أكد جيم كيلي، مدير تحرير مجلة «تايم» الأميركية أن الصحافة يجب عليها أن تتحمل بشكل أكثر فعالية عبء توضيح صورة المواقف العربية في الخارج.

وهي الصورة التي يصعب فهمها، على حد تعبيره، بشكل كبير على كل من هم خارج المنطقة العربية ويمنعهم عدم اتقانهم للغة العربية من متابعة الأحداث وفهم مايجري بالشكل السليم.

وفي حوار خاص مع البيان على هامش مؤتمر الإعلام العربي الذي افتتح أمس في دبي، أكد الصحافي الكبير ان الدول، التي لا تسمح بحرية الصحافة تضر نفسها قبل غيره،« لأن تكميم الأفواه سيأتي بنتائج عكسية آجلا أم عاجلا » على حد تعبيره. وفيما يلي نص الحوار:

*ما هي من وجهة نظركم بأهمية انعقاد مثل تلك التجمعات الإعلامية العالمية في تلك المرحلة الشائكة التي يمر بها العالم؟

ـ يكفي لك أن تعلم أن شهر ديسمبر عادة ما يكون متخما بالعمل الميداني والمكتبي في جميع الصحف الأميركية. وعلى الرغم من ارتباطاتي الشديدي في هذا التوقيت من العام كل عام إلا أنني أبيت إلا أن أحضر إلى دبي .

ومن ثم أعود إلى نيويورك من اجل حضور هذ ا المؤتمر الإعلامي الضخم وذلك في ضوء الوجود الأميركي المكثف في المنطقة وبالتحديد في العراق في الأونة الحالية .

ومشاركتها في عملية صنع الأحداث بشكل مؤثر في تلك البؤرة المهمة من العالم.. ولذلك فإنني قررت المجيء لمعرفة كيف يرى الإعلاميون والصحافيون العرب أميركا بشكل عام ومساعدتهم على فهم الطريقة التي يفكر بها الأميركان .

وكيفية رؤيتهم للمنطقة العربية. فمعظم الصحافيين الأميركيين ليست لديهم فكرة واضحة عما يحدث في الشرق الأوسط وطريقة تفكير العرب بشكل عام والعكس أيضاً أعتقد أنه صحيح بالنسبة للصحافيين العرب.

وهنا أود الإشارة إلى حاجز اللغة وما يلعبه أحيانا من أدوار سلبية تؤثر على فهم الآخر بشكل كبير. ووجودي هنا في مثل هذا التوقيت سيساعدني بشكل كبير على تفهم الأبعاد المعقدة للموقف في المنطقة العربية.

وأنا دائما حريص على أن يكون الصحافي الذي يغطي المنطقة العربية على دراية كبيرة باللغة العربية وكذلك يجب أن يكون الصحافي العربي الذي يتناول الغرب بشكل أو بآخر.

؟ هل تعتقد أن حرية الصحافة مكفولة في العالمين العربي والغربي. فنحن نرى ما حدث في أميركا في الفترة الأخير من تكميم لأفواه بعض الصحافيين والتحرش بهم وكذلك ما حدث في بريطانيا من حظر للنشر في قضية الهجوم على قناة الجزيرة؟

ـ أعتقد أن حرية الصحافة أمر لا مفر منه وعلى الحكومات أن تدرك أن الشعوب ليست بالغباء الذي يجعلها تصدق كل ما يقال لها من قبل تلك الحكومات من خلال الصحافة المأجورة.

وهذا يقودنا إلى الحديث عن نوعين من الصحافة : الصحافة الجيدة والصحافة السيئة ، وهنا أيضا يكمن دور القارئ في التمييز بين الصحافة الجيدة والصحافة غير المسؤولة التي تستخدم من قبل الحكومات من أجل خداع الشعب.

ويتعين على تلك الحكومات أن تعرف أن أن كبت حرية الصحافي لن يؤدي إلى شيء آجلا أم عاجلا. ولنا مثال صارخ في هذا الصدد وهو ما حدث في الإتحاد السوفييتي السابق وما أدى إليه كبت الحريات من نتائج وخيمة على جميع الأصعدة.إن تكميم الأفواه لا يضر إلا بتلك الحكومات .

ولا يكرس إلا الكره من قبل الشعوب والمجتمعات. فلا يمكن للقارئ أن يكذب عينه عندما يرى الصحافي يعرض نفسه للخطر وللمواقف الحرجة التي يمكن أن تودي بحياته من أجل أن يأتي بخبر كاذب أو معلومة مغلوطة. فمن يصدق هذا الهراء.

؟ ما هو ملاذ الصحافي من وجهة نظرك؟

ـ أعتقد أن التوسع في إنشاء المنظمات التي تحمي حرية الصحافة في العالمين العربي والغربي هي السبيل الوحيد في هذا الشأن. فنحن في الولايات المتحدة الأميركية لدينا منظمة معنية بحماية الصحافيين يلجأ إليها كل من يتعرض إلى تحرشات .

وترهيب وأحيان تلجأ إليها عائلات الصحافيين الذين يلقى أبناؤها حتفهم من أجل توصيل الكلمة بشكل أمين وكامل لا نقص فيه ولا مواربة ، لاسيما هؤلاء الذين يعملون في البؤر الساخنة في العالم مثل العراق وأفغانستان. فعلى الصحافيين أن يستمروا في مهمتهم وعلى المجتمع الدولي أن يوفر لهم الحماية من خلال تلك المنظمات العالمية.

