تصور خاطئ توارثناه جيلاً بعد آخر مفاده أن عاداتنا وتقاليدنا تمنعنا من الخوض في حديث يتصل بالجنس واجتناب التعرض بالسؤال والجواب لأي أمر يتعلق به، والهرب من استفسار الأبناء في السن الحرجة عن مواضيع يحتاج معرفتها، لمجرد انها تذهب في هذا الاتجاه.
لسان حال الواقع يقول: إنه لم يعد هناك شيء من هذا القبيل يخفى على أبنائنا لا سيما في مرحلة يستهويهم الحديث فيها عن هذا الأمر الذي قد يدفعهم الى استكشاف المجهول أو المحظور بدافع إلحاح الرغبة لديهم بدلاً من تربيتهم على أصوله وآدابه، وخير دليل ما نسمع من أخبار تقشعر لها الأبدان عن علاقات شاذة وشباب يتزوج آخر وفتاة ترتبط بصديقتها.
وإذا كان الحال هكذا، وأشارت إليه »البيان« في تحقيق بعددها الصادر في 7 ديسمبر الجاري ولم يلق رداً أو إستجابة، فنعود لنذكر حتى لاندفن رؤوسنا في الرمال بأنه علينا مواجهة المسألة وما المانع من تضمين مناهجنا الدراسية موضوعات ذات علاقة بالتربية الجنسية في اطار ديني، حماية للأبناء من أخطار برامج فضائيات غير هادفة تخاطب الرغبات يتأثر بها الكبير قبل الصغير،
كما أن سهولة استخدام التكنولوجيا وانتشار مقاهي الانترنت تدفع الكثير للبحث في الموقع ويتقن بعضهم اختراق مواقع محظورة ليصل إلى ما يريد وينشره بين اصدقائه، ناهيك عن »السي دي« والمجلات الصفراء المهربة ويتم توزيعها على الصغار بأسعار رخيصة في غفلة من أولياء الأمور الذين يعتقدون ان الموضوع عيب ويجب الصمت.
طالب دعاة ومختصون وأساتذة جامعات بتدريس التربية الجنسية في المدارس أسلوباً للطلبة شريطة اتسامها بأسلوب المعرفة والمكاشفة لا بأسلوب الفضح على أن تتم لكلا الجنسين بعيداً عن الآخر، فيما اعتبرها طلاب وطالبات خطوة جادة لحفظهم من الوقوع في أخطاء يستمر أثرها معهم، مطالبين بها ضمن ضوابط تخرج شباباً محصنين بثقافة سوية وعلم صحيح يفيدهم في معترك حياتهم دون خلط او لغط.
وقال الدكتور خليفة السويدي الأستاذ بكلية التربية ـــ جامعة الإمارات إن التجارب العالمية تختلف من بلد لآخر بما يعرف بالتجارب الجنسية بناء على التحديات، وفي بعض البلدان هناك مادة تسمى ـــ التربية الجنسية ـــ يتعلم من خلالها الإنسان الأمور المرتبطة بهذه المادة أولاً ثم ميقاتها ثانياً، موضحاً أن بعض الدول ترى أن تدرسها في المرحلة الابتدائية ومنها ما يرى تدريسها في المرحلتين الاعدادية والثانوية.
ولفت الدكتور السويدي الى أننا نميل في الدولة الى تدريس هذه المادة عبر مواد مختلفة، فجانب من التربية الجنسية فيه تشريع ديني ويتم تدريسه في مادة التربية الإسلامية، وهناك آخر مرتبط بالناحية البيولوجية ويدرس في مواد العلوم،
مشيراً هناك قضايا أخرى بالامكان تدريسها في مادة التربية الأسرية، مضيفا أن الهدف العام من ذلك هو تعليم الطالب والطالبة أن القضايا الغريزية وسيلة اوجدها الله سبحانه وتعالى في الناس للمحافظة على الجنس البشري واذا أسيء استخدامها تكون النتائج سالبة على الفرد والمجتمع.
حاجة ماسة
ويقول الدكتوراحمد حسين الصغير الاستاذ المساعد بكلية التربية ـــ جامعة الإمارات: إن الثقافة الجنسية جزء من ثقافة المجتمع الكلية، وهي تتضمن العديد من الجوانب المعرفية المرتبطة بالتغيرات الى تحدث عند سن البلوغ لدى الجنسين وكذلك تركيب الأعضاء التناسلية ووظائفها ،
فضلا عن الجوانب المرتبطة بالتعامل مع الجنس بصورة صحيحة، والأحكام الشرعية المرتبطة بالجنس وغيرها من المعلومات والمعارف التي ترفع وعي الفرد وتزيد من قدرته على مواجهة المثيرات الجنسية التي تأتيه من كل حدب وصوب في هذا العصر.
