يقوم النظام القانوني لإصابات العمل على فكرة وجوب حماية العمال ضد الإصابات التي تلحقهم بسبب العمل وفي أثناء تأديته وفقا لما تنص على ذلك اغلب القوانين كما يقول الدكتور جلال محمد إبراهيم أستاذ القانون المدني في كلية القانون جامعة الشارقة وعميد الكلية السابق.

وهو يضيف ان القانون يلزم أصحاب العمل بدفع تعويضات معقولة وجزافية كتعويض للعمال عن الأضرار الجسدية التي لحقتهم أثناء تأديتهم للعمل في خدمة صاحب العمل ومشروعه وهذه التعويضات يلتزم بها أرباب العمل سواء كانوا قد ارتكبوا في إدارتهم للعمل خطأ أو لم يرتكبوا أي خطأ باعتبار ان تحمل هذه التعويضات هو جزء من مخاطر الحرفة التي يزاولها رب العمل

والتي يكسب منها وبالتالي يجب ان يكون عادلا في المقابل لأنه ليس من المعقول أو الإنساني ان يذهب العامل ضحية لحادث ما كان سيقع له لولا أداؤه له ثم يترك هو أو ورثته يعانون من الأضرار الجسدية التي لحقته دون أن يحصل على تعويض عنها من رب العمل.

وأوضح أنه انطلاقا من ذلك فان المشرع لهذه الاتجاه الفكري حين اصدر قانون العمل رقم 80 لسنة 1980 وخصص الباب الثامن منه من المواد 142 إلى 153 للتعويض عن إصابات العمل وأمراض المهنة والذي تضمنت المادتين 149 و 150 منه تحديد مقدار التعويض المستحق للعامل عند إصابته وتحديد هذا المقدار المستحق لأفراد عائلته بعد وفاته على النحو التالي:

ـــ انه إذا أدت الإصابة إلى وفاة العامل استحق أفراد عائلته تعويضا مساويا للأجر الأخير للعامل عن فترة مقدارها أربعة وعشرين شهرا على ألا يقل عن ثمانية عشر ألف درهم وألا يزيد على خمسة وثلاثين ألف درهم.

ـــ انه إذا أدت الإصابة إلى عجز العامل عجزا كليا فان التعويض المستحق له يكون هو ذات التعويض المستحق له في حالة الوفاة.

ـــ انه إذا أدت الإصابة إلى عجز العامل عجزا جزئيا فانه يستحق تعويض يقدر بنسبة العجز الذي لحق منسوبا إلى التعويض المستحق له في حالة الوفاة حيث وضع المشرع جدولا يوضح نسبة كل عجز محتمل ان يلحق العامل منسوبا إلى العجز الكلي.

وعموما فان التعويض المستحق للعامل يقدر وفقا للمعادلة التالية وهي نسبة العجز الذي لحقه مضروبة في اجر الشهر الأخير مضروبة في 24 ومن هنا فان أي تعويض يستحق للعامل سيكون الأساس فيه هو التعويض المستحق عند وفاته الذي حدده القانون بأجر أربعة وعشرين شهرا بحد ادني ثمانية عشر ألف درهم وبحد أقصى خمسة وثلاثين ألف درهم.

وأكد الدكتور جلال إبراهيم انه إذا كانت القاعدة العامة التي اقرها القانون في تحديد مقدار التعويض وهي اجر أربعة وعشرين شهرا تبدو عادلة ومعقولة إلا أن هذا الأجر يختفي تماما بفعل الحد الأقصى الذي وضعه القانون وبالتالي فانه وفقا لهذا الحد الأقصى فان أسرة العامل عند وفاته لن تستطيع أن تحصل من رب العمل على تعويض أكثر من خمسة وثلاثين ألف درهم مهما بلغ اجر العامل المتوفى

كما أن العامل ذاته إذا أصيب بعجز كلي لن يستطيع أن يحصل على مبلغ اكبر من هذا مهما كان أجره لأنه بعملية حسابية بسيطة فان العامل سيصل إلى هذا الحد الأقصى إذا كان راتبه الشهري هو 1458 درهما وهو حاصل قسمة »35 ألف درهم على أربعة وعشرين« أما إذا زاد راتبه الشهري عن ذلك فان هذه الزيادة ستذهب هدرا عند احتساب التعويض المستحق له

لان أي زيادة على ذلك ستؤدي إلى أن يتجاوز مقدار التعويض المستحق له الحد الأقصى الذي قدره القانون وهو ما لا يجوز وليس الأمر كذلك فقط بل إن هذا الحد الأقصى سيؤثر على التعويض المستحق للعامل عند إصابته بعجز جزئي

حيث سينسب مقدار التعويض المستحق عن العجز الجزئي إلى مبلغ الحد الأقصى وهو »35 ألف درهم« وليس إلى مبلغ التعويض المستحق وفقا للقاعدة العامة »اجر 24 شهرا« وإلا فإننا سنصل إلى نتيجة مخالفة للمنطق وللمعقول وهى أن العامل يمكن أن يستحق تعويضا عند إصابته بعجز جزئي اكبر من ذلك الذي يستحق له عند إصابته بعجز كلي أو جزئي.

وأشار إلى أننا إذا ما وضعنا في الاعتبار المتوسط العام للأجور والذي نعتقد انه يرتفع كثيرا عن مبلغ 1458 درهماً فاننا نرى أن القاعدة العامة التي وضعها المشرع تغدو سرابا إذ لا سبيل إلى تطبيقها في الأغلب الأعم من الحالات فلو تصورنا على سبيل المثال أن عاملا أجره الشهري خمسة آلاف درهم أصيب بعجز كلي

فان مقدار التعويض المستحق له وفقا للقاعدة العامة سيكون مبلغ مئة وعشرين ألف درهم في حين انه لن يحصل فعلا إلا على مبلغ خمسة وثلاثين ألف درهم أما الباقي وهو خمسة وثمانون ألف درهم فلن يحصل عليه بتأثير الحد الأقصى المشار إليه مع مراعاة أن هذا الفارق سيزداد بقدر زيادة اجر العامل عن مبلغ الخمسة آلاف درهم الذي اعتبرناه نموذجا لأجر العامل

وإذا كان يمكن القول بأن التعويضات التي قررها المشرع كانت متناسبة مع المستوى العام للأسعار والنفقات المعيشية وقت وضع القانون عام 1980 فانه يبدو واضحا أن مثل هذا القول لا يمكن قبوله الآن بعد مضي أكثر من خمسة وعشرين عاما على صدوره لذلك نحن ندعو المشرع إلى إعادة النظر في إلغاء هذا الحد الأقصى المشار إليه بل وبشكل أكثر عمومية إلى إعادة النظر في التعويض المستحق للعمال الذين يصابوا في حوادث عمل

وهؤلاء الذين قد يقعدون أو حتى يتوفون في مواقع العمل وفي خدمة العمل الذي يساهم كثيرا في رفعة البلاد وتقدمها وربما يكون مقدار الدية المقررة للبلاد تأثيراً في اعتبار المشرع ولربما يكون في إلزام أرباب العمل بالتأمين الإجباري عن المسؤولية الناشئة عن الحوادث التي تصيب عمالهم من جراء العمل ما يخفف من تأثير التعويضات التي من المحتم أيضا سيرتفع كنتيجة للدعوة التي ندعو إليها.

أبوظبي ـــ البيان