بالرغم من أهمية التدريب كحجر زاوية لمختلف عمليات التطوير المؤسسي وما يمثله من أكسير لتنمية الموارد البشرية وتحقيق الاستراتيجيات والمشاريع بشكل فاعل وناجح، إلا أنه لا يلقى أي تقدير في مؤسساتنا التربوية وتحتاج العملية التدريبية إلى مزيد من التنظيم بحيث تنطلق من استراتيجية واضحة مرسومة المعالم محددة الأهداف والنواتج، فيما لن يلقى أي تغيير مقترح النجاح ما لم يدعم ببرامج تدريبية للقائمين والمكلفين بإحداث هذا التغيير.
ولنعترف أن جامعاتنا العربية تخرج الآلاف سنويا من الهيئات التدريسية في مختلف التخصصات دون تدريب وتأهيل وكأن مدارسنا ـــ حقول للتجريب -، ناهيك عن أن التدريب ترصد له الميزانيات حتى يسجل في التقارير عدد البرامج التدريبية المقدمة كميا دون ذكر مدى جدواه وأثره، وغير ذلك أردنا منه علاجا لقصور التدريب الذي يبحث عن هوية تعيد إليه عافيته إن كانت!
في رأي أحمد عبد الله الخبير التربوي أن الدور المتغير للتدريب مرتبط ارتباطا طرديا مع الدور المساير أحيانا لمتطلبات تطور المتعلم بصفته »مدرسا« في عصر جديد، فليس الذي كان حسب قوله يمتهن مهنة بسيطة يتعامل بمهارات عادية مع تلاميذ صغار، مشيرا إلى أن البيئة الصفية اختلفت اليوم، فالمتعلمون يفوقون معلميهم في المعرفة والمعلومة بسبب تعدد المنافذ والمستجدات المتوالية نظرا لانتشار العلوم والتكنولوجيا المعلوماتية التي أصبحت في متناول الجميع، متسائلا: ما التعليم الذي نريده، وما التدريب الذي ننشده للمعلم الذي نحن بحاجة إليه؟
وأضاف عبدالله: هناك معادلة طفت على السطح التربوي مفادها كيف يتم مواءمة الإعداد المهني مع الدور التربوي، داعيا الجهاز الفني بوزارة التربية والتعليم للرد عليه، لافتا قبل هذا وذاك إلى ضرورة إعداد دراسة مسحية كاملة حول التدريب وعملياته التي تمت وفئاته التي استهدفها ومن ثم تأتي مرحلة التدريب الذي نتطلع إليه.
معرفة فقط
ولفت إلى أنه لا تنمية فاعلة وشاملة في ظل نظام تعليمي نام وتقليدي، مؤكدا أن الفوارق الحاكمة بين التدريب النظري والتدريب التطبيقي كشفت الكثير من التباينات في التخصصات الإدارية والإشرافية والتدريبية وبشكل ملحوظ في الميدان التربوي، مشيرا إلى أنه وبالرغم من المحاولات المحدودة في إعطاء التدريب دوره إلا أنه غلب على تلك المحاولات صفة نقل المعرفة فقط
بينما المفهوم العلمي للتدريب أنه عامل تغيير وذو أثر من خلال برامجه التطبيقية في رفع الكفاءة والكفاية لدى المتدربين، مؤكدا أن تطوير التعليم لن يتم إلا من خلال التخطيط الاستراتيجي لتحقيق أهداف المشاريع والبرامج التطويرية ولن يتم ذلك إلا في صحبة استراتيجية تدريبية واضحة المعالم وتدريب متعلق بالوظيفة القائمة على مفهوم الأداء المتميز والتدريب المستمر قبل الخدمة وبعدها.
وفي السياق ذاته، يرى عارف فضل السويدي مدير مدرسة الإمارات في دبي أن التدريب يمثل حجر الزاوية والأساس لكل عمليات التطوير المؤسسي وتكمن أهميته في تحقيق استراتيجيات ومشاريع المؤسسة بشكل فاعل وناجح، لافتا إلى أنه وبالرغم من أهميته لا يلقى أي تقدير في وزارتنا العتيدة وكل ما يتم من برامج وأنشطة تدريبية، تدريب في شكله وتخريب في مضمونه، والسبب حسب رأيه أن التدريب ترصد له الميزانيات الضخمة ـــ نسبيا ـــ حتى يسجل في النهاية في التقارير عدد البرامج التدريبية المقدمة كميا ولكن دون أي تقرير عن مدى جدواه وأثره.
وتابع قائلا: إن شئنا أن نفصل في ذلك سنجد أن الضعف العام بل المرض المزمن يستشري في حقيقة التدريب المؤدى على مستوى الوزارات عموما والتربية بوجه خاص، فمدخلاته ضعيفة من حيث موازناته ومدربيه والقائمين عليه وضعيف في عملياته من حيث طريقة تأديته وتنفيذه ولا يكاد يذكر من حيث مخرجاته وأثره على المشاركين فيه أو الأهداف المرسومة له.