وأضاف: مما لاشك فيه أن نصيب الإنسان العربي من الثقافة والتربية الجنسية قليل وهو يلجأ في بعض الأحيان لمصادر غير تربوية كالمواقع الإباحية أو المجلات الرخيصة أو الأفلام الفاضحة، الأمر الذي يكسبه ثقافة جنسية سلبية وغير أخلاقية قد تقوده الى السلوك الشاذ الذي ينافي قيمنا وعاداتنا،
مؤكداً على ذلك أن الحاجة حقيقية وماسة لتقديم تربية جنسية في المدارس ، مشيراً الى أن غض الطرف عن ذلك بدعوى انه قد يؤدي الى زيادة التفكير في الجنس أويقود الى سلوك سلبي أو أنه يتنافى والأخلاق العامة في المجتمع ليس صحيحاً، وما نشاهده من تحديات في هذا العصر ومثيرات لا حصر لها يؤكد مرة أخرى أهمية تقديم تربية جنسية في المدارس وثقافة جنسية للأفراد في المجتمع بأسلوب علمي وتربوي في آن واحد.
وأشار الدكتور الصغير الى أن الثقافة الجنسية ليست مسؤولية المدرسة فحسب بل هي قاسم مشترك بينها والمجتمع الى جانب ما تؤكده الشريعة الاسلامية من حق الانسان في المعرفة بمختلف صورها وأنواعها بما فيها المعرفة الجنسية، إلا أنها تؤكد في الوقت نفسه على العلم الصحيح الذي يربط بين الثقافة الجنسية والأحكام الشرعية.
الأسرة والمدرسة
الدكتور أسامة الموسى اخصائي نفسي في الإدارة العامة للمؤسسات العقابية في دبي من المؤيدين لادخال موضوعات خاصة بهذا الجانب في مدارسنا، لافتاً الى ان الثقافة الجنسية يجب أن يتعلمها من هو في فترة النضج لمعرفة ايجابياتها وسلبياتها وخطورتها التي أصبحت في عالمنا المعاصر من أكثر القضايا في المحاكم ومراكز الشرطة،
مؤكداً أن معظم القضايا الجنسية سببها الجهل من الأسرة والمدرسة في كيفية التعامل مع هذه النفس البشرية الإمارة بالسوء.وتابع قائلاً: يجب ان يكون معلمو الثقافة الجنسية على علم ودراية بالأمور الجنسية قبل تدريسها كمنهاج، موضحاً أنه مع فكرة تضمين المناهج لهذا الموضوع.
وتساءل محمد عبد الفتاح اسماعيل الواعظ بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف بمكتب المنطقة الغربية: هل يبقى شيىء من أمور الجنس لا يزال يخفى على أبنائنا وبناتنا من سن المراهقة أو قبلها؟،
مجيباً بالنفي بسبب روافد عدة منها: وسائل الإعلام بكل مصادرها، وثقافة الهمس ويعني بها ذلك النقل المباشر من البنات لبعضهن البعض والأولاد بعضهم البعض فإنهما معا وفي مرحلة معينة يستهويهم الحديث عن هذا الأمر، وإذا كان الأمر هكذا وحتى لاندفن رؤوسنا في التراب فعلينا مواجهة المسألة بحزم
ونقول: ما المانع من تدريس »الثقافة الجنسية« لأبنائنا في المراحل الثانوية والجامعية بمناهج منضبطة وبأيدي معلمين ومعلمات متخصصين بدل تلك الروافد سالفة الذكر والتي من شأنها أن تغذيهم بثقافة مسمومة مدمرة.
وأشار إلى ضرورة تدريس الثقافة الجنسية بمناهج تتسم بأسلوب المكاشفة والمعرفة لا بأسلوب الفضح على أن تتم تلك الدراسة لكل من الجنسين بعيداً عن الآخر وأن يتم تدريس الثقافة على يد معلمة للإناث ومعلم للذكور ،
مستشهداًَ من التراث الإسلامي مايدلل على ذلك قائلاً: تروي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء من التفقه في الدين فكن يسألن النبي صلى الله عليه وسلم عن أدق الأمور المتعلقة بموطن العفة، فكانت المرأة تسأل عن حيضها وعن غسلها.
وسألت إحداهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت يا رسول الله: هل على المرأة من غسل، قال: نعم إذا رأت الماء، وقال صلى الله عليه وسلم: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل.
وبعث سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله وأرضاه رجلاً للنبي صلى الله عليه وسلم يسأله حل مشكلة كان يعاني منها واستحى أن يسأل النبي مباشرة عنها، حيث كان يعاني من كثرة نزول المزي منه فسأل: هل يحتاج الى غسل عند نزول المزي أم يكتفي بالوضوء.
وقصة المرأة التي جاءت للنبي صلى الله عليه وسلم تسأله عن كيفية التطهر من الحيض فقال لها: خذي قطعة من القطن فتتبعي بها أثر الدم، لافتا الى أن هذه الأجوبة وغيرها أولادنا في أمس الحاجة لمعرفتها
وأن لم يتلقوها في مناهحهم التعليمية فستصل اليهم مغلوطة من مصادر شرعية، مرتئيا أنه لا حرج بل من الضرورة أن يشرع المتخصصون من أطباء وخبراء في التربية وفقهاء لوضع منهاج للثقافة الجنسية لأولادنا وبناتنا.
تحقيق: يحيى عطية