تعرض لبنان أمس لهزة أمنية كبيرة باغتيال النائب والصحافي اللبناني جبران تويني المحسوب على التيار المعارض لسوريا بتفجير سيارة ملغومة في بيروت في رابع عملية اغتيال سياسي يشهدها لبنان منذ بداية العام. وسارعت حكومة رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة إلى الطلب من مجلس الأمن التحقيق في اغتيال تويني وتشكيل محكمة دولية للنظر في كل الاغتيالات.
ورغم ان تويني تلقى تهديدات بالاغتيال إلا ان اللافت كان توقيت الاغتيال الذي جاء بعد ساعات من تسليم رئيس لجنة التحقيق الدولية في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، القاضي ديتليف ميليس، تقريره الثاني إلى الأمم المتحدة والذي اتهم فيه سوريا بعدم التعاون مطالباً باعتقال خمسة مسؤولين سوريين يشتبه بضلوعهم في اغتيال الحريري فاتحاً المجال أمام مجلس الأمن الدولي الذي ينظر التقرير اليوم للتضييق على سوريا بإمكانية فرض عقوبات عليها.
ونددت دولة الإمارات العربية المتحدة بحادث الاغتيال، وقال سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الإعلام والثقافة إن دولة الإمارات تستنكر بكل قوة هذا العمل الإجرامي الجبان الذي لم يستهدف فقط حياة إعلامي لبناني بارز بل انه جزء من مسلسل من الجرائم التي بدأت باغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري والتي ترمي إلى زعزعة الاستقرار والأمن في لبنان الشقيق.
وقدم سموه تعازي دولة الإمارات إلى عائلة الفقيد وذويه وإلى ذوي الضحايا، متمنياً الشفاء للمصابين. وأكد سموه وقوف دولة الإمارات العربية المتحدة إلى جانب لبنان الشقيق في مواجهة المحن المتلاحقة التي تهدف لإشعال الفتنة في ربوعه وتدمير وحدته الوطنية واستقلاله.
وكان جبران تويني اغتيل صباح أمس قرب منزله في ضاحية المكلس شرق بيروت بعد 24 ساعة من عودته من العاصمة الفرنسية باريس التي لجأ إليها لأسابيع لدواع أمنية. ونفذت الجريمة بسيارة حمراء اللون كانت متوقفة على جانب مسار جانبي سلكه تويني تجنباً لزحمة السير، وقدرت تحقيقات سلطات الأمن اللبنانية أنها كانت مفخخة بـ 50 كيلوغراماً من المتفجرات ما تسبب في قذف سيارة جبران المصفحة من نوع رينج روفر في واد قريب.
وكانت سلطات الأمن متفائلة بالعثور على صاحب السيارة المفخخة لأن التحريات بينت أنها ليست مسروقة، وان لوحات التسجيل المعدنية المثبتة عليها غير مزورة.
وتبنت عملية الاغتيال جماعة غير معروفة أطلقت على نفسها اسم «المناضلون من أجل وحدة وحرية بلاد الشام» في بيان وصل إلى وكالة رويترز للأنباء، وقالت ان المصير نفسه ينتظر «كل من تسول له نفسه التعرض لمن قدم ولا يزال يقدم الغالي والنفيس من أجل العروبة ومن أجل لبنان».
وجاء في البيان «لقد كسرنا قلم المدعو جبران تويني وأغلقنا فمه إلى الأبد وحولنا النهار إلى ليل حالك». وأضاف البيان في إشارة إلى جريدة النهار «لقد نجحنا اليوم أيضاً في تصفية بوق إضافي من الأبواق التي ما فتئت تنعق وتنشر سمومها وأكاذيبها ولم يتوقف عن ذلك رغم الانذارات التي وجهناها إليه مراراً وتكراراً».