دورات معادة
ولفت السويدي إلى أن هناك فئة معينة تستأثر بمعظم ميزانية التدريب والتي تضيع في سفرات خارجية وحضور مؤتمرات واستقدام خبراء، مؤكدا أن هذه الفئة تستفيد من هذه التسهيلات التدريبية دون أن تطالب بنقل هذه التجارب والخبرات أو من دون تقييم مدى استفادتها أو أثر التدريب عليها،
مشيرا إلى أن الفئة الأكبر التي تنتمي إلى الميدان لا تحصل على هذا التدريب إلا في أبسط أشكاله التي تتمثل في دورات تدريبية مكررة ومعادة على أيدي مدربين لا ينتمون إلى هذه المهنة وفي فترات زمنية لا تكاد تذكر، متسائلا: من المعني بتنفيذ التدريب؟، أليس الجهاز الفني والتوجيه، أين ما يثبت أن هذا الجهاز يدرب، وأين ما يثبت أن وزارتنا تتابع هذه المسألة؟
وقال محمد محيي الدين مينو مدرس اللغة العربية في ثانوية محمد بن راشد آل مكتوم: لنعترف منذ البداية أن جامعاتنا العربية لا توفر البتة لطلابها الحد الأدنى من التدريب والتأهيل، بل يكاد قسم اللغة العربية مثلا يقتصر على تدريس علوم اللغة وفنونها وآدابها،
فلا يتيح لطلابه دراسة طرائق تدريس اللغة إلا في كلية التربية التي لا تفتح أبوابها عادة إلا لطلبة الدراسات العليا من أصحاب المعدلات العالية، وهم في كل الأحوال نخبة من الطلبة تؤهل نفسها على الأغلب للعمل في الجامعة لا للعمل في المدرسة.
وهكذا حسب رأيه تقذف الجامعات العربية آلاف المعلمين في حقل التربية والتعليم من غير تدريب ولا تأهيل، وكأن مدارسنا حقول للتجريب أو كأن أبناءنا الطلاب فئران للتجارب، ومن هنا تقوم خبرة معلمينا في ميدان التدريس على جهودهم الشخصية واجتهادهم الذاتي لأن وزارت التربية والتعليم في عالمنا العربي لا تكاد توفر لهم فرصا مواتية لصقل خبراتهم وتنمية مهاراتهم،
بل لا يكاد موجهوها ـــ وهم صلة الوصل ـــ يملكون ما يؤهلهم من الخبرات، لأن أدوارهم تقتصر على (التفتيش) و(التفنيش) لا على التدريب والتأهيل.. وإذا ما نهضت الوزارة أو المنطقة يوما بدورة تدريب أو ورشة عمل كل عقد من الزمان، فإنها لا تضع في حساباتها منهجا ولا خطة ولا خبرات.
وتابع مينو: لعل أحدث مثال هو الدورة التي دعا إليها مؤخرا موجهو اللغة العربية في تعليمية دبي معلما واحدا من معلمي المادة في كل مدرسة، لافتا إلى أن من ينظر في برنامجها يجد أنها مجرد محاضرات تربوية عامة لا صلة لها من قريب ولا بعيد بعملنا الميداني كمعلمين للمادة، وكأن المسألة ليست إلا سدادا من عوز أو ضحكا على اللحى، أو كأن المحاضر نفسه يعيش خارج الزمن التقني الذي وصل إليه التدريس في العالم، متسائلا: لماذا يستخفون بنا؟
وأضاف: مع عملية تجديد المناهج في الدولة ـــ وهي تجري على قدم وساق ـــ تبدو الحاجة إلى تدريب المعلمين وتأهيلهم ماسة وخطيرة في آن معا، فالوزارة دأبت كل عام على طرح مناهج جديدة في مختلف المواد، مشيرا إلى أنها جهود كبيرة ولكنها لم تدرب المعلمين على تدريسها ولم توفر لبعضها حتى الساعة أدلة تهدي المعلمين إلى سواء السبيل،
مستشهدا على ما يقوله بأن بعض معلمي اللغة العربية في الصف الثالث يقف اليوم حائرا أمام نشاط من أنشطة كتاب (مهارات لغتي) يطلب من تلميذه أن يكتب مشهدا مسرحيا أو أن يكتب قصة قصيرة، لأن المعلم نفسه لم يدرب يوما على كتابة المسرحية ولا كتابة القصة القصيرة، وبعض المعلمين مهموم بقوت يومه وايجابيته وبعضهم الآخر مشغول بأسعار البورصة والدروس الخصوصية.. والضحية أولا وأخيرا أبناؤنا الطلاب الذين ستترك حال معلميهم الرثة آثارها الوخيمة في نفوسهم ومسيرتهم الطويلة.
تحقيق: يحيى عطية