؟ تحدثت عن عدم وجود صورة مكتملة لدى الغرب عن المنطقة العربية، فهل تعني بذلك وجود قصور في تغطية الإعلام العربي لما يحدث في المنطقة بشكل أو بآخر؟

ـ نعم. من المهم للغاية أن تكون هناك أصوات تتحدث باسم المنطقة العربية في الخارج بشكل له مصداقية وبشكل مؤثر يعرف كيف يخاطب العقل الغربي .

وبشكل يمكن أن يعطي صورة حقيقية غير مبالغة لما يحدث على أرض الواقع ، وأعتقد أن قناة الجزيرة أحيانا تلعب دورا مؤثرا في هذا الصدد وينبغي لوسائل الإعلام الأخرى أن تسير على مثل هذا النهج وتعمل على توصيل ابعاد الموقف العربي للغرب.

ويتعين على الحكومات ايضا أن تدلوا بدلوها في هذا الشأن ولا تمثل عائقا أمام تلك الأبواق الإعلامية. فالحديث عن الأخطاء هو أول الطريق نحو الإصلاح.

أما التستر على تلك الأخطاء فلا يؤدي إلا إلى هلاك محقق. وعلى الحكومات أن تعلم أيضا أن ما يُمنع عن الشعب من خلال وسائل الإعلام المحلية سيكون متاحا بشكل لا رقابة فيه من خلال وسائل الإعلام الغربية. إن الحواجز بين أقطار العالم آخذة في التلاشي وما لا يقرأ في الصحف يقرأ من خلال الإنترنت.

؟ ما هي من وجهة نظرك الطريقة المثلى لتغطية أعمال العنف في العالم، سواء العنف الجسدي أو الارهاب الفكري؟

ـ هذا سؤال أعتقده مهما للغاية. فهذا هو الدور الذي يجب أن يضطلع به الصحافي. إن الصحافي أو الإعلامي بشكل عام منوط به مسؤولية كبيرة تتمثل في إعلام القارئ بالأخطار التي تواجه العالم ومساعدته على فهم آلية النشر بكل أنواعه. فنحن في مجلة « تايم» نقوم على سبيل المثال بتغطية الوجود الأميركي في العراق من أكثر من زاوية.

فنحن نتحدث عن العمليات العسكرية التي تقوم بها القوات الأميركية. وعن عدد الجنود الذين يقضون في الحرب ولكن ما هو أهم من ذلك بمراحل ، والذي يعد المهمة الأساسية للصحافي في مثل تلك القضايا.

هو إعلام القارئ بتكتيكات العدو والمتمثل في حالة العراق في جماعات التمرد وذلك بالشكل الذي يقدم لصناع القرار ذلك الجانب من الصورة الذي يحتاجونه لدراسة الموقف واتخّاذ القرار المناسب. فهنا يكمن الدور الحيوي الذي ينبغي أن تقوم به الصحافة. والمتمثل في مساعدة متخذي القرار في فهم الآخر.

؟ لا يمكن الحديث عن العراق من دون أن أتعرف على رأيك فيما يحدث هناك في الوقت الحالي؟

ـ حسنا، كل من كانوا يتابعون الموقف هناك قبل سقوط صدام يعلمون أن ما حدث ليس مفاجأة على الإطلاق. فصدام كان طاغية.

؟ ولكن الوضع حاليا ليس بأفضل مما كان عليه الحال قبل قدوم قوات التحالف؟

ـ حسنا ، هذا يعتمد على من تكون أنت. فالكثيرون ممن قمعهم صدام يرون أن الوضع حاليا أفضل. وعلى أية حال فإن العراق بلد معقد للغاية.

؟ ما الذي تحتاجه وسائل الاعلام لكي تؤدي رسالتها بشكل فعال في ظل المنافسة الشديدة على الساحة العالمية وفي ظل ذلك الإقتصاد الرأسمالي الذي يسيطر على الساحة العالمية؟

ـ أرى أن توفير الموارد هوالوسيلة الوحيدة في هذا الصدد.

وإذا أردت أن أتحدث عن مجلة «تايم» فبوسعنا القول أننا محظوظون لأننا نتبع مؤسسة «تايم وارنر» التي تمثل أهم عوامل نجاح المجلة بهذا الشكل الذي يراه الجمهور الآن..

وهنا لا يمكن إغفال الدور الإعلاني في نجاح أي مؤسسة إعلامية تريد أن تؤدي دورها بشكل سليم في عالم محتدم المنافسة.

؟ سؤالي الأخير عن التحديات التي تفرضها الإنترنت والصعوبات التي تواجهها الصحافة المكتوبة في ظل انتشار الشبكة العنكبوتية؟

ـ أعتقد أنه على الرغم من شيوع الإنترنت فإن الصحافة المكتوبة تظل تقدم ما لا تستطيع الإنترنت تقديمه. وأقصد هنا التحليلات العميقة ووجهات النظر التي نعمل على تقديمها بشكل جذاب للقارئ، بشكل مختلف عن الأسلوب المقتضب الذي تتبعه المواقع الإلكترونية. ولا شك أن القارئ بشكل أو بآخر يقدر هذا المجهود الذي يبذله القائمون على الصحافة المكتوبة.

أجرى الحوار: حاتم حسين