شدد باحثون في مجال الإعلام على ضرورة وجود رقابة كافية على المواقع الالكترونية التي يتعامل معها الأطفال العرب، وعدم السماح لها لتنشر ما تشاء دون ضوابط وأحكام،محذرين من تسببها في ضعف وتأخير مستوى التحصيل الدراسي في إشارة منهم إلى أن تلك المواقع تقنية يُراد منها تثقيف الأطفال وتطورهم ، إلا أن مخاطرها أكبر، خاصة مع تزايد نسبة المستخدمين بعد أن كان ذلك قاصراً على أبناء طبقة محددة .
ونبهوا إلى خطورة الاستخدام العشوائي للمواقع الالكترونية وما تحتويه من مواد فيلمية مصورة تشكل خطراً على المستخدم الجديد، خاصة الأطفال الذين تشكل أعمارهم من 5 إلى 17 نسبة 40.5% من سكان الخليج، مما يؤكد ان شبكة الانترنت سلاح ذو حدين احدهما يطور الفكر ويبني العقل والآخر يمحو آثار الأول ويهدم ما بناه .
ويواجه المجتمع خطر تدني مستوى التحصيل لدى الأطفال الذين يستخدمون تلك الوسيلة في الترفيه واللعب، وتضرر العديد من الحالات جراء استخدامها للانترنت،وتشهد ساحات المحاكم قضايا عدة ضد جرائم متنوعة بحق الأطفال بسبب الانترنت.
وتطرق الدكتور عبدالله الكندي من جامعة السلطان قابوس في سلطنة عمان إلى ذلك من خلال بحث عنوانه »قوانين الانترنت في الخليج العربي وحماية الأطفال« ناقشه مؤتمر صحافة الانترنت الذي نظمته جامعة الشارقة.
عالم مبهم
ويقول الكندي إن الأطفال يمثلون نسبة عالية في منطقة الخليج العربي، إذ أن 40.5 في المئة من إجمالي عدد السكان يقعون في الفئة العمرية من 5 إلى 17 سنة، مما يؤكد أهمية هذه الفئة، وحتى الآن لا تتوفر أية إحصائيات أو أرقام حول علاقة واستخدام هذه الفئة للإنترنت، والحديث يدور عن عالم مبهم يكمن الخطر تحته، وهؤلاء الأطفال يحتاجون رعاية ومتابعة أسرية وقانونية.
وأوضح أن الانترنت عالم مغرٍ وجذاب ولا قيود عليه، وأن الأطفال وخصوصاً في عمر فوق الثلاثة عشر عاماً يتفننون في المغامرة، فكيف لهم أن يتصرفوا إذا أتيحت لهم عوالم متحركة في جهاز يمتلكونه بعيداً عن أعين الحرص والمتابعة، مشيراً إلى أن تعلق الأطفال يكون بشكل كبير في ألعاب الانترنت، ولكن الخوف من تفرد الطفل بالجهاز وبالتالي ينفتح على عالم يفوق مخيلته، وهناك الكثير من الأطفال الذين تضرروا من الانترنت وتوجد قضايا عدة رفعت في المحاكم إضافة إلى جرائم متنوعة بحق الأطفال.
جرائم ومصائب
ويتابع أن الأطفال العرب سيرتبطون أكثر بهذه التقنية وسيدمنونها، فإذا وجدت فيها الفائدة فلا مانع في استغلالها مع التركيز على الحماية اللازمة للأطفال حتى وصولهم سن الرشد، لافتاً إلى أنه لا توجد إحصائيات ودراسات عن الطفل العربي والانترنت، ويمكن لجامعة الدول العربية أن تقوم بدراسة على مستوى الدول العربية من أجل متابعة هذه الظاهرة والوقوف عند مشكلاتها.
ويبيّن أنه أجرى في دراسته الاستطلاعية تحليلاً نقدياً للقوانين الموجودة، وأبدى تخوفات كبيرة لمستقبل هذه الظاهرة وما يترتب عليها من آثار سلبية، داعياً إلى مسابقة الزمن في وضع الأسس والقوانين والاستعداد لمواجهة مختلف المشكلات المتوقعة قبل حدوثها، لا أن ينتظر المجتمع أو الدولة وقوع الجرائم والمصائب ثم التحرك بعدها.
ويرى الدكتور نشأت الأقطش أستاذ الإعلام بجامعة بيرزيت في فلسطين أن مصطلح الطفل يتأثر بالانترنت سلبياً أو إيجابياً غير دقيق ولا توجد مفاهيم أو قناعات تؤكد ذلك، وبعض العائلات تعتبر إطلاع أبنائها الصغار على الإنترنت أمراً إيجابياً وأخرى تعتقد أن المناظر الإباحية التي قد يطلع عليها الصغير ستؤثر عليه سلبياً، فالنظرة الدينية تختلف عن العلمانية.
نضوج مبكر
ويؤكد أن الانترنت سلاح ذو حدين فمن جهة أنه يثقفهم ويطورهم ويمنحهم نضوجاً مبكراً، ويشكل من جهة أخرى خطورة على أفكارهم وسلوكياتهم من وجهة نظر البعض، مشيراً في هذا الصدد إلى نظرية إعلامية قديمة عن نضوج الأطفال ونقوص الكبار.
