بمفاجأة إحالة 16 موظفاً من كبار المسؤولين في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية إلى التقاعد في الأسبوع الماضي تدخل الوزارة من جديد في نفق أزمة داخلية جديدة ينشغل معها الرأي العام بعد أن ظن المراقبون .

والمتابعون لأداء الوزارة خلال عام مضى أن ضجيج أو »زوبعة« الأزمة الأولى والشهيرة بأزمة التأشيرات والتي قدم في أعقابها عدد من كبار المسؤولين في الوزارة استقالاتهم قد هدأت وانتهت.

وأن الوزارة سوف تتفرغ لمواجهة تحديات سوق العمل في الدولة ومشاكله التي لا تنتهي في ظل النمو والتطور الحضاري والعمراني المتسارع، لكن يبدو أن الرياح والمفاجآت تأتي بما لا يشتهي المتفائلون.

فالأزمة الأخيرة آخذة في التفاعل والاتجاه نحو التصعيد من المتقاعدين الــ16 سواء في ديوان الوزارة في دبي أو في أبو ظبي والخروج بها خارج جدران وزارة العمل إلى ساحات القضاء في سابقة لا تتكرر كثيراً في الدولة.

فقد أثار قرار التقاعد حالة من الغضب والتذمر لدى الذين شملهم القرار الصادر بتاريخ 12 ديسمبر الماضي والذي لم يعلموا به إلا يوم الخميس الماضي »شفويا« وقرروا اللجوء إلى القضاء.

ورفع دعوى قضائية جماعية وفردية ضد الوزارة استنادا إلى مخالفته لقانون الخدمة المدنية بشأن تقاعد العاملين في الدوائر الحكومية الذي يحدد حالات معينة للتقاعد منها بلوغ الموظف سن الستين أو العجز الصحي أو تقديم الموظف لاستقالته أو ارتكابه جريمة جنائية وبعد صدور حكم نهائي وهو ما لا ينطبق وصدور قرار التقاعد الأخير.

تصعيد الأزمة جاء في ظل غياب تفسير واضح ومقنع لقرار التقاعد وفي أجواء نفسية متوترة منذ أزمة التأشيرات وشعور الموظفين القدامى في الوزارة بأنهم أصبحوا في دائرة »الاتهامات والشك« التي لا خروج منها في الوقت الذي يرى فيه معالي الدكتور علي بن عبدالله الكعبي وزير العمل والشؤون الاجتماعية.

كما جاءت تصريحاته، أن القرار يأتي في إطار تنظيم حركة العمل داخل الوزارة وهو »شأن داخلي بحت« وليس له علاقة أو ربط بأشياء أخرى كما يتصور البعض!

وقال الوزير إن جميع الوزارات والدوائر الحكومية تحيل بصورة مستمرة بعض موظفيها للتقاعد، متسائلا : لماذا يتم تسليط الأضواء على كل ما يدور داخل الوزارة؟.

كلام الوزير ينفيه المتقاعدون الــ16 وتحدوا أن تكون هناك وزارة أحالت موظفين إلى التقاعد إلا بناء على رغبتهم الشخصية أو وفقا لقانون الخدمة المدنية وليس بالشكل الذي تم به في حالتهم .

وتساءلوا بدورهم »اذا كان الوزير يرى بأننا غير منتجين ونشكل عبئا على العمل داخل الوزارة فلماذا لم يشكل لجنة تحقيق ولماذا قام بتكريمنا من شهور قليلة سابقة وتكليفنا بمهام داخل الوزارة؟!

ثم.. كيف يتم إحالة 16 موظفاً مواطناً يحمل بعضهم درجة الدكتوراة والماجستير إلى التقاعد في الوقت الذي يتم فيه الاستعانة بالوافدين والدولة تضع قضية التوطين ضمن أولوياتها القصوى لمواجهة خلل التركيبة السكانية وإذا كانت الوزارة تعاني من نقص حاد في عدد موظفيها فهل من المعقول أن تتخلى عن 16 موظفاً مرة واحدة.

فالقرار، كما يقولون، يحرم المواطن من أبسط حقوقه وهو خدمة وطنه.

وإذا تم التسليم بالقرار تكون وزارة العمل أكبر وزارة اتحادية أو دائرة حكومية تشهد هذا العدد من الاستقالات والتقاعد لظروف خارجة عن الإرادة ولأسباب متعددة في عام واحد وفي سابقة لم تحدث في تاريخ وزارة العمل.

أو باقي الوزارات وأن يكون جميعهم من المواطنين إلى الحد الذي يتندر فيه بعض الموظفين ويشبهون ما حدث ومازال يحدث بــ»مذبحة المواطنين في وزارة العمل« والتي كانت بدايتها على خلفية أزمة التأشيرات في بداية العام وإشاعة مناخ غير ملائم داخل الوزارة .

وقدم على إثرها 6 من كبار موظفي الوزارة استقالاتهم مثل عيسى صالح مدير الشؤون القانونية وسالم علي مدير إدارة العلاقات الدولية وأحمد تريم وكيل الوزارة المساعد لقطاع العمل وخيفة سيف المهيري مدير مكتب الشارقة وتبعهم طارق بن ديماس مدير إدارة التراخيص على خلفية حركة التنقلات والتعيين في ابريل الماضي.

وفي سبتمبر وأكتوبر تقدم أيضا ثلاثة من كبار الموظفين بالوزارة باستقالاتهم ليصل عدد المستقيلين مع المتقاعدين من كبار الموظفين إلى 25 موظفا وإذا أضيف عدد المستقيلين من صغار الموظفين في إدارات مختلفة في الوزارة وبخاصة إدارة التفتيش يصل الإجمالي إلى ما يقرب من 45 موظفاً.

وبين »القرار« و»القضاء« تسكن التكهنات حول ما هو قادم في وزارة العمل وما إذا كان هناك »تسونامي« جديد يحقق أجندة معدة سلفا لمعركة، يراها عدد كبير من موظفي الوزارة، معركة »تطهير« و»كسر عظام« وتتراجع للصفوف الخلفية فيها مهام ورؤى ومسؤوليات وخطط كان من الضروري والحتمي أن تتصدر قائمة الأولويات والقرارات.

الكل داخل الوزارة وخارجها ينتظر الآن ما سوف تسفر عنه الأزمة الأخيرة وهي بالفعل أزمة، وهل ستنتهي بقرار يرضي جميع الأطراف أم قضاء يعيد الاعتبار لأصحابها ويخلط الأوراق من جديد؟.

عادل السنهوري