية، إلى جانب عوامل بيئية ترتبط بحدوث الاكتئاب مثل سوء الأحوال الاقتصادية وسوء التغذية، فيما قد يسبب نبذ الأهل للابن وعدم إشباعه عاطفيا مشاعر اكتئابية بدرجات متفاوتة، مدللة على بعض العلامات الدالة على وجود مشاعر اكتئابية لدى الأبناء ومنها:
الافتقاد إلى روح الدعابة والتحدث عن الشعور بالذنب وعدم الإحساس بجدوى الحياة وأهميتها، مؤكدة أن التلويح بفكرة « الانتحار » أو الرغبة في الموت من العلامات المنذرة بالخطر.
والتي يجب أن ينتبه إليها الوالدان والمعلمون ويسارعوا بتحويل الابن إلى الفحص النفسي المتخصص، لافت إلى ان المهم في هذا الإطار هو التأكيد على مراعاة الحاجات.
النفسية لأبنائنا والقيام بأدوارنا التربوية بوعي واهتمام وحتى لا نتسبب دون ان ندري في إيقاع أبنائنا في دوائر المرض والأزمات النفسية.
وقال خالد عامر موجه رعاية نفسية: عندما نذكر كلمة اكتئاب علينا التفرقة بين ثلاثة استخدامات للكلمة أولها: لوصف حالة الإنسان المزاجية الطارئة أثناء حياته اليومية، وهي هنا تعتبر حالة انخفاض طبيعي في المزاج العام، وهي مؤقتة لساعات أو أيام وتقل تدريجيا حتى تختفي، وثانيها: لوصف عرض من أعراض مرض آخر يمكن ان يكون مرضا عرضيا أو نفسيا، وثالثها:
لوصف مرض نفسي قائم بذاته وهو ما يطلق عليه مرض الاكتئاب النفسي، مشيرا إلى أن معظم حالات الطلبة تعاني من النوع الأول أو الثاني حيث ان معظمهم مرتبط بمرحلة عمرية مصاحبة هي المراهقة حيث حب تقدير الذات والرغبة في الوصول لمستوى عال من التقدير.
ولكنها تفاجئ ببعض المواقف الصعبة من وجهة نظرها كطول المقررات وكثرة الامتحانات الفترية والتقويمات التي غالبا ما تكون أقل من المستوى الذي يتمنون الوصول إليه مما يجعلهم مصابين بأعراض هذا المرض.
ونظرا لتعقد الحياة وتطورها ورغبة في الالتحاق بركبها ومسايرتها فان الطالب المراهق يلهث وصولا إلى المستوى المطلوب حيث تعقد التكنولوجيا ومظاهر البذخ والترف ومستويات الطموح العالية، والواقع يقول:
انه مازال طالبا وراسبا في معظم المواد أو بعضها مما يدفعه إلى انخفاض حالته المزاجية والتي تظهر في شكل حزن عميق غير مستمتع بالحياة ويشخص على انه نوع من أنواع الاكتئاب.
ويرى عبد الناصر إبراهيم عباس اختصاصي نفسي في دبي أن علاج الاكتئاب العضوي يتمثل في العقاقير من خلال مضاداته وعقاقير مهدئة لحالات القلق المصاحبة وأملاح الليثيوم لمنع عودة الأعراض، وبالصدمات الكهربائية التي تفيد في حالات الاكتئاب الدوري وأحيانا اكتئاب سن اليأس، والعلاج بالانسولين المعدل في حالة الاكتئاب البسيط.
مشيرا إلى أن العلاج النفسي التدعيمي ضرورة لطمأنة المريض والتفريغي في حالات الاكتئاب البسيط، وقد يفيد العلاج النفسي المكثف والعلاج الجمعي الطويل.
متابعة: يحيى عطية