واعتبر الدكتور الأقطش أن خطورة الانترنت وتأثيره على الصغار تكمن في عدم وجود تحكم بهذه التقنية، إضافة إلى التداخل والتشابك بين المواقع الالكترونية، والتي قد تفاجأ الأطفال فتأخذهم إلى حيث لم يتوقعوا الوصول إليه.
أما الدكتور لقاء مكي رئيس قسم الإعلام في جامعة بغداد فأكد وجود عدد من مواقع الانترنت مهتمة بالطفل، ولكنها غير خاضعة لرقابة المنظمات أو الجهات المعنية سلوكياً واجتماعياً، وهذه المواقع تحاول نشر قصص وروايات وألعاب يتمتع فيها الطفل.
وأشار إلى أن خطورة المواقع هذه لا تكون لأنها سيئة، ولكن لعدم وجود رقابة كافية عليها، فهي جزء من مشهد الانترنت الذي ينشر فيه الجميع ما يشاؤون من دون ضوابط أو أحكام، وهنا تكمن المخاطر الحقيقية، وأضاف أخشى أن يتحول الانترنت إلى »فخ فرانكشتاين« في إشارة إلى الرواية العلمية الخيالية التي أراد صاحبها أن يخلق إنساناً من جثث الأموات بروح كهربائية وفي النهاية تحول هذا العالم إلى ضحية لمخلوقه المختل عقلياً.
فقير وغني معلوماتياً
وترى الدكتورة نائلة عمارة رئيس قسم الإعلام في جامعة قطر أن الطفل العربي الذي ينتمي إلى الطبقة فوق المتوسطة وتملك القدرة على استخدام الانترنت وحده الذي يتمتع بهذه التقنية، وبالتالي فهو يستخدمها بشكل مكثف وغالباً ما يكون استخدامه لها في الألعاب التفاعلية، مشيرة إلى تجارب بعض المدارس في توفير الانترنت للاستخدامات المعلوماتية، والتي من شأنها أن تعدل من السلوك الاستخدامي في الترفيه واللعب، ولكن ذلك لا يقضي على الفجوة المعلوماتية الكبيرة بين مجتمع الأطفال.
وتؤكد أن من شأن الانترنت توسيع مدارك مستخدميه من الأطفال، وبالتالي ستزداد الهوة بين من يملكونه ومن لا يعرفونه، وسينقسم المجتمع إلى أطفال لديهم المعرفة وآخرون محرومون، ومستقبلاً سيخلق ذلك شرخاً في المجتمع فيكون الأغنياء معلوماتياً والفقراء معلوماتياً.
وتلفت إلى أن العائلة أصبحت تعي مخاطر الانترنت وإيجابياته وينقصها معرفة كيفية التعامل مع الطفل وتوجيهه للطريق القويم، والمشكلة أن الأب والأم وكثيراً من الحالات يكونون غير مثقفين أو ملمين بأمر الحاسوب.
وتشدد على ضرورة متابعة المواقع التي يستخدمها الطفل وانتقاء الألعاب له والتواجد معه وقت الاستخدام وتحديد وقته مع الكمبيوتر، موضحة وجود ضعف في التوجيه والمتابعة للأطفال في استخدامهم الانترنت، وعلى الأقل يجب الانتباه إلى المخاطر الصحية المترتبة على ذلك، إضافة إلى أن الكثير من الدراسات أثبتت أن الطفل المستخدم للألعاب تحصيله الدراسي أقل من نظرائه الأطفال.
وتوضح الدكتورة مي العبدالله أستاذ الإعلام في الجامعة اللبنانية أن استخدام الأطفال الحالي للانترنت محدود وفي بداياته، وأن تفاعلهم معه مقرون بمعرفتهم بالوسائل التقنية الحديثة، وهو ما يكون بفضل المدارس وانتشار الكمبيوتر في المنازل، ومتى يصبح الاستخدام أقوى عندها يكون الحديث عن المخاطر وارداً.
استخدام عشوائي
وتبيّن أن استخدام من هم فوق الثلاثة عشر عاماً للانترنت يكون عشوائياً، وأن خطر الاستخدام يكون في الألعاب والأفلام التي تتبنى نهج العنف ومشاهد الجنس وها ما يخشى، وحتى أن القيم الثقافية في البرامج والألعاب مستوردة ، فأفلام الكرتون مثلاً غربية الإنتاج والعربي منها تقليد، أي أنها تسوق للثقافة غير التي نعيش، وعدم ضبط الوقت والمواقع التي يدخلها الطفل يؤثر حتماً عليه نفسياً واجتماعياً وصحياً.
بينما يرى الدكتور السيد بخيت أستاذ الإعلام في جامعة الشارقة أن الفجوة بين المواقع الإعلامية والإلكترونية الموجهة للطفل موجودة وكبيرة بين الغرب والعرب، فالتخصص في تلك المواقع مفقود في العالم العربي، وكثير من المواقع تفتقر إلى الصورة والصوت والألوان أو حتى القدرة على جذب الطفل العربي.
ويقول أنه توجد حالياً بعض المؤشرات الإيجابية في المواقع الموجهة للطفل العربي ولكنها محدودة وتحتاج إلى دعم المؤسسات بحيث يتواصل معها الطفل، وبالتالي لا بد وأن يستفيد منها الأطفال العرب إذا ما قدمت المعلومة بالأسلوب الأكثر جذباً وتعبيراً الذي ينتظره الصغار.
تحقيق: عنان كتانة