لكن الزعيم اللبناني وليد جنبلاط حمل دمشق مسؤولية اغتيال تويني. وقال للمؤسسة اللبنانية للإرسال (إل بي سي) ان «رسالة الإرهاب الجديدة وصلت .. الرسالة واضحة لأن أحدهم قال للتلفزيون الروسي ان فرض عقوبات على سوريا سيزعزع الاستقرار (...) بدأت الزعزعة وسنجيبهم»، في إشارة إلى الرئيس السوري بشار الأسد من دون ان يسميه.
وفي المقابل أعرب مصدر إعلامي رسمي سوري في بيان نقلته الوكالة العربية السورية للأنباء عن «ألم سوريا لحوادث التفجير والاغتيال المدانة التي تستهدف أمن لبنان واستقراره». وشدد «على ان من قام بهذا التفجير هو من يريد التصعيد ضد سوريا خاصة عشية طرح تقرير ميليس على مجلس الأمن وبعدما بدأت الحقيقة تتضح ببراءة سوريا».
من جهته، عقد السنيورة مؤتمراً صحافياً في بيروت أمس رفض خلاله الرد على أسئلة الصحافيين، واكتفى بالقول ان حكومته تنوي اللجوء إلى محكمة دولية لمحاكمة المذنبين المتورطين ليس فقط في اغتيال الحريري لكن أيضاً في سلسلة الاعتداءات التي استهدفت شخصيات لبنانية أخرى من بينها جبران تويني.
وبعد ساعات من الصدمة التي أصابت اللبنانيين على مختلف مستوياتهم طلب رئيس الوزراء فؤاد السنيورة من الأمم المتحدة تشكيل «محكمة ذات طابع دولي» للنظر في كل الجرائم التي وقعت في لبنان منذ محاولة اغتيال النائب مروان حمادة في صيف 2004، وقال ان «المجرمين ماضون في قتلنا واحداً بعد الآخر».
من جانبه طالب النائب سعد الحريري بالتحرك لوضع حد لمسلسل الإرهاب، وقال ان من يقف وراء اغتيال تويني «هم أنفسهم حفنة الأشرار الذين اغتالوا الشهيد رفيق الحريري».
أما على الصعيد الدولي فكانت الإدانات شديدة. ووصف البيت الأبيض الحادث بأنه «عمل من أعمال الإرهاب»، وأبدى الرئيس الفرنسي جاك شيراك وقوفه إلى جانب لبنان، فيما أعرب الاتحاد الأوروبي عن قلقه من سلسلة الاغتيالات التي «استهدفت أنصار الديمقراطية اللبنانية».
وكانت سوريا أيضاً محل اتهام في مجلس الأمن الدولي، للمرة الثانية في غضون نحو 50 يوماً، إذ اتهمها التقرير الثاني لرئيس اللجنة الدولية المكلفة بالتحقيق في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري بعدم التعاون «الكامل» وان تجاوبها مع التحقيقات يتم بـ «خطى بطيئة»، مطالباً إياها باعتقال المسؤولين الأمنيين الخمسة المشتبه في تورطهم في الاغتيال. وأشار التقرير إلى وجود لائحة بـ 19 مشتبهاً بهم جدد.
وفيما أعلن مسؤول سوري رفيع المستوى ان بلاده تدرس التقرير، الذي سيكون محل نقاش في مجلس الأمن الدولي اليوم، طلب ميليس من المنظمة الدولية التمديد ستة أشهر إضافية على الأقل للجنة لاستكمال التحقيقات التي دعا سوريا إلى التجاوب معها من غير شروط، بعدما بدأت لتوها في الوفاء بالتزاماتها.
وجاء في التقرير الدولي أن دمشق «تحرك» الشاهد هسام هسام الذي تراجع عن إفادته في القضية.
وأوضح التقرير أن «هناك معلومات ذات مصداقية بأن تبديل هسام إفادته عائد إلى اعتقال السلطات السورية وتهديدها بعض أقربائه. يشار إلى أن التقرير الجديد يقدم إلى مجلس الأمن بناء على القرار 1636 الذي صدر في 31 أكتوبر مستنداً على البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي طالب سوريا بالتعاون الكامل وإلاّ كانت تحت طائلة العقوبات الدولية.
بيروت ـ علي بردى والوكالات:


