عبرت سوريا عن ارتياحها لقرار مجلس الأمن الجديد 1644 الذي صدر الليلة قبل الماضية حول مدى تعاونها مع لجنة التحقيق الدولية في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، بعدما حالت اعتراضات روسيا والصين والجزائر دون نجاح واشنطن وباريس ولندن في إصدار «قرار ضاغط»، حيث تجنب مجلس الأمن توسيع التحقيقات لتشمل كل الاغتيالات التي شهدها لبنان العام الحالي وانشاء محكمة دولية للمتورطين في اغتيال الحريري.

وأصدر مجلس الأمن القرار 1644 الذي مدد ستة أشهر سوريا ترحب وحتى 15 يونيو 2006 مهمة لجنة التحقيق الدولية التي انتهت الخميس. وأعرب القرار عن قلق مجلس الأمن لعدم تعاون سوريا بشكل كامل مع اللجنة، كما حضها على التعاون الكامل والفوري وغير المشروط مع التحقيق، وطالبها «بتقديم أجوبة فورية ولا لبس فيها» على المسائل التي تقول اللجنة إنها لم تتوضح.

وأخذ مجلس الأمن بحسب القرار علماً بطلب لبنان إنشاء محكمة دولية لمحاكمة المتهمين باغتيال الحريري، وكلف الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان مساعدة لبنان على «تحديد طبيعة ومجال المساعدة الدولية اللازمة في هذا المجال». كما طلب من عنان مساعدة لبنان فنياً في التحقيقات حول الاعتداءات الإرهابية الأخيرة والتشاور بشأن توسيع تفويض لجنة التحقيق ليشمل هذه الاعتداءات.

وينص القرار الجديد على أن تقدم اللجنة تقريرا إلى مجلس الأمن كل ثلاثة أشهر حول تقدم التحقيق «بما في ذلك مستوى التعاون الذي تقدمه سوريا».

وقال رئيس تحرير صحيفة «البعث» الرسمية السورية إلياس مراد لوكالة «فرانس برس» إن «المحاولات التي أرادتها الإدارة الأميركية لم تنجح في الوصول إلى قرار ضاغط على سوريا». وأضاف «أن سوريا تعاونت وإن أكد على ضرورة حصول المزيد من التعاون».

وقد بذلت فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا جهودا حثيثة لتأمين الإجماع حول القرار وخففت من حدة الصيغة الأصلية التي كانت تنص على تكليف اللجنة بالتحقيق أيضا في الجرائم الأخرى التي وقعت في لبنان، بالإضافة إلى ملف الحريري. وقال دبلوماسيون إن هذه الفكرة اصطدمت بمعارضة روسيا والصين والجزائر التي تأمل في تجنب إعطاء انطباع بأن المجلس يقر باحتمال تورط سوري في الاغتيالات الأخرى رغم عدم وجود أي أدلة بينما لا تتناول اللجنة الدولية سوى قضية اغتيال الحريري.

وأوضح مندوب الجزائر عبد الله باعلي انه يؤيد طلب لبنان إجراء تحقيق دولي في هذه الاغتيالات، لكنه قال انه لا يريد أن يكون ذلك مرتبطا بالتحقيق في اغتيال الحريري.

وقال المندوب الروسي اندريه دينيسوف إنه يعارض «ممارسة ضغوط لا لزوم لها» على سوريا، مشيرا إلى أن دمشق بدأت تتعاون مع التحقيق. وأضاف أن المجلس سيواصل مراقبة «الطريقة التي ستنفذ فيها سوريا التزاماتها ومساعدتها إذا احتاج الأمر».

وأكد المندوب الأميركي في الأمم المتحدة جون بولتون أن التصويت «يوجه إلى سوريا إشارة قوية بأننا مستمرون في مطالبتها بتعاون كامل. من الواضح أنهم (السوريون) لم يفعلوا ذلك حتى الآن». وقال المندوب الفرنسي جان مارك دي لا سابليير «نحن سعداء جدا بأن هذا القرار المهم تم تبنيه بالإجماع».

ورأى السفير السوري فيصل مقداد في التعديلات التي أدخلت على النص، «دليلا على أن لسوريا أصدقاء كثرا في المجلس». وأكد مجددا أن «سوريا بريئة» ووعد بتعاون كامل مع التحقيق. إلا أن قاضي التحقيق المستقيل الألماني ديتليف ميليس رأى أن هناك «رابطا واضحا» بين عمليات الاغتيال التي شهدها لبنان منذ اغتيال الحريري في 14 فبراير الماضي.

وقال ميليس في حديث لشبكة التلفزيون الأميركية «سي ان ان» «علينا أن نبحث عن روابط بين هذه الاغتيالات وهذا ما نحن فاعلون، لأنه من الواضح أن هناك روابط بين كل هذه الجرائم التي تلت اغتيال الحريري». في بيروت، صرح وزير العدل اللبناني شارل رزق أن القرار «اقل مما كان يشتهيه البعض واقل مما كان يخشاه البعض الآخر».

وقال رزق في مؤتمر صحافي عقده بعد اجتماعه مع ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في لبنان غير بيدرسن إن «حسابات الدول لا تأبه بما تشتهيه الدول الصغرى»، في إشارة إلى عدم تجاوب مجلس الأمن مع طلب الحكومة اللبنانية تشكيل «محكمة ذات طابع دولي»، ووصفه بأنه «الوسط بين اثنين»، معتبراً انه قد تكون له نتائج ايجابية تتمثل ب«التقريب بين وجهات النظر التي كانت تبدو متناقضة في اجتماع مجلس الوزراء اللبناني».

ومن جانبه، شدد بيدرسن «على أهمية الوحدة الوطنية في لبنان«، معربا عن أمله بأن يساهم القرار في هذه الوحدة. وقال إن عدم إقرار إنشاء محكمة دولية لا يعني تخليا عن لبنان.

وفي السياق ذاته، عبر حزب الله اللبناني عن رضاه تجاه القرار، وقال عضو مجلس النواب عن الحزب علي عمار إن أي قرار بشأن محكمة دولية هو شأن داخلي، وأن حزبه يرى أنه يمكن للبنانيين حل كل شيء داخلياً.

ورأى المسؤول الإعلامي في حزب الله اللبناني محمد عفيف أمس أن «ما حصل في مجلس الأمن أعاد الأمور إلى مكانها، إلى حيث يجب أن تكون، إذ إن القرار في هذا الموضوع يجب أن يتخذه اللبنانيون عبر الحوار الداخلي».

وكان وزراء حزب الله وأمل علقوا مشاركتهم في الحكومة الاثنين بسبب رفضهم القرار الذي اتخذ بغالبية أصوات الوزراء والقاضي بالمطالبة بمحكمة دولية في اغتيال الحريري وبتوسيع التحقيق الدولي ليشمل سلسلة الاغتيالات التي وقعت بعد هذه الجريمة وكان آخرها اغتيال النائب جبران تويني.

وقال عفيف إن «الحوار الداخلي كان بدأ بين حزب الله وتيار المستقبل (برئاسة النائب سعد الحريري والذي ينتمي إليه رئيس الحكومة فؤاد السنيورة)، إلا أن الطريقة التي أديرت بها جلسة مجلس الوزراء الأخيرة هي التي أدت إلى أزمة حكومية». وتابع أن «الجهة التي دفعت البلاد إلى أزمة سياسية هي المسؤولة عن إخراج اللبنانيين منها». وأضاف أن وزراء الحزب «لا يزالون في حكم المعلقين لمشاركتهم في الحكومة، ولم يتخذ قرار بعد حول الاستقالة أو عدمها». إلا انه قال «إننا نعيد تقييم موقفنا في ضوء القرار الدولي الأخير وفي ضوء تقديرنا للمصلحة العامة، وكل الخيارات مطروحة».

في واشنطن، قالت وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس في مقابلة مع محطة «فوكس» الأميركية أمس إن السوريين يواصلون عمل ما كانوا يفعلونه على الدوام من القيام بشيء قليل هنا أو هناك من أجل رفع الضغوط الأميركية والدولية عنهم لكنهم لم يتخذوا بعد قراراً استراتيجياً بتغيير سلوكهم.

وأضافت أن المسألة ليست بين الولايات المتحدة وسوريا بل إنها مسألة السلوك السوري الذي يحبط قدرة الفلسطينيين على التوصل إلى حل سلمي مع إسرائيل، من خلال دعم سوريا لحركة الجهاد الإسلامي التي تقيم في دمشق وتصدر أوامرها بشن هجمات على إسرائيل تزعزع استقرار السلطة الفلسطينية وتخلق مشكلة للرئيس الفلسطيني محمود عباس.

كما اتهمت رايس سوريا بإحباط عزم اللبنانيين في اتجاهات عدة من خلال عمليات الترهيب وحتى بصلاتهم بعمليات الاغتيال التي لا يعرف أحد القصة الكاملة عنها، وكذلك بإحباط آمال العراقيين في السلام من خلال السماح بتسلل الإرهابيين عبر الحدود للقيام بقتل الأبرياء العراقيين.