تسبب الرأي الذي طرحه الشيخ الدكتور أحمد الكبيسي بشأن الطلاق ومؤداه أن 80% من المطلقات في الإمارات لسن مطلقات في حالة من البلبلة غير مسبوقة في قضية من المفترض أن يتم التعاطي معها بأكبر قدر من الحذر حيث استقر التشريع والعرف على أن الحلال بين والحرام بين.
ما أدى بالأسر التي تعيش مأساة طلاق الزوجين إلى الوقوع في حقل المشتبهات. لقد انتهى الأمر بعدم معرفة الكثير من الأسر، وهم من العامة، بمعنى ممن ليس لهم علم ودراية ذات طبيعة تخصصية بقضايا التشريع في مسألة الطلاق، كيفية التصرف إزاء واقع يتم العمل به، ورأي طرحه الكبيسي اكتسب مشروعية بشكل أو بآخر يخالف هذا الواقع.
وبغض النظر عن الأساس الفقهي والشرعي بل والعقلي الذي يستند إليه الكبيسي في طرحه فإن التحفظ الذي يرد على رأيه في هذا الصدد هو الصيغة والإطار الذي تم عبرهما.
وإذا لم نكن في وارد الأخذ والرد بشأن طبيعة رأى الكبيسي باعتبار ما يحيط بأي خوض في هذا الموضوع من ضرورة التسلح بخلفية فقهية ليست لنا فإن حدود ما نشير إليه في هذه السطور إنما يتعلق بالمتطلبات التي كان ينبغي على الكبيسي ومن عزز رأيه توفيرها قبل طرحه على المجتمع.
لعله من نافلة القول هنا الإشارة إلى أن القضية تمس جانبا من أهم جوانب التشريع الإسلامي المتعلق بالأسرة، والتي تم الاستقرار على مجموعة قواعد تحكمها على مدى تاريخ العلاقات الأسرية في ظل النظم الإسلامية منذ ظهور الإسلام..
فمجموعة القواعد التي تحكم ما درج على تسميته بالأحوال الشخصية إنما تجد جذورها في الآراء الفقهية المختلفة المستمدة من الأصلين التشريعيين الأساسيين في الإسلام وهما القرآن والسنة. ومؤدى ذلك ان الكبيسي بطرحه هذا الرأي خالف ما هو معلوم من الدين بالضرورة.
لا يعني ذلك تأثيم الكبيسي وإنما الإشارة إلى انه يطرح رأيا جديدا قد يدخل في باب الاجتهاد الذي يؤجر مصيبه بأجرين ومخطئه بأجر واحد.
ويتمثل هذا الجديد في نظرة تحاول علاج ما يراه الدكتور الكبيسي خللا في التطبيق أدى إلى حالات طلاق لا تنطبق عليها معايير الطلاق الشرعية، ومن الحالات التي يدرجها الدكتور الكبيسي تحت هذا البند حالات الطلاق الناجمة عن الانفعال والغضب، والتطليق ثلاثا في حين أنه وفقا للرأي الذي ذهب إليه الكبيسي ويراه هو الصحيح من منظور الشرع هو أن هذا الطلاق يعتبر طلقة واحدة.
إن هذا الطرح يمثل هنا مدخلا جديدا للتعامل مع قضية لها موضعها المهم في كيان الأسرة المسلمة. وهنا تتبدى خطورة الرأي الذي طرحه الكبيسي فيما يمكن القول أنه يمثل «تعويما» لمفهوم الطلاق بما قد يؤدي إلى حالة من التشوش بشأن مفاهيم الحلال والحرام في قواعد العلاقات الأسرية، الأمر الذي قد يمثل انقلابا لا تحمد عقباه.
وقد تجلى ما نذهب إليه في ضوء ما أشار إليه الواقع إثر صدور رأي الكبيسي من تحول القضية إلى حديث الجميع بمن فيهم من لا يوجد لديهم أدنى دراية بقضايا التشريع، وهم معذورون في ذلك إزاء حقيقة أن ما طرحه الكبيسي إنما يتعلق بقضية من مفردات الحياة اليومية.. هي قضية الأسرة والمشاكل التي قد تعيشها وتؤدي بطرفيها إلى البحث في الطلاق.
لقد كان من المنتظر من الكبيسي بصفته رئيس لجنة إعداد قانون الأحوال الشخصية الجديد أن يحاول الوصول إلى نوع من الإجماع بشأن الرأي الذي طرحه في الأوساط الفقهية والتشريعية بعد دراسات مستفيضة بشأن الواقع الأسري بشأن هذه القضية، يتم بعده الاتفاق على الصيغة التي يتم بها طرح الأمر على الرأي العام باعتبار ان قضية الطلاق ليست عرضة للاستفتاء بشأنها إزاء كونها قضية ذات أساس تشريعي ينطلق من الدين وليست قضية مدنية عرضة لآراء الأفراد.
حينئذ كان يمكن لنا أن نتوقع أن يمر الأمر دون تلك الضجة التي من الصعب الخروج منها دون أضرار على الكيان الأسرى الذي يؤكد الدكتور الكبيسي أنه يسعى للحفاظ عليه.
دبي ـ «البيان»: