أكد المتحدثون في ورشة العمل الرئيسية التي أقيمت أمس عقب الجلسة الافتتاحية تحت عنوان» الصحافة العالمية: موازين القوى ومراكز الصراع«، على ضرورة استقلالية الإعلام والغاء السيطرة الحكومية عليه وعلى حرية الرأي البنّاء والتي تعتبر من أهم المقومات التي يمكن أن تعزز إعلاماً قوياً وقادراً على التصدي بكفاءة لكل القضايا العالمية.
وأشاروا إلى أن من أبرز الحلول التي تساعد على ذلك تطبيق الاحتراف والمزيد من التأهيل للعناصر الإعلامية وضرورة تخصيص أجهزة الإعلام والتي اعتبروها من أهم القضايا التي يمكن أن تزيد من كفاءة الأجهزة الإعلامية.
كما تطرق المتحدثون إلى كيفية تمكين القياديين الإعلاميين على مستوى العالم من التعرف على السياسة وآثارها، وكيفية التعاطي مع الأحداث بطريقة مختلفة، وكيف يؤثر الإعلام بصورة مباشرة في الشؤون السياسية والاجتماعية.
وفيما يلي مداخلات الحوار:
٭ زيون لي: نحن في الصين نعيش عصر التغيير والذي يشمل مختلف مناحي الحياة ولقد ساهمت وسائل الإعلام في قيادة هذا التغيير، وهذا التغيير بدأ ايجابياً ويحتاج إلى وقت ولا يتم هكذا دفعة واحدة وقد رحب الشعب الصيني باعجاب بهذه التغييرات خاصة وأنها لم تفرض من قبل السلطة.
وفي الصين هناك مشاكل تواجه الصحافة والإعلام الصينيين ونحن نشاطر العالم العربي هذه المشاكل ونواجه مشكلة سيطرة الحكومة وتفشي الفساد، إلا أن هذا لا يثنينا من الجزم بأن هناك جهداً في الصين لبناء حكومة شفافة رغم أن ذلك سيستغرق وقتاً طويلاً.
ومن الأمور الجيدة التي بدأنا نحسها في الإعلام الصيني هو أن هناك جهوداً بناءة لنقل الأخبار بكل مصداقية من أجل مجتمع مستقيم، كما أن هناك أموراً بدأت أجهزة الإعلام تنقلها بكل جرأة.
فالزلزال السياسي الذي هز فرنسا مؤخراً نتيجة احداث العنف العرقية الأخيرة، تعلمنا منها دروساً جيدة ولدينا نفس المشكلة التي يمكن حلها حتى لا نشهد ما حدث في باريس ومختلف المدن الفرنسية مؤخراً وهذه من ايجابيات الإعلام المحسوبة له في درء المشاكل قبل وقوعها.
٭ د. أنور قرقاش: استطيع القول إن المنطقة شهدت فورة وزلازل سياسية مثلما حدث مؤخراً في موضوع سوريا ولبنان والعراق والإرهاب، وما نراه اليوم في صحافتنا وإعلامنا تجاه ذلك هو مزيج غريب من القصص السلبية. فصحافتنا كانت منقسمة بين العناوين الرئيسية والأمور الفرعية.
لقد حدث تغيير في الإعلام نفسه لأننا نعيش في منطقة غير واضحة المعالم وعلى الرغم من ذلك فهناك ثورة إعلامية في عناوين الصفحة الأولى وهناك العناوين الداخلية الأقل شأناً وهو ما نسميه إعادة الرؤية لما يحدث في منطقتنا.
واعتقد أن أسس التقدم فيما يتعلق بالإعلام العربي هو من خلال احداث المزيد من التخصيص فيه كما اعتقد أن الصحافة العربية لا تزال تخضع للسلطة المركزية الحكومية ويجب الغاء هذه السيطرة الحكومية على الإعلام.
وأود الحديث هنا عن مسألة التقارير الإعلامية وتحليلها ويجب التركيز على كيفية نقل الاخبار وكيفية تحليلها بحيث لا يتم ذلك بطريقة عقائدية وانما بتخصص مهني محايد.
٭ عبدالرحمن الراشد: الإعلام الجيد هو الذي يتناول قضايا رئيسية ليتعرف عليها العالم ثم يقوم بالتغيير للأفضل. ولكن في عالمنا العربي وبخاصة في الشرق الأوسط فهذه الفرص ضئيلة بسبب أن التعليم لا يشهد تغييراً جذرياً وهذا أمر في غاية الأهمية لأن المشاركة الشعبية المتعلمة تعتبر من ضروريات تقدم الدول.
وعندما نجد إعلاماً واعياً وشعباً متعلماً نخلق بذلك أدواراً كبيرة يمكن أن يلعبها الإعلام لدفع الشعب في الاتجاه الصحيح، وحتى الأخبار المتخصصة يمكن أن تلعب دوراً كبيراً في التقدم والازدهار وأنا أتحدث هنا عن الأخبار المتعددة فمثلاً في لندن يهم القراء معرفة حالة الطقس.
وفي منطقتنا مثلاً تفرض الأحداث الدامية موقعها كذلك أخبار الاستثمار فالخبر الصحافي اعتبره مثل السكين التي يمكن أن تقتل بها وفي الوقت نفسه يمكن ان تستخدمها استخدامات نافعة في المطبخ مثلا. وأنا مع الاحترافية الإعلامية، فالمهنية يجب أن تكون من صفاتنا.
وأن تؤثر فيما حولها سواء في الحكومة أو القطاع الخاص أو من قبل المجتمع وأعتقد أن الصحافيين العرب يقاومون بطرق جيدة ولكن يجب المضي قدما في موضوع الاحتراف وفهمه الفهم الصحيح مع التقيد بالقوانين.
إن الإعلام العربي لا يزال »صناعة خام« وأنا مع انتشار المجلات المتخصصة مثلاً الايكونومست الأميركية للوصول إلى حوالي 100 مليون عربي لأن معرفة أراء كل هؤلاء الناس مهمة جداً.
وأنا أثني على جهود الكويت الأخيرة التي فتحت الباب للمزيد من الرخص للمؤسسات الإعلامية وقد حان الوقت للعمل الصحافي والإعلامي بدون حاجة للحصول على رخصة مسبقة.
ومن المشاكل الأخرى التي تعرض لها الإعلام العربي وجود عدد ضخم من المحطات التلفزيونية ولكن للأسف لا يوجد العدد الكافي من المنتجين والفنيين المتخصصين لأولئك الذين يقومون بالأعمال من وراء الكواليس كما يجب ابتكار المزيد من الأساليب التدريبية.
٭ ديفيد اغنشويس: من المشجع أن التغطية الإعلامية أصبحت أكثر عمقاً واحترافاً كما شاهدنها تغطية حرب العراق، أو جهود ذلك الصحافي الذي قام بتغطية كاملة لعملية اغتيال الصحافي سمير قصير، فهناك إعلاميون يجازفون بحياتهم من أجل الوصول إلى كبد الحقيقة وهناك من يتعرضون لخطر الاعتقال أو الخطف أو القتل.
كما أنني أؤيد مبدأ الاحتراف الإعلامي ويجب ان نؤمن بهذه القضية من أجل عمل إعلامي متكامل يقوم على أسس راسخة، فهناك صحف ومنها صحيفتي تهتم بالأخبار العالمية للوصول إلى أكبر عدد من القراء وهناك صحف تهتم بالأخبار المحلية أكثر من العالمية.
٭ بيتر دايفيد: وسائل الإعلام الغربية محظوظة لأنها وقعت اتفاقيات فيها بينها ساهمت في إحداث تغير جذري في وسائل الإعلام الغربية، كما ساهمت في ارساء قواعد من ابرزها احترام شرف المهنة.
ومحاربة اصحاب الأقلام المأجورة من أجل مزيد من الاحترافية والاستقلالية، ولقد أعجبت بحديث عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية قبل قليل حينما طالب بإعلام صادق فهذا.
هو الدور الذي نريده من القيادات بضرورة حث الإعلام على القيام بدوره بطريقة صادقة وانا أحث أجهزة الاعلام العربية على ضرورة احترام السلطات وبالقدر نفسه نريد هذه السلطات ان تحترم وسائل الإعلام حتى نستطيع ان نبني علاقة صادقة ووطيدة بين الطرفين.
اسئلة ساخنة
٭ شهدت الجلسة عقب مداخلات المتحدثين نقاشاً ساخناً وضحت سخونته من اسئلة الحضور للمتحدثين وكان أبرزها السؤال الموجه من إدوارد سلفين إلى بيتر دايفيد عن مدى شعوره بالأسف حيال دفاع مجلة »الايكونومست« عن أسباب اجتياح أميركا للعراق.
فيها يخص قضية وجود اسلحة دمار شامل. وقد ابدى دايفيد أسفه لموقف المجلة بعدما اتضح لها فعلاً عدم وجود أسلحة دمار شامل بالعراق وقال: لقد اعترفت بكل شجاعة بخطأنا هذا.
اضافة لعدم ثبوت علاقة صدام بالقاعدة وقد قمنا بعمل تحقيق واسع حول هذا الموضوع ونعترف بشجاعة بالخطأ الذي ارتكبته المجلة وتجربة العراق علمتنا أن نكون أكثر دقة في تناولنا للأحداث.
٭ أبو بكر من نيجيريا وجه سؤالاً حول تقصير الإعلام العرب في معالجة القضايا الإفريقية الملتهبة مثل مشكلة دارفور بالسودان.
وأجاب عليه عبدالرحمن الراشد بأنه يعترف بوجود هذا التقصير وأن المشكلة هي صعوبة الوصول المباشر إلى منطقة دارفور لنقل الأحداث على الطبيعة، إضافة إلى انشغال الصحافة العربية بأحداث رئيسية مثل انسحاب سوريا وقضايا لبنان الداخلية.
٭ سألت إحدى الحضور الآسيويات عن مغزى عدم حيادية الإعلام تجاه عملية غزو العراق بحجة وجود أسلحة دمار شامل وعدم مهاجمة دول مثل كوريا الشمالية وإسرائيل لامتلاكها أسلحة دمار شامل ورد عليها دايفيد بأنه من الخطورة مهاجمة هذه الدول في الوقت الحاضر لأننا مقتنعون بأن لديها هذه الأسلحة وربما استخدمتها ضد قوات التحالف أو الدول المجاورة.
كما أن الموضوع يجب ان يناقش وتعطى الدبلوماسية حقها في التعامل معه اما بالنسبة لإسرائيل فقال بأن هناك عدم خوف من استخدام إسرائيل هذه الأسلحة ضد العرب لعدم وجود مهددات في الوقت الحاضر.
المتحدثون في الحوار
٭ ادار الحوار خالد المعينا رئيس تحرير »أراب نيوز« وشارك فيه كل من عبدالرحمن الراشد مدير عام قناة »العربية«، د.أنور قرقاش استاذ العلوم السياسية بجامعة الإمارات، ديفيد اغنيشوس المحرر المساعد بصحيفة »واشنطن بوست«، بيتر دايفيد محرر أجنبي لمجلة »إيكونوميست« وزيون لي مدير التحرير في صحيفة »الصين زينهوا«.